نبض مصر

دفوف الزار تدقّ في أحياء القاهرة الشعبيّة إحياء للتراث المصريّ الأفريقيّ

p
بقلم
بإختصار
القاهرة – في ممرّ ضيّق في حيّ عابدين في قلب القاهرة الخديويّة، تقيم فرقة "أسياد الزار" حفلاً تقليديّاً داخل مسرح صغير وسط البيوت القديمة، بالدفوف والآلات الموسيقيّة التقليديّة، لتعيد إلى الذاكرة المصريّة في الأسبوع الأوّل من كلّ شهر، فنّ الزار الذي اختفى تدريجيّاً من الثقافة الشعبيّة المصريّة خلال العقدين الآخيرين. "إحياء الموسيقى الشعبيّة والبحث عنها من منابعها وتقديمها إلى الجمهور"،...

القاهرة – في ممرّ ضيّق في حيّ عابدين في قلب القاهرة الخديويّة، تقيم فرقة "أسياد الزار" حفلاً تقليديّاً داخل مسرح صغير وسط البيوت القديمة، بالدفوف والآلات الموسيقيّة التقليديّة، لتعيد إلى الذاكرة المصريّة في الأسبوع الأوّل من كلّ شهر، فنّ الزار الذي اختفى تدريجيّاً من الثقافة الشعبيّة المصريّة خلال العقدين الآخيرين.

"إحياء الموسيقى الشعبيّة والبحث عنها من منابعها وتقديمها إلى الجمهور"، هي الهدف من عودة حفلات الزار، حيث يتحدّث إلى "المونيتور"، الباحث الموسيقيّ ومؤسّس مركز المصطبة للموسيقي الشعبيّة المصريّة زكريّا ابراهيم، قائلاً: "الزار ينقرض في مصر... ومن يعرفونه ويمارسونه يعانون من صعوبة في الاستمرار".

الزار هو أقدم فنون الموسيقى الشعبيّة المصريّة الشهيرة، وقد اختلف المؤرّخون عن تحديد منشئه، لكن هناك اعتقادات أنّه نشأ في إثيوبيا والسودان وانتقل منهما إلى مصر ثمّ إلى بعض بلدان الشرق الأوسط، حيث أنّ الزار المصريّ اختلط بالسودانيّ مع توافد الهجرة السودانيّة إلى مصر خلال فترة حكم محمّد علي في عام 1820 حيث دخلت آلتا الطنبورة والرانجو السودانيّتان في موسيقى الزار، لتتعدّد أنواعه بين الزار المصريّ الذي تستخدم فيه الدفوف والطبول، والزار السودانيّ الذي تستخدم فيه آلة الطنبورة التقليديّة، وزار أبو الغيط، وهو الأشبه بالتواشيح والأغاني الصوفيّة، إلّا أنّه ارتبط في الذاكرة المصريّة بالخرافات وطرد الجنّ والأرواح الشريرة من الجسد، خصوصاً بين أوساط النساء في القرى والأحياء الشعبيّة.

يبدأ حفل الزار بإيقاعات هادئة للطنبورة والرانجو مع إنشاد أغانٍ تحمل كلمات من اللهجة السودانيّة واللهجات المصريّة المحليّة من الصعيد وبورسعيد، لتبدأ الدفوف والطبول في إضافة إيقاعات وحركات سريعة متتابعة تغيّر من أجواء الحفلة إلى الإثارة التي تجذب الحضور للمشاركة والانفعال مع الموسيقى، مع راقص يرتدي حزاماً من حوافر الماعز التي تصدر أنغاماً تضاف إلى موسيقى الآلات التقليديّة المصنوعة أيضاً من جلود الحيوانات ومشتقّاتها.

من بين أعضاء الفرقة حسن برجامون، وهو آخر عازفي آلة الرانجو السودانيّة في مصر، يقول في حديث إلى "المونيتور": "ولدت في القاهرة بعدما هاجر والدي للعمل هنا في الثلاثينيّات من القرن الماضي، وتعلّمت العزف على الرانجو من أبي، لكن عندما اندثر هذا الفنّ، كنّا نغنّي ونعزف في حفلات الزار".

يضيف برجامون: "الرانجو والطنبورة هما آلتان سودانيّتان أتى بهما أجدادنا عندما هاجروا إلى مصر، وهي آلة خماسيّة تتماشى إيقاعاتها مع موسيقى الزار". 

الشيخة زينب، سيّدة في عقدها الستّين، تمارس الزار منذ طفولتها حيث كان والداها يقيمان حفلات الزار في المنازل في أحياء محافظة بورسعيد، حتّى توقّفت الحفلات بسبب عدم الطلب من السكّان المحليّين.

تقول زينب في حديثها إلى "المونيتور"، وهي محاطة بعدد من النساء الذين حضروا حفلها: "أغلب من يتردّدوا على حفلات الزار من النساء"، مضيفة: "كلّ من يحضر الحفلة يخرج مرتاحاً نفسيّاً، ويشعر أنّه أخرج طاقات سلبيّة وكبتاً نفسيّاً، هناك من يتأثّر بأغنية وموّال حزين ومن يتأثّر بإيقاعات سريعة للموسيقى والطلب".

وعلى الرغم من اندثار ثقافة الزار في مصر، تؤكّد زينب: "هناك طلبات قليلة حتّى الآن لإقامة حفلات الزار في المنازل، لكن مع انتشار الجماعة السنيّة في مصر، كان هناك هجوم على الزار وتمّ ربطه بالخرافات والجنّ، لكنّه في الأساس طقس روحيّ وبريء من كلّ الانتقادات".

يقول ابراهيم: "الزار فنّ طقسيّ في الأساس وليس احتفاليّاً، لارتباطه بخلفيّة معتقديّة بأنّه وسيلة العلاج الشعبيّة التقليديّة للمشاكل النفسيّة"، مؤكّداً: "بعيداً عن الخلافات حول الخلفيّة العقائديّة للزار، إلّا أنّ الإيقاعات السريعة وطريقة الغناء والرقص في حفلات الزار تعمل على تفريغ الشحنات السلبيّة والكبت".

وربط عدد من الأعمال الدراميّة في مصر الزار بعالم الجنّ والشعوذة والدجل، وهو ما وضعه في صورة نمطيّة وأضاف عليه وصمة اجتماعيّة.

"مزاهر الزار" فرقة أخرى كوّنها رئيس المركز المصريّ للثقافة والفنون، الدكتور أحمد المغربيّ، تجمع آخر فنّاني الزار في مصر في حفلات أسبوعيّة في مسرح صمّم على التراث التقليديّ في وسط القاهرة منذ عام 2002 حتّى الآن.

يقول المغربي في حديث إلى "المونيتور": "هذه الحفلات تحيي فكرة "الحضرة" والمشاركة في الغناء الجماعيّ، وتقديم الموسيقى بطريقة تعكس التراث المصريّ في شكل إيجابيّ، في وقت يعاني الموروث الشعبيّ من نظرة دونيّة من المصريّين أنفسهم".

يؤكّد المغربي: "الزار يكشف عن الجزء الأفريقيّ في الفنّ المصريّ، حيث كان الاتّصال التاريخيّ بين مصر وبلدان القارّة الأفريقيّة، بداية من النوبه في صعيد مصر"، مضيفاً: "التحليل الموسيقيّ للزار يكشف عن ثراء وتراكم كبير يمتدّ إلى مئات السنين، لكن لا توجد أبحاث حقيقيّة عن موسيقى الزار، حيث لن يتعدّى الاهتمام العلميّ سوى التركيز على الزوايا الانسانيّة والنفسيّة فقط".

ومن خلال محاولات إحياء التراث الشعبيّ المصريّ، انتقل الزار من الأحياء الشعبيّة والصورة الاجتماعيّة النمطيّة الذي جعلت ممارسته في بعض الأوقات وصمة عار ونوعاً من الجهل والدجل، إلى مسارح المراكز الثقافيّة التي تضيف فنّ الزار إلى الموروث الثقافيّ المصريّ القديم، والذي اتّسع ليتشابك مع التراث الموسيقيّ الأفريقيّ أيضاً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : music, ethiopia, egypt-sudan ties, culture, cultural conflict, cairo, arts, artists
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept