ما لم تستطع تركيا فهمه عن داعش

نظريات المؤامرة في تركيا تؤدي الطبقة الحاكمة الجديدة إلى خداع ذاتها وتمنعها من رؤية الحقائق المريرة المعقدة التي تثقل كاهل البلاد.

al-monitor .

المواضيع

salafist jihadists, istanbul, invasion, intellectuals, ideology, is, conspiracy theories

يول 11, 2016

منذ الهجوم القاصم الذي استهدف مطار أتاتورك في اسطنبول في 28 حزيران / يونيو، أصبحت تركيا أكثر تنبها لتهديدات الدولة الإسلامية، ففيما اعتقلت الشرطة التركية أكثر من 20 عضوا اشتبهت بانتمائهم لداعش في خضم بحثها عن خلايا سرية تابعة للمجموعة، بدأت طائرات الجيش التركي ومدفعياته استهداف داعش في سوريا، ما يعني أن تركيا قد بدأت تتخذ موقفا أكثر جرأة إزاء المنظمة الإرهابية التي تشكل خطرا على العالم بأسره، وإن أتى هذا الموقف في وقت متأخر.

إلا أن هذا الموقف بات غير كاف لأن تركيا بحاجة إلى حرب أفكار ضد داعش في حين أن الطبقة الحاكمة ذات التوجهات الدينية في تركيا تبدو وللأسف غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك، ليس لأنها متيمة بداعش أو لأنها تتعاطف مع المجزرة التي تسبب بها هذا التنظيم، بل لأن معظم قادة الرأي الإسلامي في تركيا الذين يتمتعون بالقدرة على مواجهة أيديولوجية داعش يختارون غض النظر عن طبيعة المشكلة ويصفونها بأنها مؤامرة غربية ضد الإسلام.

يبدو ذلك جليا في وسائل الإعلام الموالية للحكومة والتي تعكس جزءا كبيرا من المعسكر الاسلامي. فبعد الهجوم على مطار اسطنبول، ألقى العديد من المقالات التي نشرتها وسائل الإعلام الموالية للحكومة اللوم على «وكالة المخابرات المركزية،» وذلك بحسب مقال حديث نشره موقع المونيتور.

كما أن هناك سرد كامل يربط ما بين صعود داعش ومؤامرة غربية تهدف إلى خلق حصان طروادة داخل الدين الإسلامي من أجل الإساءة إلى صورة هذا الدين والدفع بالإمبريالية الغربية قدما في الشرق الأوسط.

وقد صدر مؤخرا كتابا بعنوان: «داعش: شريعة الحرب العالمية الثالثة» (علما أن داعش هو اختصار للتنظيم الإسلامي يفضل أردوغان وأنصاره استخدامه لتفادي أي إشارة واضحة إلى الإسلام) وقد قامت بيتول سويسال بوزدوغان بكتابة هذا الكتاب، وهي مراسلة مشهورة للتلفزيون الحكومي تي أر تي، ويتضمن الكتاب مقابلات مع نحو 19 أكاديمي - معظمهم معروفين بولائهم للحكومة، وتم الترويج للكتاب ضمن حملة موسعة تضمنت فيديو عالي الجودة نص على ما يلي:

«انهار مشروع العولمة، والرأسمالية على شفا الموت، وظلام العدمية [يهيمن] على العالم بأسره، والإسلام هو القلعة الحرة الأخيرة التي تقدم مقاومة عالمية، ما دعا العقل المدبر إلى استحداث اختراع جديد للاستيلاء على القلعة ألا وهو تنظيم داعش الذي يريد أن يجمع ما بين الإسلام والإرهاب.»

بعبارة أخرى، ما تسبب بوجود داعش ووحشيته هو العقل المدبر الشرير، وهو مصطلح اخترعه أردوغان العام الماضي، كما شرحت في مقال على موقع المونيتور، للإشارة إلى المركز الغربي للمؤامرات. علاوة على ذلك، يروي فيلم الكتاب الترويجي أن الهدف من هذه المؤامرة ليس الإسلام وحده، بل «تركيا الجديدة» المجيدة التابعة لأردوغان أكثر تحديدا. ويقول الفيلم إن «لدى داعش مهمة ثانية ألا وهي: ردع تركيا المرشحة لتكون «البلد ذي المرجعية التاريخية والحضارية.» ولأنهم يعرفون أننا سنصنع التاريخ إذا تم القضاء على الحواجز، يريدون فعالية تركيا والإسلام أن تموت من خلال التصويب على داعش.»

إلا أن وسائل الإعلام المؤيدة لأردوغان لم تنظر إلى هذه الحجة التي تخدم مصالح ذاتية من منظار فن هابط. بل على العكس تماما، فقد رحبت بها وصفقت لها بحرارة. وبحسب مقال نشرته صحيفة صباح الموالية لأردوغان، على السياسيين والمثقفين عدم تفويت هذا الكتاب. وأشارت مقالات رأي نشرتها وسائل إعلامية من الجهة نفسها إلى أن «داعش هو نتاج الغرب» وأن «داعش دمية يحركها الغرب،» علما أن وزيرا في الحكومة قال العام الماضي إن «داعش وحزب العمال الكردستاني لعبتين في يد الغرب.»

المشكلة الكبرى الناتجة عن هذا الهوس بالمؤامرات الغربية ليست أنها تبدو مثيرة لسخرية أي شخص لديه فكرة أفضل عن العالم، بل أنها تضع الطبقة الحاكمة الجديدة في تركيا في فقاعة من خداع الذات وتمنعها من رؤية الحقائق المريرة والمعقدة التي تواجه تركيا. فتبدو وكأن ليس لها أدنى فكرة عن أيديولوجية داعش الدينية أو السلفية الجهادية التكفيرية أو الديناميات الاجتماعية والسياسية التي تدفع الآلاف من الشبان المسلمين لهذا التعصب.

في هذا الوقت، يشن داعش في العالم الحقيقي هجوما مقلقا في المجتمع التركي، ليس بسبب أي مؤامرة غربية، ولكن بسبب العمى التركي إزاء المسألة. وبحسب ما أوضح يوسف مفتووغلو، المستشار السابق للرئيس السابق عبد الله غول، في مقال بغاية الرصانة، شهدت تركيا في السنوات الخمس الماضية «تطبيعا للتطرف السلفي» فمنحت داعش أرضا خصبة.

وقال مفتووغلو، »قد اضطلع بعض المنظمات غير الحكومية الإسلامية في تركيا ووسائل الإعلام بأدوار بارزة في هذه العملية، ليس فقط من خلال التبشير بخطاب محض طائفي، ولكن أيضا من خلال إسكات كل من حذر من الدولة الإسلامية. وتمت مهاجمة إيران، وبالتالي الشيعة، وتم وصفهم بصفات مهينة تبررها حجة أن التطرف السلفي كان نتيجة متوقعة للتطرف الشيعي.»

نفس الناس الذين ساعدوا على تقدم «التطرف السلفي،» أي وسائل الإعلام الموالية للحكومة والعديد من محرريها، بحسب مفتووغلو، يقولون لنا اليوم إن منتجه النهائي، أي داعش، ما هو إلا مؤامرة غربية. وما إن يتم الاعتراض على أفكارهم حتى يلقون اللوم على منتقديهم ويتهمونهم بأنهم وكلاء للغرب يحاولون تبرئة أسيادهم المفترضين.

إلا أن المشكلة ليست الغرب الذي ارتكب عدة خطايا يمكن لومه عليها، مثل غزو عام 2003 وما أعقبه من احتلال للعراق – وهو احتلال بات معروفا أنه حماقة كارثية باعتراف العديد. المشكلة الحقيقية هي ما إذا كان أعضاء الطبقة الحاكمة التركية الجديدة لديهم القدرة الفكرية لفهم العالم كما هو والقدرة المعنوية للاعتراف بإخفاقاتهم والمشاكل التي تشوب تقاليدهم، إلا أنهم لم يقوموا بعمل رائع في هذا الصدد حتى الآن. وما قد يساعدهم على القيام بخطوة كبيرة إلى الأمام هو استيعاب أن داعش ليس مؤامرة ضد الإسلام بل مرض متفشي في الإسلام.

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض تركية

al-monitor
زيادة حادّة في عدد الزائرين الإيرانيّين تنعش قطاع السياحة التركي
Paul Benjamin Osterlund |  السياحة | يون 17, 2018
al-monitor
ازدهار الصادرات التركية إلى سورية في ظل الحرب
فهيم تشتكين | اقتصاد و تجارة | يون 7, 2018
al-monitor
التطهير العسكري التركي ينسف صفوف الضباط والطيارين
متين گورجان | | ماي 29, 2018
al-monitor
صناعة الدفاع في تركيا عند منعطف حرج
متين گورجان | اقتصاد و تجارة | ماي 25, 2018