نبض مصر

نوبيَّات نجحن في الانفتاح خارج مجتمعاتهن ولكنهن أسيرات تقاليد الزواج من نوبي

p
بقلم
بإختصار
القاهرة- خرجت بعض النساء النوبيات من قرى النوبة ليشقُقْنَ طريقهن، سواء لاستكمال دراستهن أو البحث عن فرص عمل، ونجحن في الانخراط خارج مجتمعاتهن، البعض منهن ما زال محتفظًا بعاداته وتقاليده، والبعض الآخر خرج عنها بشكل تدريجي، ولكن تبقى عقدة الزواج من شخص نوبي قائمة، حيث يصرُّ الأهالي على أن تتزوج النوبية من شخص نوبي؛ حفاظًا على التراث النوبي طيلة حياتهم، وفقًا لحكايات فتيات حكَيْنَها...

القاهرة- خرجت بعض النساء النوبيات من قرى النوبة ليشقُقْنَ طريقهن، سواء لاستكمال دراستهن أو البحث عن فرص عمل، ونجحن في الانخراط خارج مجتمعاتهن، البعض منهن ما زال محتفظًا بعاداته وتقاليده، والبعض الآخر خرج عنها بشكل تدريجي، ولكن تبقى عقدة الزواج من شخص نوبي قائمة، حيث يصرُّ الأهالي على أن تتزوج النوبية من شخص نوبي؛ حفاظًا على التراث النوبي طيلة حياتهم، وفقًا لحكايات فتيات حكَيْنَها إلى المونيتور.

تقع النوبة في جنوب مصر على طول نهر النيل حتى شمال السودان، وتتميز بتراث شعبي مختلف عن غيرها في بقية أرجاء الوادي، وهو ما ينعكس على عاداتهم وتقاليدهم ومبانيهم وفنونهم المختلفة. ودفعت العزلة الجغرافية واختلاف اللغة إلى أهمية زواج الفتاة النوبية من رجل نوبي، وإلا لن ترى الزواج طيلة حياتها، وفي المقابل من حق كثير من رجال النوبة أن يتزوجوا من يشاءون. وتؤمن بعض الفتيات بأهمية الزواج من نوبي اعتقادًا بأنه الشخص الوحيد الذي سيصونهن، بينما تقرر القليلات منهن أن يَخُضْنَ تجربةً شاقَّةً، والزواج خارج النوبة.

تشير أسماء محمود،33 سنة، منظِّمة مؤتمرات في منتدى "البدائل" بالقاهرة، في حديثها مع المونيتور، إلى أن الحديث عن زواج النوبيَّات خارج مجتمعاتهن يُقابَل بعدوانية شديدة. وتوضِّح : "وجدت صعوبات شديدة في التعامل مع غير النوبيين، فأصدقائي جميعًا كانوا نوبيين وكنت أخشى الحديث مع غيرهم". وتفسِّر ذلك: "اعتقدت أن النوبيين أفضل شعوب الأرض، ولكن تغيرت وجهة نظري وأصبح لديَّ أصدقاء من محافظات مختلفة".

ومع ذلك ترفض أسماء فكرة الزواج بغير النوبي، وأنها بالفعل رفضت عروضَ زواج من غير النوبة. وتشرح" أنا شخصيًّا لن أشعر بالراحلة لو تزوجت غير النوبي؛ لأنهم مختلفون عن النوبة، فنحن مجتمع داخل مجتمع، لدينا أغانينا الخاصة، وعاداتنا، ونرى أننا مجتمع كامل لا ينقصنا شيء".

وعن التغيُّر الحاصل في تقبُّل خروج المرأة خارج النوبة، تقول: "قليل من النوبيين من يتقبل فكرة دراسة أو عمل المرأة خارج بيئتها، والشائع أن تعيش في الخارج مع زوجها، أو قريب من الدرجة الأولى". وأكدت: "هناك تفرقة حادة بين الرجل والمرأة، فعلى المرأة النوبية أن تخدم والدها أو أخوها أو زوجها طوال الوقت". وأشارت إلى أن "البنت النوبية تعمل في مجالات عديدة في القاهرة، ولكن في النوبة تضيق المجالات؛ ولاسيما أنها تتزوج منذ الصغر".

ووصفت جيلها الحالي بـ"المتمرد" على العادات والتقاليد النوبية، التي ترفض البعض منها على غرار التكاليف المادية الباهظة التي يتحملها الزوج، مثل شراء ذهب لا تقل قيمته عن 100 ألف جنيه، أو ما يعادل 10000 دولار.

وتعتقد أسماء أن النوبيين قاموا بعنصرية مضادة ردًّا على عنصرية الإعلام المصري للنوبيين بسبب اختلاف اللون.

وهيبة صالح، كبيرة مفتشي الآثار في دهشور، نشرت فيلمًا تسجيليًّا على موقع "أحوال مصرية" بعنوان "صدام البنت النوبية مع تقاليد الزواج"، تحدثت لأول مرة عن خوض فتاة نوبية معركة مع أهاليها للزواج بشاب غير نوبي.

تحكي وهيبة صالح للمونيتور قصة زواجها من شخص غير نوبي قائلة: "كنت أبحث عن شخص مستقل يتناسب مع طموحي، وقابلت شاعرًا وصحفيًّا في الوسط الثقافي في القاهرة، بعقلية منفتحة". ووقع على عاتقي مهمة إبلاغ عائلتي، لذلك انتقلت للعيش هناك فترة لإقناعهم، وبدأت معركتي مع والدي، الذي رفض، واستخدمت كافة السبل لإقناعه". واستطردت: "اضطررتُ للذهاب إلى طبيب نفسي حتى أتحمل الضغوط النفسية التي تعرضت لها". وتؤكد: تزوجت بموافقة أهلي، خشية إحداث شرخ في المنزل".

وتبرِّر وهيبة ثقافة النوبيين عن أهمية زواج النوبية من نوبي قائلة: "جزء من التراث النوبي ينهار، مع اندثار اللغة، فالمجتمع يحافظ على وجوده، عبر العادات والتقاليد". وتضيف: "النوبي يرى أن النوبية من الأفضل أن تتزوج من ابن غفير أفضل من ابن وزير خارج النوبة، فالفتاة حتى لو تحمل شهادة الدكتوراه قد تتزوج من نوبي لا يحمل سوى شهادة الإعدادية". واستطردت: الموروث يغلب الثقافة، خاصة لو النشأة داخل المجتمع، أي أن الثقافة من الصعب أن تصمد أمام العادات".

 وأردفت:"المجتمع النوبي مجتمع منفتح من الداخل، فهناك انخراط بين المرأة والرجل، حتى إنها غير مجبرة على الزواج، أي لها حق أن تعيش عانسًا ولكن لا تتزوج شخصًا غير نوبي".

وترى أن الإنترنت نجح في تغيير النوبيين في سنوات قليلة في الوقت الذي كان من المستحيل تصور تغيُّر ثقافة وأفكار النوبيين الخاصة بتعليم المرأة ودراستها في الخارج".  

وتؤكد أن الفيديو الذي نشرته لا يهدف إلى تشجيع النوبيات للخروج عن قيود الزواج من الخارج، قائلة: "فمن ترغب في ذلك عليها أن تدرك أنها تخوض حربًا طويلة المدى". كما أنها لا ترى أن زوج النوبية من نوبي جريمة مثل جريمة ختان الإناث. ولكن الرسالة التي ترغبها هو "أن تختار الصح لأنها ستخوض معركة من جبهتين: جبهة الأهل، وجبهة اختيار الشخص الصح".

ورغم أنه لا يوجد امرأة نوبية في قبة البرلمان المصري، ولكن قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بتعيين مكة عبدالاهي عبدالمولي كممثل عن المرأة النوبية في المجلس القومي للمرأة.

تشير فاطمة إمام، مترجمة حقوقية وباحثة في قضايا المرأة المصرية، في حوارها مع المونيتور إلى تراجع مكانة المرأة النوبية داخل النوبة، فالسلطة كانت للنساء، التي أدارت اقتصاد النوبة تاريخيًّا إلى الدرجة التي كان فيها يُنادَى الرجل باسم والدته. ولكنها أسِفَتْ إلى عودة الثقافة الذكورية مرة أخرى في النوبة، التي كانت إحدى تجلياتها حصار حركة المرأة في المجال العام والتمييز ضدها.

وتقول إنها تعرضت لضغوط من العائلة بسبب دراستها خارج مصر،  وتخييرها بين الزواج أو السفر إلى الخارج. وترفض إمام فكرة ضرورة زواج المرأة النوبية من رجل نوبي؛ لأنه يكرس لمسألة التمييز العرقي.

وتتطرق إلى التحديات التي تواجه المرأة النوبية، على رأسها ختان الإناث، ودور المرأة الضعيف سياسيًّا، وغياب الحراك النسوي النوبي في المجال العام، وأسلمة المجتمع عبر فرض زي العباءات. وهو ما تفسِّره فاطمة قائلة: "الثقافة الوهابية والأفكار الخليجية أفضت إلى أسلمة المجتمع، بسبب سفر كثير من أهل النوبة للعيش في الخليج والعودة بأفكارهم". 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : women's rights, tradition, nubian women, nubia, marriage, heritage, customs

ريهام مقبل حاصلة على درجة الماجستير من الجامعة الأوروبية المركزية في العلاقات الدولية، وبكالريوس الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وصحفية مستقلة تكتب في دويتشه فيله بالعربي ولديها اهتمام خاص بقضايا المرأة المصرية. وعملت في المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة ومجلة الديمقراطية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept