نبض العراق

أسد بابل... لا يزال صامداً في وجه قسوة الطبيعة والإهمال

p
بقلم
بإختصار
تمثال أسد بابل ينتصب في العراق منذ آلاف السنين، وهو معرّض للخراب إثر عوامل التّعرية والإهمال.

العراق، بابل- ينتصب تمثال أسد بابل في موقع آثار مدينة بابل التاريخيّة (100 كلم جنوبيّ بغداد) في العراق، والّتي تأسّست في عام 1880 قبل الميلاد. ومنذ اكتشافه في عام 1776 من قبل بعثة حفريّات أثريّة ألمانيّة، وهو يقاوم ظروف البيئة القاسية من رطوبة ودرجات حرارة عالية تصل إلى نحو الخمسين درجة مئويّة في فصل الصيف وعوامل التّعرية بسبب الرياح وأشعّة الشمس القويّة وتقادم الزمن عليه منذ أكثر من 4 آلاف سنة، حيث ترجّح إقامته من قبل الملك البابليّ الكلدانيّ نبوخذ نصر الثاني في حدود (605-562 ق.م) ليفقد التمثال المصنوع من حجر البازلت الأسود الصلب شكله الخارجيّ تدريجيّاً، ويقترب من شكل المنحوتة الخالية من الملامح. وما يزيد من الأضرار في بنية هذا الأسد الحجريّ الجاثم على شخص بشريّ، الطريقة الخاطئة في الإحتفاء به، إذ تظهر صور الزوّار، وهم يصعدون على ظهره، فيما أظهرت صور أخرى مجموعة من روّاد المكان يمتطون ناصيته ويصعدون على قاعدته.

وفي هذا الإطار، قال طالب المدرسة أحمد حسن لـ"المونيتور" بـ25/06 في بابل: "إنّ مشاهدة الزوّار، وهم يصعدون على ظهر التمثال أمر معتاد".

وأكّد أنّ "الكثير من زملاء المدرسة التقطوا صوراً، وهم يصعدون على ظهر أسد بابل"، وقال: "هؤلاء لا يقصدون إلحاق الضرر بالتمثال، بل هم يعتزّون به ويفتخرون بالتقاطهم الصور وهم على ظهره، لكنّ طريقة تعبيرهم عن هذا الفخر بدائيّة، ولا تدلّ على الوعي والسلوك الصحيح في التّعاطي مع الآثار، وهي نتاج ثقافة خاطئة لا تتعامل مع الكنوز الآثاريّة بصورة صحيحة".

ويظهر الإقتراب من التمثال، الّذي يبلغ طوله حوالى مترين، الثقوب والأضرار في بنيته، فيما تظهر التقشّرات في قوامه ما يؤكّد أنّ الأسد يمرّ بمرحلة حرجة في إثبات قدرته على الصمود بوجه الظروف القاسية الّتي تحيط به.

وبجانب التمثال ثمّة تشقّقات وحفر ملئت بمادّة الجصّ الأبيض، وهي تؤكّد بصورة قاطعة الإدامة غير الصحيحة والإصلاحات غير "المهنيّة" له، فهذه الطريقة في الإدامة العشوائيّة الخارجة عن السياقات الّتي حدّدتها منظّمة "اليونيسكو" في الحفاظ على أصل الآثار وعدم التلاعب بها، تذكّر بما أقدم عليه الرئيس السابق صدّام حسين (1937- 2006) بإدخال آثار بابل في برنامجه السياسيّ – العمرانيّ، فقام بإعادة تجديد بعض أبنيتها بطريقة جعلت منظّمة "الـيونيسكو" تحتجّ على إجراءات اعتقدت أنّها تسيء إليها كمدينة تاريخيّة.

ومؤكّداً هذا الوضع المربك لأسد بابل، قال مدير آثار بابل حسين فليح لـ"المونيتور" بـ26/06 في بابل: "لا مشاريع في الوقت الحاضر لتأهيل أسد بابل".

وأشار إلى أنّ "المديريّة أجرت عمليّة صيانة على قاعدة التمثال لمعالجة التآكلات الّتي تعاني منها القاعدة، بالتّعاون وبتمويل من صندوق النصب العالميّ".

واعترف حسين فليح بـ"ظاهرة التجاوز على الأسد من قبل الزوّار"، مشيراً إلى أنّ "ظاهرة الصعود على ظهر الأسد مؤلمة جدّاً، وتدلّ على عدم الوعي لأهميّة هذا الصرح التاريخيّ"، وقال: "رغم وجود الحرّاس حول الأسد، إلاّ أنّ أعداد السيّاح تكون كبيرة، ممّا يحول دون السيطرة على سلوكيّاتهم".

وعن الإجراءات للحدّ من ذلك، قال: "سوف يتمّ نصب سياج أمنيّ، وهو من ضمن الأعمال الوقائيّة لمنع تكرار حوادث كهذه، وسيكون بارتفاع 50 سم ويمنع تجاوزه من قبل الزوّار".

ومن جهته، قال الفنّان التشكيليّ شبيب المدحتي خلال حديثه لـ"المونيتور" بـ26/06 في بابل: "إنّ القيمة الفنيّة، ناهيك عن التاريخيّة، تدفعاننا إلى ضرورة الحفاظ على التمثال من الاندثار، فمثل هذه المعالجات للأضرار تفقده قيمته التاريخيّة".

أضاف: "أزور التمثال بين فترة وأخرى، وألاحظ علامات التقادم، وعبث عوامل التعرية فيه من دون أيّ تدخّل فنيّ على أيدي متخصّصين لإصلاح الأضرار".

وتابع: "متابعتي لحال التمثال تؤكّد الإهمال الّذي يلاحقه".

وأردف: "يجب وضع آليّات تحميه من هذه التداعيات، مثل قاعة زجاجيّة أو إجراءات أخرى يضعها خبراء حماية الآثار".

وقال شبيب المدحتي: "هناك الكثير من آثار العالم في العراء، لكنّها تلقى العناية والفحوص الدوريّة، لكنّ تمثال بابل لا يناله مثل هذا الاهتمام".

وبدوره، تحدّث الآثاريّ حميد حسن خلال حديثه لـ"المونيتور" في 22/06 عن أهميّة أخرى للتمثال، فقال: "إنّه رمز وطنيّ، يدلّ على عظمة بابل وقوّتها. كما أنّه رمز لتاريخ العراق".

أضاف: "إنّ أهمّ ما يتهدّد التمثال أيضاً الأملاح، الّتي صعدت إلى سنتميترات عدّة على قاعدته، إضافة إلى آثار الرطوبة الناتجة من المياه الجوفيّة".

وخشي حميد حسن من أن يتحوّل هذا المعلم الأثريّ، الّذي يرمز إلى قوّة بابل وفرض سلطتها على الشعوب، مع مرور الزمن إلى أطلال، بسبب الإهمال في إيقاف تأثّره بعوامل التّعرية والظروف الطبيعيّة وتدخّلات الإنسان المضرّة.

وكذلك، قال عضو مجلس محافظة بابل حسن كمّونة خلال تصريح لـ"المونيتور" بـ22/06 في بابل: "إنّ مدينة بابل الأثريّة تعاني من الإهمال منذ فترة طويلة، وإنّ أسد بابل يمكن أن يتعرّض للأضرار الفادحة في أيّ لحظة بسبب غياب الرقابة المتطوّرة والحراسة المشدّدة".

وأكّد أنّ "المشاهد الّتي ظهرت على وسائل الإعلام ومواقع التّواصل الإجتماعيّ من صعود أفراد لا يعون قيمة الآثار على ظهره هي مشاهد مؤسفة للغاية ولا تزال تتكرّر إلى الآن"، عازياً ذلك إلى "انحسار الثقافة الآثاريّة". وطالب إدارة الآثار في بابل بـ"اتّخاذ إجراءات رادعة في هذا الشأن".

واقترح حسن كمّونة "خطّة طوارئ عاجلة للنهوض بآثار بابل وتحويلها الى مرفق سياحيّ عصريّ، لأنّ ذلك سيوفّر الأموال اللاّزمة لمشاريع التطوير والتنقيب عن الآثار في باطن أرض بابل، بدلاً من انتظار رصد الأموال اللاّزمة لها من الميزانيّة الإتحاديّة في ظلّ أزمة إقتصاديّة يمرّ فيها العراق بسبب تكاليف الحرب على الإرهاب وانخفاض أسعار النفط".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : tourism, preservation, heritage, babylon, archaeology, antiquities

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept