لم يعيدوا بناء منزله الذي قصف في الحرب... فحوّله إلى حديقة حيوانات!

سيمرّ ما يقارب العامين على الحرب الأخيرة، من دون أن يقوم أحد بإعادة بناء منزل المواطن سعيد الحدّاد، ممّا جعله يستغلّ الوقت والركام لممارسة هوايته الوحيدة، تربية الحيوانات.

al-monitor .

المواضيع

wildlife, shajaiya, reconstruction, israel-gaza war, gaza blockade, gaza, construction, bombings

ماي 2, 2016

الشجاعيّة- مدينة غزّة- مر أكثر من عام ونصف على الحرب التي استمرّت 51 يوماً، إذ بدأت في 8 تمّوز/يوليو 2014.  منذ ذلك الوقت، هناك حوالى 18 ألف منزل مدمّر، بين دمار كلّي وجزئيّ، لم تتمّ إعادة بنائها، بسبب توقّف عمليّة إعمار قطاع غزّة.

منزل سعيد الحدّاد (50عاماً)، هو أحد هذه المنازل التي لم يتمّ التعويض على أصحابها. أربعة طوابق لم تعد صالحة للعيش الآدميّ، فهي آيلة إلى السقوط، لكنّها بالنسبة إلى الحدّاد مكان يصلح لشيء آخر، فسيكون بالنسبة إليه مقرّ حديقة حيواناته الأولى، خصوصاً أنّ هوايته منذ الطفولة اقتناء الحيوانات.

بحسب قول الحدّاد، فقد قصفت طائرات الـ"أف 16" منزله بصاروخين في 14 تمّوز/يوليو 2014، أي في اليوم السابع من عمر الحرب، في حيّ الشجاعيّة شرق مدينة غزّة، وهو الحيّ الذي كادت أن تدمّره قذائف الدبّابات وقنابل الطائرات الحربيّة وقتها.

يتذكّر الحدّاد تلك الأحداث بقوله لـ"المونيتور": "وردتنا مكالمة هاتفيّة حوالى الساعة 11 صباحاً، تبلّغنا بالخروج فوراً من المنزل لأنّه سيتمّ قصفه. لم نصدّق، اعتقدنا أنّها محاولة لإخافتنا فلم نخرج، ولكن عند المكالمة الثانية، خرجت وأبنائي نركض، وحين وصلنا إلى ناصية الشارع، سمعنا القصف".

يسكن الحدّاد وزوجته وأبناؤه وبناته الثمانية في غرفتين خلفيّتين أرضيّتين تابعتين إلى منزله، في وضع مزرٍ. ويقول ابنه براء (16عاماً): "وضعنا مأساويّ، أشعر أنّ كلّ شيء موقّت، فنحن ننتظر أن يتمّ التعويض علينا أو بناء منزلنا، ولكن لا شيء يحدث. لم يحدث جديد سوى هذه الحيوانات".

وتتحرّك الحيوانات على رمل المنزل المقصوف، وتختلط الطواويس مع الدجاج الفرعونيّ والبطّ والقرود في مشهد سورياليّ لن تراه سوى في غزّة.

العمّ سعيد، أصابه الهمّ للحظات وهو يفحص أصغر حيواناته؛ فرخ صقر يبدو معتلاًّ. ويقول لـ"المونيتور": "لقد وفّرت مبلغاً من المال كي أشتري هذه الحيوانات، فأنا أتاجر بالطيور كما أنّها هوايتي، واشتريت النعامة بـ500 دولار، ولكنّني اضطرّيت في النهاية إلى التخلص منها كي لا تؤذي أحدا".

تترجّل العائلات من سيّاراتها، وتقف على الرصيف للتفرّج على الحيوانات، وغالبيّة المتفرّجين يضحكون، فهو مشهد غريب، لكنّ الفضول يزداد عند بعض المارّة، فيسألون عن أنواع الطيور التي يبدو أنّ بعضها يؤذي الآخر، فتواجدها معاً ليس بالأمر الصحيّ، لكنّها إمكانات الحدّاد الذي يتفاخر بالقول: "إنّها فرجة مجّانيّة، طول ما الناس مبسوطة وأنا مبسوط".

ولا توجد في قطاع غزّة سوى أربع حدائق للحيوانات، وهي ليست بالحدائق الكبيرة أو الشاملة لكلّ أنواع الحيوانات. ويتابع الحدّاد: "لو كانت معي المبالغ المناسبة، سأفصل الحيوانات عن بعضها وأضعها في أقفاص، وأهتمّ بها أكثر، ولكن هذه إمكاناتي، فأنا لا أوفّر لها سوى العلف. السعادين فقط موضوعة في أقفاص منفصلة".

ويوضح الحدّاد أنّه بدأ حديقته بشراء بعض الطيور قبل ستة أشهر، ومن ثمّ النعامة وبعدها القرود التي لم تكمّل في حديقته العشرين يوماً بعد، والآن يفكّر بنمر صغير قد يضعه في قفص خاصّ، متابعاً: "كما أنّني سأبحث عن نعامة جديدة لأنّ الجميع يريد نعامة، ولكن هذه المرّة ستكون ألطف قليلاً وليست شرسة".

ويؤكّد الأطفال الذين يسكنون المنازل القريبة سعادتهم بالحديقة، لكنّ أمراً واحداً يزعجهم، فبحسب الطفل محمّد مطيز (13عاماً) إنّه صوت الطواويس ليلاً، حيث يقول لـ"المونيتور": "صوتها مرعب، أفيق مفزوعاً. إنّه أشبه بالصراخ". ويضحك قريبه أحمد على كلامه، بقوله: "مخيفة لكنّها أهون من صوت القصف".

لا تبدو أمّ رمضان الحدّاد (45 عاماً) زوجة سعيد، مرحّبة بهذه الحيوانات، ولم تستطع حتّى مجاملة زوجها، فتقول: "أكره هذه الحيوانات، إنّها تستهلك مالنا، كما أنّها تسبّب انتشار البعوض والحشرات، إضافة إلى أنّ أطفال المدارس يتجمّعون أمامها منذ السادسة صباحاً، وهم يطعمون القرود، ونستيقظ على أصواتهم".

وردّ عليها زوجها موضحاً رسالته السياسيّة من وراء حيواناته، قائلاً: "لا أنكر أنّ هذه الحديقة أسلوب اعتراض على تأخّر الإعمار. إنّني أحاول جذب الانتباه إلى مأساتنا، لأقول لهم إنّ منزلي غير صالح لي ولكنّه صالح لحيواناتي".

ويلفت إلى أنّه لو توافرت أدوات البناء بسعر أقلّ من الأسعار المرتفعة الحاليّة، فإنّه سيعيد بناء منزله بنفسه، لكنّه أمر مستحيل في ظلّ الظروف المتردّية، وإغلاق المعابر، ملقياً اللوم في تأخّر عمليّة الإعمار على المسؤولين وأوروبّا والعالم الذي وضع غزّة في ذيل القائمة.

لا يعرف سعيد وزوجته ماذا يخبّئ لهما المستقبل، يحتضنان حفيديهما بحبّ، في بقايا منزلهما الذي تتكوّم إلى جانب جدرانه ملابسهم وأغراضهم. فلا متّسع للجميع، ولكن دائماً بالنسبة إلى سعيد الحدّاد، هناك متّسع في الدمار لحيوانات جديدة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

ما هي حقيقة الاتفاقيّة الاقتصاديّة لحكومة عبد المهدي مع الصين؟
عمر ستار | الصين في الشرق الأوسط | فبر 7, 2020
في قطاع غزة.. شبان في الثلاثين يخوضون تجربة الانتخابات لأول مرة في حياتهم
رشا أبو جلال | حقوق المرأة | ينا 24, 2020
إعلان البنك المركزيّ الفلسطينيّ تعيقه إشكاليّات سياسيّة واقتصاديّة
عدنان أبو عامر | المصرفية والتمويل | ينا 27, 2020
التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ الأوّل ضدّ حماس في عام 2020
عدنان أبو عامر | القضية الفلسطينية | ينا 24, 2020
مسيحيّو قطاع غزّة... محرومون من زيارة مهد المسيح في عيده
عزيزة نوفل | القضية الفلسطينية | ديس 27, 2019

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020