عمليّة القدس... عنوان المرحلة الثانية من الإنتفاضة

شكّلت عمليّة القدس تحوّلاً واضحاً في عمليّات الإنتفاضة الّتي اندلعت منذ أكثر من سبعة أشهر، في ضوء ما كانت تستخدمه من أسلحة بيضاء كالسكاكين والسيّارات وبعض عمليّات إطلاق النار، فجاء تفجير الحافلة الإسرائيليّة في القدس ليطرح أسئلة تتعلّق بإمكان دخول الإنتفاضة مرحلة العمليّات المنظّمة والتفجيريّة، ويفتح الباب واسعاً على فصل جديد من المواجهة الفلسطينيّة - الإسرائيليّة، بين الفعل وردّ الفعل.

al-monitor .

المواضيع

terror attacks, palestinian uprising, palestine-israel relations, occupation, mahmoud abbas, jerusalem, hamas

ماي 4, 2016

منذ اندلاع الإنتفاضة الحاليّة في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، جاءت السمة الأساسيّة لعمليّاتها ضدّ الإسرائيليّين، أنّها كانت فرديّة ودوافع تنفيذها شخصيّة، والسلاح المستخدم فيها كان السكاكين، ولم يتمّ اللّجوء إلى إطلاق النار إلاّ نادراً، ممّا دفع إلى تسميتها بـ"الإنتفاضة الفردية"، لعدم وجود جهات منظّمة تقف خلفها.

لكن مدينة القدس شهدت بعد ظهر يوم 18 نيسان/إبريل، انفجار عبوة ناسفة بحافلة إسرائيليّة في شارع "موشي برعام" جنوبي القدس، فأصابت 16 مستوطناً إسرائيليّاً، وتبيّن لاحقاً أنّ التفجير ناجم عن عمليّة فلسطينيّة نفّذها الشاب عبد الحميد أبو سرور 19 عاماً، من بيت لحم، الّذي توفي في 20 نيسان/أبريل متأثرا بإصابته.

إنّ "حماس" انتظرت حتّى 21 نيسان/أبريل لتصدر بياناً رسميّاً نعت فيه أبو سرور باعتباره أحد عناصرها، من دون أن تتبنّى تنفيذ العمليّة في شكل واضح، ممّا يطرح التساؤلات حول إحجام الحركة عن تبنّيها، ويبدو لافتاً أنّ أبو سرور منفّذ العمليّة تربطه علاقة قرابة وثيقة بثلاثة من أفراد ذات الأسرة، وهم: ماهر ومحمود ونصر أبو سرور، الّذين قاموا في عام 1993 خلال الإنتفاضة الأولى بقتل ضابط مخابرات إسرائيليّ في القدس الغربيّة، بل إنّ ملثّمين ارتدوا زيّ كتائب عزّ الدين القسّام – الجناح المسلّح لـ"حماس"، وزاروا بيت عزاء أبو سرور، وتوعّدوا إسرائيل بمزيد من العمليّات، ولعلّها المرّة الأولى الّتي تشهد الضفّة الغربيّة مشهد الملثّمين منذ عام 2007.

وفي هذا السياق، قال الناطق باسم "حماس" وقائدها العسكريّ السابق في شمال الضفّة الغربيّة حسام بدران لـ"المونيتور": "إنّ عمليّة القدس تطوّر طبيعيّ للردّ على جرائم الإحتلال الإسرائيليّ المتصاعدة. وعند تنفيذ هذه العمليّات، يتمّ اتّخاذ القرار فيها بصورة ميدانيّة، فيتحرّك أبناء حماس اعتماداً على السياسة العامّة القائمة على مقاومة الإحتلال بكلّ السبل، وأيّ مجموعة تبادر إلى تنفيذ عمليّات كهذه لا تأخذ إذناً من أحد، وهي غير مطالبة بانتظار قرار من أيّ مستوى في الحركة، وحماس يشرّفها أن يكون رجالها بالضفّة في الخندق الأوّل في مواجهة الإحتلال".

تسبّبت عمليّة القدس بذعر ساد الإسرائيليّين، لأنّها وقعت في ذروة استنفار أمنيّ سبق احتفالات اليهود بعيد الفصح بين يومي 21-23 نيسان/إبريل، وصدور تحذيرات أمنيّة إسرائيليّة من تصعيد الفلسطينيّين هجماتهم، وانتقالهم من عمليّات الطعن والدهس الفرديّة لهجمات منظّمة وأشدّ تأثيراً، بل إنّ الآثار الإقتصاديّة السلبيّة للعمليّة ظهرت بانخفاض حجوزات الفنادق في القدس، وتراجع عدد الركّاب الإسرائيليّين للحافلات خوفاً من تفجيرها.

إنّ القوى الفلسطينيّة سارعت بعد ساعات من عمليّة القدس في 18 نيسان/إبريل إلى إصدار بيانات رسمية لمباركة العملية والترحيب بها، مثل "حماس" و"الجهاد الإسلاميّ" والجبهتين الشعبيّة والديموقراطيّة لتحرير فلسطين، ووصفتها بالنتيجة المتوقّعة لاستمرار قتل الجيش الإسرائيليّ للفلسطينيّين واقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، والتّأكيد على استمرار الإنتفاضة.

وكان لافتاً أن تلتزم "فتح" الّتي يقودها الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس الصمت الرسمي إزاء العملية، ولم تصدر بيانا باسمها كباقي القوى الفلسطينية، لكن رأفت عليان الناطق باسمها في القدس، قال يوم 18 أبريل أن عملية القدس رد فعل طبيعي على الممارسات الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني من قتل واعتقال وحصار واقتحامات متكررة للمسجد الأقصى، رغم أن الفلسطينيين لا يبحثون عن العنف  ولا يريدونه.

وفي هذا السياق، قال مسؤول فلسطينيّ مقرّب من محمود عبّاس، أخفى هويّته، لـ"المونيتور": "إنّ عمليّة القدس تعيدنا إلى المربّع الأوّل الّذي شهدته الأراضي الفلسطينيّة في أوائل الإنتفاضة الثانية عام 2002، حين اجتاح الجيش الإسرائيليّ الضفّة الغربيّة ضمن عمليّة السور الواقي، ممّا يشكّل بالضرورة انتكاسة فلسطينيّة، وترسيخاً للسيطرة العسكريّة الإسرائيليّة على أراضينا، في وقت تبذل السلطة الفلسطينيّة جهوداً لإخراج الجيش منها، وعمليّة القدس تؤكّد ما لدينا من تقديرات أمنيّة بأنّ حماس تريد هدوءاً في غزّة، وتوتّراً في الضفّة لإضعاف السلطة الفلسطينيّة".

لقد بدأت أجهزة الأمن الإسرائيليّة بالبحث والتحرّي خلف منفّذي العمليّة، لأنّ التقدير الّذي ساد فلسطينيّاً وإسرائيليّاً، صعوبة أن يتمّ التّخطيط والتّنفيذ والإعداد لهذه العمليّة التفجيريّة بصورة فرديّة، كعمليّات الطعن والدهس. ولذلك، أعلن جهاز الأمن الإسرائيليّ العام "الشاباك" في 21 نيسان/إبريل اعتقال خليّة تابعة لـ"حماس" في بيت لحم - جنوب الضفّة الغربيّة مسؤولة عن عمليّة القدس من ستّة أفراد. وفي اليوم ذاته بـ21 نيسان/إبريل، أعلن الجيش الإسرائيليّ ضبطه لمحلّي حدادة يصنعان المتفجّرات والعبوات الناسفة في منطقتي العيزريّة وأبو ديس بالقدس، واعتقال صاحب المحلين إبراهيم عياد من القدس.

لم تعلن "حماس" حتّى الآن مسؤوليّتها عن العمليّة، ممّا جعل أجهزة الأمن الإسرائيليّة تقدّر أنّ السبب يعود إلى عدم رغبة الحركة في الانجرار إلى حرب جديدة في غزّة، كما حصل في يونيو/حزيران من عام 2014، حين خطفت الحركة ثلاثة مستوطنين في الخليل، فشنّت إسرائيل حرباً عليها في غزّة زادت عن خمسين يوماً، رغم أنّ "حماس" تدعو إلى تنفيذ عمليّات ضدّ إسرائيل في كلّ مكان لإحياء الإنتفاضة، وتعتبر عمليّة القدس حافزاً للفلسطينيّين لتقليدها.

ومن جهته، قال أستاذ الإعلام والعلوم السياسيّة في جامعة بيرزيت بالضفّة الغربيّة نشأت الأقطش لـ"المونيتور": "يصعب تحديد أنّ عمليّة القدس فرديّة أو منظّمة، في ظلّ الضغوط الأمنيّة بالضفّة الغربيّة من السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، لكن من الواضح أنّ حماس تدفع بقوّة لتنفيذ هذه العمليّات ضدّ إسرائيل لرغبتها في إشعال الإنتفاضة، دون أن تعلن مسئوليتها عنها حتى لا تدفع ثمناً سياسيّاً قد يتمثّل بحرب قاسية تشنّها إسرائيل ردّاً على تبنّي الحركة المحتمل لعمليّة القدس، مع وجود احتمال كبير بتكرار مثل هذه العمليّة في حال استمرّت إسرائيل في تعنّتها إزاء الفلسطينيّين".

وأخيراً، يبدو أنّ "حماس" تجري حسابات دقيقة في هذه المرحلة الأكثر دقّة وحرجاً مع إسرائيل، وربّما تعلم أنّ ميزان الربح والخسارة يجب أن يكون هو الأكثر وضوحاً في سلوكها السياسيّ وخطابها الإعلاميّ، ممّا جعلها، كما يبدو، تمسك العصا من الوسط، إذ أعلنت أنّ منفّذ عمليّة القدس أبو سرور أحد كوادرها. وفي الوقت ذاته، أبقت الباب مفتوحاً على طبيعة العمليّة بين كونها فرديّة أو منظّمة.

هذا السلوك الجديد من "حماس" شكّل تطوّراً جديداً في ما تعتبره الحركة صراع الأدمغة مع إسرائيل، فلا أعلنت التبنّي الكامل ممّا قد يجرّ عليها ردّ فعل إسرائيليّاً قاسياً لا تريده في هذه المرحلة، ولا تنصّلت منه، لأنّها كما يبدو تريد المحافظة على شعبيّتها بين الفلسطينيّين، الّذين يؤيّدون في غالبيّتهم في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة انتقال الهجمات الفلسطينيّة الحاليّة إلى انتفاضة مسلّحة، وفقاً لآخر استطلاع أجراه المركز الفلسطينيّ للبحوث السياسيّة والمسحيّة في آذار/مارس الماضي.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
إيران تنشط بين الفلسطينيّين لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | القضية الفلسطينية | فبر 13, 2020
من يقود التصعيد الحاليّ في قطاع غزّة؟
انتصار ابوجهل | غزّة | فبر 11, 2020
رغم التصعيد المتدحرج بين غزّة وإسرائيل... لماذا لم ترسل مصر وفدها الأمنيّ إلى القطاع؟
رشا أبو جلال | القضية الفلسطينية | فبر 7, 2020

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020