نبض العراق

بيوت القصب... إرث سومريّ يصارع الإهمال وجفاف الأهوار

p
بقلم
بإختصار
يبني العراقيّون في مناطق الأهوار والأرياف بيوتهم من أعواد القصب وأوراق البرديّ، منذ آلاف السنين، وهي صناعة فولكلوريّة، صديقة للبيئة، لكنّ هذا الإرث التاريخيّ العظيم في معرض الانهيار بسبب الإهمال وجفاف الأهوار.

الناصريّة – العراق: تنتشر في محافظات جنوب العراق مثل الناصريّة (350 كلم شمال بغداد) مساكن مشيّدة من نبات القصب الأخضر، الّذي يتحوّل إلى عيدان صفراء قويّة بعد الجفاف، والّذي ينمو بكثرة في مستنقعات الأهوار المائيّة بجنوب العراق. كما تنتشر في محافظات الوسط المساكن المصنوعة من القصب والبرديّ وجذوع النخيل، وهي هياكل لا تدخل فيها تقنيّات البناء الحديثة مثل الإسمنت والطابوق المفخور، ممّا يجعلها صديقة للبيئة، إضافة الى افتخار الناس بها كإرث ثقافيّ يعود تاريخه إلى الحضارة السومريّة، الّتي سادت العراق وتمركزت في مناطق جنوبه، ويرجع تاريخها الى عام 4000 قبل الميلاد.

وأكّد الباحث في الفولكلور خيون شاكر، وهو من أهالي الأهوار في الناصريّة لـ"المونيتور" بـ22/06 في الناصريّة، أنّه "تمّ العثور في مدينة أور التاريخيّة بالناصريّة على رقم طينيّة وأختام أسطوانيّة تحمل نقوشاً لمساكن مماثلة لهذه المضايف، ممّا يبرهن أنّ هذه البيوت من القصب، هي نفسها الّتي بناها السومريّون قبل آلاف السنين".

ولكن ما يدفع الناس بحسب الإعلاميّ علاء كولي، وهو من سكّان مدينة الناصريّة في حديثه لـ"المونيتور" بـ22/06 في الناصريّة الّتي تنتشر في أهوارها ومسطّحاتها المائيّة مثلاً الجبايش وهور الحمار، إلى هذه المساكن، أنّها "رخيصة الثمن، ويمكن إنجازها في أيّام عدّة، وتمتاز بالبساطة، وتناسب بيئة الأهوار ذات الطبيعة الفلاحيّة، حيث يعيش الناس على الزراعة وصيد الأسماك والطيور".

ومن جهته، قال الشيخ أبو عبّاس الأسديّ، وهو أحد مشايخ بني أسد في قضاء الجبايش، والّذي يسكن في بيت من القصب في منطقة الجبايش الّتي تبعد 70 كيلومتراً عن مركز مدينة الناصريّة، لـ"المونيتور" بـ22/06 في الجبايش، حيث تنتشر القرى العائمة على مياه الأهوار: "إنّ الموادّ الأوليّة الّتي تشيّد منها هذه البيوت هي ذاتها النباتات وأحراش البرديّ الضخمة الّتي تنمو وسط المياه، ولا تستخدم منتجات الصناعة الحديثة مثل الإسمنت والطابوق[N1] .

أضاف عبّاس الأسديّ: [N2] "ما زالت هذه المنطقة، كما كانت منذ آلاف السنين، حيث الماء ونبات القصب والبرديّ الطبيعيّ والناس الّذين يجوبون المسطّحات المائيّة بالقوارب الصغيرة ويصطادون الأسماك والطيور".

وتحدّث عن الدور والمكانة الثقافيّة لهذه البيوت فقال: "الكثير من المضائف، وهي بيوت واسعة مبنيّة من نباتات القصب والبرديّ، يجتمع فيها الناس لمناقشة القضايا السياسيّة والعشائريّة بحضور وجهاء القوم، وتعقد فيها الأعراف الإجتماعيّة وتمارس فيها الشعائر الدينيّة".

ومن جهته، تحدّث حيدر الصالحيّ، وهو صاحب خبرة في بناء مساكن القصب تمتدّ لنحو عشرين سنة لـ"المونيتور" بـ22/06 في الناصريّة، عن طريقة بناء هذه المساكن، وقال: "إنّ نباتات القصب والحبال والخيزران، هي عصي مجوّفة جافّة تجلب من مستنقعات الأهوار وتجفّف وتقطّع حسب القياس المطلوب، وتصدّر إلى المستهلكين".

أضاف: "تربط أعواد الخيزران سويّة بواسطة الحبال لتكوين ستّة أعمدة قويّة تُثبّت في الأرض، وتعتبر العمود الفقرّي الّذي يستند عليه الهيكل، ثمّ يتمّ إنشاء أذرع طويلة من هذه العصي قابلة للانحناء لتغطية السقف والجدران، وتربط بواسطة الحبال، ثمّ يغطّى الهيكل بسجّاد مصنوع من نباتات البرديّ أو سعف النخيل، وتثبّت بصورة محكمة ليأخذ المضيف أو البيت شكله النهائيّ".

وتابع الصالحيّ[N3] : "يتناوب على البناء نحو سبعة أشخاص، لا يستخدمون أيّ آلة صناعيّة في العمل، عدا السكاكين لتقطيع أعواد القصب والحبال، ولكن بعد تجهيز هذه البيوتات في شكل كامل، تجهّز من قبل أصحابها إذا كانوا أغنياء بالأطباق اللاّقطة والإنترنت ووسائل التدفئة والتبريد".

وفي محافظة بابل (100 كلم جنوبيّ بغداد)، أكّد الشيخ ماجد الكلابيّ لـ"المونيتور" في 23/06 "انتشار هذه الطريقة في بناء المساكن، رغم ابتعاد المنطقة عن الأهوار، حيث ينمو القصب"، https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1734916276769358&set=a.1462149157379406.1073741827.100007530075373&type=3&theater[N4]

وقال: "انتشرت هذه الطريقة في تشييد المساكن والمضائف بصورة خاصّة في شكل ملفت منذ ثمانينيّات القرن الماضي، حين هاجر سكّان المنطقة بعد تجفيف الأهوار،

http://burathanews.com/news/164222.html[N5]

بسبب الحرب العراقيّة الإيرانيّة (1980-1988)، إلى بابل ونقلوا معهم أسلوب البناء هذا".

وفي بابل، استغنى محمّد حسن، وهو فلاّح، عن بيت الطين وبنى بيتاً من القصب وسعف النخيل وجذوعها، وقال لـ"المونيتور" بـ23/06 في بابل: "هذا النوع من المساكن ملائم لجوّ العراق الحارّ لأنّه يوفّر بيئة باردة بسبب تيّارات الهواء من خلال جدران المسكن الّتي تتخلّلها الفراغات. وفي فصل الشتاء، نحرص على إحكامه بدقّة شديدة لكي لا نسمح للمطر بالنفاذ".

إنّ المحافظة على هذا التراث في طراز المساكن التراثيّة الصديقة للبيئة، والّتي وصفها القائد العسكريّ جورج كبیل عبر دجلة في عام 1824، بأنّها بدت "بيوتاً صفراء مصطفّة إلى جنب بعضها، یتراوح طولها بین الخمسین والستّین قدماً، یشبه هیكلها سفینة مقلوبة"، تحتاج إلى تأهيل بيئة الأهوار الّتي تعاني من انحسار المياه، ممّا يؤدّي إلى هجرة السكّان، وكذلك موت نباتات القصب والبرديّ، الّتي توفّر المادّة الأوليّة في بناء المساكن.

وكخطوة إيجابيّة على هذا الطريق، يسعى العراق لضمّ الأهوار إلى لائحة التراث العالميّ في منتصف تمّوز/يوليو المقبل، وذلك في إجتماع منظّمة اليونيسكو، الّذي سيعقد في تركيا ويشهد تصويت الدول الأعضاء في المنظّمة على ضمّ مواقع جديدة إلى اللاّئحة العالميّة.

وفي هذا الصدد، قال مسؤول ملف إدراج الأهوار على لائحة التراث العالميّ عادل الدخيلي لـ"المونيتور" بـ23/06 في بغداد: "إنّ هناك جهوداً استثنائيّة تقوم بها الحكومة المحليّة ومجلس المحافظة في الناصريّة، بالتّعاون مع المواطنين، لإنجاح هذا الملف الّذي له أهداف سياسيّة وثقافيّة وإقتصاديّة".

أضاف: "هناك تعاطف دوليّ على دخول الأهوار إلى لائحة التراث العالميّ، لا سيّما مضائف القصب المنتشرة في جنوبيّ العراق بعمقها السومريّ ودورها الثقافيّ والإجتماعيّ".

وأخيراً، سيؤدّي الإهمال لهذا الإنجاز الإنسانيّ والحضاريّ إلى انقراضه تماماً في العراق، ممّا سيخلّف خسارة ثقافيّة كبرى للبلد. ولتجنّب ذلك، يتطلّب دعم أبناء مناطق الأهوار، بحيث يتمكّنون من البقاء في هذه المسطّحات المائيّة وإنشاء المساكن فيها، بدلاً من هجرتها ومغادرتها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : unesco, tribes, natural resources, housing, history, cultural heritage, construction

وسيم باسم هو صحفي عراقي متخصص في متابعة الظواهر الاجتماعية من خلال التحقيقات والتقارير المنشورة في وسائل الإعلام المختلفة بما في ذلك الاسبوعية، باب نور وإيلاف.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept