الولايات المتّحدة وروسيا تتنافسان على مودّة الأكراد السّوريّين

التّقارب الأخير بين الأكراد وروسيا هو مرحلة جديدة في العلاقات بين الطّرفين التي تعود إلى القرن التاسع عشر، إلّا أنّ الأكراد لا يريدون في الوقت عينه إبعاد الولايات المتّحدة.

al-monitor .

المواضيع

ypg, russian regional influence, russian foreign policy, russia in middle east, pkk, kurds, kurdistan, kurdish rights

ماي 2, 2016

في أيّامنا هذه، أحد المناصب التي لا يُحسَد عليها أحد في واشنطن هو منصب متحدّث باسم الحكومة مهمّته الإدلاء بتصريحات يوميّة لوسائل الإعلام. قام مؤخّرًا الرّئيس التّركي رجب طيب أردوغان، أحد المنتقدين المعتادين، بمهاجمة سياسة الولايات المتّحدة المتعلّقة بالأكراد السّوريّين. وقد أشار أردوغان إلى تصريحات المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة جون كيربي بأنّ واشنطن لا تعتبر حزب الاتّحاد الدّيمقراطي القومي الكردي السوري ووحدات حماية الشّعب الكرديّة تنظيمين إرهابيّين.

في المؤتمر الصّحفي الذي عقده كيربي في 28 نيسان/أبريل، تطرّق المراسلون إلى تصريح وزير الدّفاع آشتون كارتر في وقت سابق من ذلك اليوم والذي اعترف فيه بـ"الرابط المباشر" بين قوّات وحدات حماية الشّعب في سوريا وحزب العمال الكردستاني. والجدير بالذّكر هو أنّ الولايات المتّحدة صنّفت هذا الأخير رسميًا كمجموعة إرهابيّة، لكنّها لم تصنّف وحدات حماية الشعب كذلك.

وجد كيربي نفسه في سجال طويل مع أحد الصّحفيّين. وقد أصرّ كيربي، "لم يتغيّر موقفنا من حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشّعب"، وطلب كما لو كان يتوسّل، "هل يمكننا الانتقال إلى موضوع كوريا الشماليّة؟"

لكنّ المراسل أصرّ، "هل يمكنك أن تقول مجدّدًا إنّه ليس مرتبطًا بحزب العمّال الكردستاني - وأنّكم تدعمونه ]وحدات حماية الشعب[. لو كان مرتبطًا بمجموعة إرهابيّة، لما كنتم ستدعمونه في تلك الحالة؟"

لا شكّ في أنّ إجابة كيربي راقت للأكراد السّوريّين إلا أنّها تسبّبت بانزعاج في أنقرة: "لم يجر تصنيف وحدات حماية الشّعب كتنظيم إرهابي أجنبي، في حين جرى تصنيف حزب العمال الكردستاني كذلك. لم يتغيّر شيء في هذا الموضوع".

موقف واشنطن مفهوم. فقد أثبت الأكراد السّوريّون أنّهم قوّة قتاليّة يمكن الاعتماد عليها أكثر من غيرها على الأرض في وجه تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) في سوريا. وبعد أن دخلت روسيا في الصّورة كداعم قويّ للأكراد، أصبحت الولايات المتّحدة على ما يبدو حذرة من تحوّل محتمل في تحالفات الأكراد. قد تخسر إذًا الولايات المتّحدة أحد أهمّ حلفائها في سوريا لصالح روسيا.

إنّ علاقة موسكو بالأكراد السّوريّين واضحة. قال وزير الخارجيّة البريطاني فيليب هاموند إنّ ميليشيات حزب الاتّحاد الدّيمقراطي تنسّق مع نظام الرّئيس السّوري بشار الأسد والقوّة الجويّة الرّوسيّة. وقال هاموند للبرلمان البريطاني، "ما شهدناه في الأسابيع الماضية ليس إلا دليلاً مقلقًا للغاية على التّنسيق بين القوات الكرديّة السّوريّة، والنظام السّوري وسلاح الجوّ الرّوسي، ما يجعلنا بصراحة قلقين إزاء دور الأكراد في كلّ هذا".

وقال هاموند معترفًا بمخاوف تركيا، "مشكلة تركيا هي في الارتباط بين حزب العمال الكردستاني والمجموعات الكرديّة السّوريّة، بما أنّ حزب العمال الكردستاني مصنّف كمجموعة إرهابيّة في تركيا وفي المملكة المتّحدة".

وما كان مثيرًا للاهتمام بشأن تصريحات هاموند هو أنّها تلت بيانًا شديد اللّهجة صادر عن رئيس الوزراء التّركي أحمد داوود أوغلو، دعا فيه القوات الكرديّة السّوريّة "جنودًا مأجورين" لروسيا. وكان قد توجّه في 16 شباط/فبراير إلى أعضاء حزبه الحاكم، حزب العدالة والتّنمية، قائلاً، "لا داعش ولا وحدات حماية الشّعب يشكّلون عنصرًا أساسيًا من هذه الأراضي. وحدات حماية الشّعب وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي هم بيادق وجنود مأجورون لروسيا".

وأضاف داوود أوغلو أنّ "حزب الاتّحاد الدّيمقراطي ووحدات حماية الشّعب هم دمى في أيدي روسيا ومرتزقة يستعملها نظام الأسد المجرم وروسيا".

على الرّغم من الطّبيعة المثيرة للجدل لهذا الوصف لحزب الاتّحاد الدّيمقراطي ووحدات حماية الشّعب كدمى في أيدي روسيا، لا يشكّ كثيرون في علاقة روسيا بـ"الحركة الوطنيّة الكرديّة"، وهي تسمية يستعملها بعض الأكراد لشمل جميع المجموعات، والهيئات والتّنظيمات تحت مظلّة حزب العمال الكردستاني.

أثناء تواجدي في السّليمانيّة في كردستان العراق قبل بضعة أشهر، سمعت من مصادر موثوقة أنّ جبال قنديل، حيث تتواجد قيادة حزب العمال الكردستاني السياسية والعسكريّة الحاليّة، تعجّ بالمستشارين الرّوس. وعندما سألت متى حدث ذلك، تلقّيت ردًا ساخرًا، "منذ أن قمتم ]الأتراك[ بإسقاط المقاتلة الرّوسيّة" في 24 تشرين الثاني/نوفمبر.

هناك احتمال كبير بأن تمتدّ المساعدة العسكريّة الرّوسيّة إلى روج آفا أيضًا. في آذار/مارس، أخبرني مصدر موثوق آخر كان عائدًا للتو من روج آفا أنّ اتّفاقًا ضمنيًا نشأ على ما يبدو بين الأميركيّين والرّوس في ما يتعلّق بدعم حزب الاتّحاد الدّيمقراطي ووحدات حماية الشّعب: ففي حين أنّ الولايات المتّحدة مصمّمة على دعم الأكراد السّوريّين شرق الفرات نحو الرقة وما بعدها، سيقدّم لهم الرّوس دعمًا غير مشروط باتّجاه غرب الفرات، وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسّط.

وقيل لي أيضًا إنّ الأكراد السّوريّين، مع أنّهم يدركون "كرم" الدّعم الرّوسي، ما زالوا حريصين على عدم إغضاب الأميركيّين وخسارة دعمهم.

وفي السليمانيّة، سألت رئيس حزب الاتّحاد الدّيمقراطي صالح مسلم عن صحّة كلّ ما سمعته. لم ينف مسلم هذه الادّعاءات بشكل قاطع، لكنّه قال إنّ الأميركيّين عليهم أن يكونوا أكثر استعدادًا لتقديم المساعدة. فإذا أرادوا فعلاً استعادة الرقة، قال إنّ الاستيلاء على منبج أمر لا بدّ منه لقطع طريق الإمداد بين تركيا وداعش، والتي لا تزال برأيه مفتوحة مع أنّ النشاط انخفض فيها في العام الماضي. والجدير بالذّكر هو أنّه لم يخصّ روسيا بأيّ ملاحظات انتقاديّة.

نشير إلى أنّ الأكراد السّوريّين فتحوا مكتبًا في موسكو في شهر شباط/فبراير وإلى أنّ مسلم كان زائرًا منتظمًا للعاصمة الرّوسيّة.

تتمتّع روسيا بالفعل بموقف مختلف جدًا عن موقف الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي، لا فقط إزاء الأكراد السّوريّين، بل أيضًا إزاء حزب العمال الكردستاني. ففي تناقض صارخ مع الولايات المتّحدة ومعظم الدّول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي، لم تدرج روسيا حزب العمال الكردستاني على قائمتها السّوداء. وفي تشرين الأوّل/أكتوبر، قال السفير الرّوسي لدى أنقرة أندريه كارلوف إنّ بلاده لا تعتبر المجموعة تنظيمًا إرهابيًا.

وقال كارلوف لوكالة الأنباء الرّوسيّة ريا نوفوستي، "بنظر روسيا ومجلس أمن الأمم المتّحدة، حزب العمال الكردستاني وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي ليسا تنظيمين إرهابيّين".

 

إذا أعدنا النّظر في العلاقات التّاريخيّة الوثيقة بين روسيا والأكراد، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل التفاعل الحالي القائم بين الطّرفين. فصلة روسيا بالأكراد تعود إلى القرن التاسع عشر عندما دعم الرّوس الانتفاضات الكرديّة والمنظّمات القوميّة بقيادة عائلة بدرخان النافذة، أمراء جزرة شبه المستقلّين في جنوب شرق الأناضول الذين امتدّ نفوذهم إلى أراضي كردستان العراق اليوم. وإنّ أحد سلّان تلك العائلة، عبد الرزاق، آخر أمير كردي مستقلّ لجزرة، كان معروف عنه حبّه الكبير لروسيا.

في المرحلة التي تلت روسيا القيصريّة، استمرّ اهتمام روسيا بالأكراد. وفي العام 1923، أنشأت السّلطات السّوفيتيّة "كردستان الحمراء" ككيان كرديّ مستقلّ بين أرمينيا السّوفيتيّة وأذربيجان السّوفيتيّة على ممرّ لاشين المتنازع عليه حتّى اليوم بين أرمينيا وأذربيجان. وبقيت كردستان الحمراء حتّى العام 1930 عندما حلّها جوزيف ستالين.

مع ذلك، أصبح ستالين الدّاعم الرّئيسي لأوّل دولة كرديّة مستقلّة في التّاريخ الحديث، وهي جمهوريّة مهاباد، المعروفة باسم عاصمتها، في محافظة كردستان الإيرانية. أعلن الزعيم القومي الكردي الإيراني قاضي محمد عن قيام جمهوريّة مهاباد في كانون الأوّل/ديسمبر 1945. وكان الملا مصطفى البارزاني، والد رئيس حكومة إقليم كردستان (جنوب كردستان) الحالي مسعود البارزاني، وزير الدّفاع والقائد العام لقوّات مهاباد المسلّحة.

سقطت جمهوريّة مهاباد بعد انسحاب القوّات السّوفيتيّة من إيران في العام 1946، فالانسحاب حرم الدّولة الكرديّة المستقلّة من داعمها الرّئيسي، وأنهى الجيش الإيراني المتقدّم الاستقلال الكردي وأعدم قائدهم محمد ورفاقه في ساحة مهاباد الرّئيسيّة.

تمكّن الملا مصطفى البارزاني وقوّات الحملة الخاصّة به من الفرار، فعادوا أوّلاً إلى كردستان العراق ثمّ ساروا عبر الأراضي الكرديّة الجبليّة إلى الاتّحاد السّوفيتي الذي أصبح ملجأ لهم.

أصبح البارزاني القائد القومي الأسطوري لجميع الأكراد بفضل "مسيرته الطّويلة" ونجاته. ومع تمتّعه بمثل هذه المؤهّلات، قاد النّزاع الكردي في العراق من العام 1961 وحتّى 1975 ليحلّ محلّه بصورة رئيسيّة تنظيمان قوميّان كرديّان مختلفان. أحدهما كان الحزب الدّيمقراطي الكردستاني بقيادة ولديه، إدريس ومسعود؛ والآخر، الذي انشقّ عن الحزب الدّيمقراطي الكردستاني، كان الاتّحاد الوطني الكردستاني اليساري بقيادة جلال طالباني الذي أصبح في ما بعد أوّل رئيس للعراق بعد سقوط نظام صدام حسين.

إنّ السّنوات الاثنتي عشرة التي قضاها الملا مصطفى البارزاني ورفاقه في المنفى في الاتّحاد السّوفيتي، والتي بدأت في ناخشيفان، تتابعت في أذربيجان ودامت للفترة الأطول في أوزبكستان، إلى أن انتقل أخيرًا إلى موسكو، حيث رسّخ الصّلة السّوفيتيّة (ثمّ الرّوسيّة) بالأكراد، سواء أكانوا في أنحاء مختلفة من كردستان أم بين الشّتات الكردي.

وفي خلال الحرب الباردة، فيما ثبّت السّوفييت نفوذهم على الأنظمة البعثيّة في سوريا والعراق، تراجعت أهميّة علاقات موسكو مع الأكراد لكنّها لم تفتر يومًا بشكل كامل.

وقد علمت مؤخّرًا أنّه في أعقاب حرب الخليج في العام 1991، أرسل طالباني مبعوثًا إلى يفغيني بريماكوف (1929-2015)، رئيس الاستخبارات السّوفيتيّة-الرّوسيّة الذي شغل أيضًا منصب رئيس وزراء روسيا بين عامي 1998 و1999، ليسأله عن كيفية توجيه العلاقات الكرديّة مع نظام صدام في بغداد. عرض بريماكوف التوسّط بين الأكراد وصدام، مع دعمه في الوقت عينه للحكم الذاتي الكردي.

مع تجدّد اهتمام روسيا بالأكراد، الأمر الذي يرجع جزئيًا إلى تدهور علاقاتها مع تركيا بشأن سوريا، باتت من جديد عنصرًا فاعلاً في الشرق الأوسط تمامًا كسلفها السّوفيتي في خلال الحرب الباردة.

يؤدّي الأكراد دورًا أساسيًا في عودة روسيا من جديد إلى الشّرق الأوسط، وإنّ مخاوف الأميركيّين في محلّها، وليسوا مخطئين في سعيهم إلى ضبط سياساتهم المتعلّقة بالأكراد وأنقرة.

وتجدر الإشارة إلى عنوان مقال نشرته مؤخرًا مجلّة أميركيّة دوريّة، فربّما يكون قريبًا جدًا من الحقيقة: "فلاديمير بوتين، عراب كردستان؟"

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض تركية

al-monitor
زيادة حادّة في عدد الزائرين الإيرانيّين تنعش قطاع السياحة التركي
Paul Benjamin Osterlund |  السياحة | يون 17, 2018
al-monitor
ازدهار الصادرات التركية إلى سورية في ظل الحرب
فهيم تشتكين | اقتصاد و تجارة | يون 7, 2018
al-monitor
التطهير العسكري التركي ينسف صفوف الضباط والطيارين
متين گورجان | | ماي 29, 2018
al-monitor
صناعة الدفاع في تركيا عند منعطف حرج
متين گورجان | اقتصاد و تجارة | ماي 25, 2018