نبض فلسطين

إسرائيل ترسّخ حصار غزّة بحرمانها من استيراد الذهب وتصديره

p
بقلم
بإختصار
يرتبط الاقتصاد الفلسطينيّ في قطاع غزّة ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الإسرائيليّ، في اتّجاهي الاستيراد والتصدير، وهو ما جعله رهينة القرارات الإسرائيليّة ذات البعد الاقتصاديّ والتجاريّ، وكان آخرها القرار الإسرائيليّ قبل أيّام بمنع استيراد الذهب وتصديره، من قطاع غزّة وإليه، من دون إعلان حقيقة الأسباب، ممّا ترك ردود فعل فلسطينيّة غاضبة، لأنّه يسهم في ترسيخ الحصار المفروض على غزّة منذ قرابة العشر السنوات.

شملت آثار الحصار الإسرائيليّ المفروض على قطاع غزّة مختلف الجوانب الاقتصاديّة، حيث وصلت إلى غالبيّة القطاعات التجاريّة والماليّة، وكان آخرها سوق المعادن الثمينة، وخصوصاً الذهب يوم 29 مارس، الذي استهدفه قرار إسرائيليّ صدر قبل أيّام قليلة.

في صورة مفاجئة، أعلن رئيس الهيئة العامّة للمعابر والحدود في السلطة الفلسطينيّة نظمي مهنّا، في 29 آذار/مارس، أنّ السلطات الإسرائيليّة أبلغته بوقف تصدير الذهب واستيراده بما فيها القطع العادية والسبائك، من قطاع غزّة وإليه، من دون إبداء الأسباب، بعدما سمحت في شباط/فبراير 2016 لـ12 شخصاً من تجّار الذهب ومصنّعيه باستيراده وتصديره، مقدّراً حجم تبادل الذهب بـ48 كغ كلّ أسبوع بين أواسط فبراير وأواخر مارس.

يوجد في غزة 40 مصنعاً للذهب، وهو عدد كبير مقارنة بمساحة القطاع الصغيرة البالغة 365 كم2، ويستحوذ الذهب على استهلاك 70% من سكّانه، لمحافظته على سعره، وعدم تكبّدهم خسائر كبيرة عند بيعه.

وقال وكيل وزارة الاقتصاد الوطنيّ في غزّة حاتم عويضة، لـ"المونيتور" إنّ "قرار إسرائيل مرتبط بالذرائع الأمنيّة التي تتحجّج بها للتضييق على الفلسطينيّين في غزّة، على الرغم من أنّ تجارة الذهب لا تحتمل مخاطرة أمنيّة على إسرائيل، لأنّها تمتلك الاحتياطات الأمنيّة التي تؤمّن لها أيّ بضاعة قادمة إلى غزّة أو خارجة منها، علماً بأنّ سوق الذهب يعاني أصلاً في غزّة، وفي لغة الأرقام، يشير الربع الأوّل من العام الجاري 2016 إلى عدم استقراره وتراجعه، حيث تمّ دمغ 169 كغ من الذهب في كانون الثاني/يناير، وفي شباط/فبراير، تمّ دمغ 176 كغ، أمّا شهر آذار/مارس الأخير، فقد شهد دمغ 143 كغ فقط، ممّا يشير إلى ضعف القوّة الشرائيّة في غزّة بسبب سوء الوضع الاقتصاديّ".

تجوّل "المونيتور" ميدانيّاً في 16 نيسان/أبريل في سوق الذهب وسط غزّة، حيث العشرات من المحال التجاريّة لبيعه، واستمع إلى ردود فعل التجّار عن القرار الإسرائيليّ بمنع استيراد الذهب وتصديره.

قال جهاد رافع، وهو تاجر ذهب، لـ"المونيتور" إنّ "خطورة قرار إسرائيل هي في تزامنه مع قرب فصل الصيف حيث تكثر المناسبات الاجتماعيّة، وتشتري الفلسطينيّات كميّات من الذهب للزينة، ولذلك فإنّ القرار سيصيب سوق الذهب بالكساد والخسارة فوق ركوده الأصليّ منذ بدء الحصار الإسرائيليّ على غزّة في عام 2006، وتمثّلت النتيجة الأوّليّة للقرار بانخفاض أسعار الذهب من 25 ديناراً أردنيّاً للغرام الواحد إلى 23 ديناراً، بما يعادل 35 دولاراً أميركيّاً إلى 32 دولاراً".

من المتوقّع أن تظهر الآثار السلبيّة للقرار الإسرائيليّ مع بدء حفلات الزواج في غزّة، التي تكثر بين شهري نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر سنويّاً، ويسجّل الفلسطينيّون في غزّة معدّلات متزايدة في الزواج، زادت في عام 2015 عن 20 ألف حالة، في حين بلغت عام 2014 قرابة 16128 حالة زواج، وفي 2013 بلغت 17359 حالة، وفي 2012 قرابة 15878 حالة زواج، وفقا لإحصائية أصدرها المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الفلسطيني في غزة أواخر 2014، وتشتري العروس عادة ما قيمته 3 آلاف دولار من الذهب لغرض الزينة.

وقال عليان عبيد، وهو تاجر ذهب، لـ"المونيتور" إنّ "حجم تجارة الذهب خلال الأسابيع الثلاثة التي سمحت فيها إسرائيل أواخر شباط/فبراير بالتبادل بين أسواق غزّة والضفّة الغربيّة، بلغت 900 ألف دولار أسبوعيّاً، ممّا أنعش سوق الذهب في غزّة، لكنّ قرار المنع شكّل انتكاسة له، وسيتسبّب في شحّ كميّاته، وارتفاع أسعاره، وقد يفسح المجال أمام عودة السوق السوداء، وفي حين تنتج المصانع المحلّيّة في غزّة سنويّاً بين 1 و1.5 طنّ من الذهب، يتمّ استيراد بين 100 و150 كغ من الخارج قبل القرار الإسرائيلي الأخير بمنع استيراد الذهب وتصديره لغزة".

تعاني تجارة الذهب في غزّة من قلّة قيمة الصناعة المحلّية بسبب إمكاناتها البسيطة، ممّا جعل الذهب المصنّع محليّاً أقلّ جمالًا مقارنة بالأجنبيّ. وعلى الرغم ممّا تقوم به المصانع المحلّيّة في غزّة من تصنيع الخواتم والحلقان والسلاسل، إلّا أنّ طريقة التصنيع تتمّ بإمكانات بدائيّة، بسبب منع إسرائيل إدخال الماكنات والآليّات المتطوّرة اللازمة لتصنيعه، لتزيد من جودة الذهب المصنّع محليّاً، على غرار المستورد المتميّز بالإمكانات العالية.

تعتبر صناعة الذهب في غزّة متأخّرة عن باقي المدن الفلسطينيّة، ففي حين تصنّع مدينة الخليل جنوب الضفّة الغربيّة 65% من الذهب الفلسطيني، يأتي ترتيب غزّة في المرتبة الـ14 على مستوى المحافظات الادارية الفلسطينيّة الـ16، ولا يوجد إحصاء دقيق حول موجودات غزّة من الذهب.

وبحسب تقديرات غير نهائية، فقد أكد يعقوب شاهين مدير مديرية المعادن الثمينة في وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني في يوليو 2015، أن مخزون الذهب في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى تاريخ تصريحه يبلغ 80 طناً، 10 أطنان في محلّات بيع الذهب، و5 أطنان مُدّخرة في البيوت، و65 طناً للزينة عند السيدات الفلسطينيات.

اعتبر رئيس نقابة العاملين في تجارة الذهب في غزّة محمود عطوة في حديث إلى "المونيتور" أنّ "قرار إسرائيل بمنع استيراد الذهب وتصديره، استمرار لسياستها المتّبعة منذ بدء الانقسام الفلسطينيّ في عام 2007 بمنع التبادل التجاريّ بين الضفّة الغربيّة وغزّة، وهناك أكثر من 40 مصنعاً للذهب في غزّة متضرّراً من قرار إسرائيل، يشغّل ما يزيد عن مئة عامل، وعشرات ورش التصنيع الصغيرة، وأكثر من 300 تاجر ذهب في غزّة، ونحن نجري اتّصالاتنا مع دائرة دمغ المجوهرات في الضفّة الغربيّة للضغط على إسرائيل للعودة عن قرارها".

لعلّ أحد النتائج المترتّبة على القرار الإسرائيليّ، ازدهار عمليّات تهريب الذهب من الخارج إلى غزّة، التي تعرّض التجار إلى خسائر كبيرة، حيث تتمّ مصادرته من الدوائر الحكوميّة في غزّة إن لم يتمّ دمغه، أو سرقته خلال عمليّات التهريب التي تحصل من دبي، تركيا، الأردن، ومصر، إلى غزّة عبر ما تبقى من الأنفاق بين القطاع وسيناء، وتبلغ تكلفة نقل الذهب إلى غزّة مع الدمغة 3 دولارات لكلّ غرام، وحين يتم دمغه من وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني يصبح ذهباً شرعياً متداولاً في السوق.

وقال عميد كليّة التجارة في الجامعة الإسلاميّة في غزّة محمّد مقداد لـ"المونيتور" إنّ "قرار إسرائيل بمنع استيراد الذهب وتصديره له جانبان: سياسيّ مرتبط بتكريس الحصار على غزّة، واستمرار الفصل الجغرافيّ القائم بين الضفّة الغربيّة والقطاع، وجانب اقتصاديّ يتعلّق بأنّ الفلسطينيّين يعتبرون الذهب إحدى العملات النقديّة المتداولة، وإسرائيل مهتمّة باستمرار الحصار الاقتصاديّ والنقديّ على غزّة، استمرارا لسياسة الحصار الذي فرضته على غزة عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وشمل جميع الجوانب التجارية والاقتصادية والمالية، ولذلك فإنّ هذا القرار بجانبيه سينعكس سلباً على الوضع التجاريّ في غزّة، بإحداثه إرباكاً في أسعار الذهب بين غزّة والضفة الغربيّة، بين ارتفاع وانخفاض".

أخيراً... يضاعف القرار الإسرائيليّ بمنع استيراد الذهب وتصديره من غزّة وإليها، المعاناة الاقتصاديّة التي يكابدها الفلسطينيّون، ولا يبدو أنّ أضرار القرار ستتوقّف عند خسائر تجّار الذهب فقط، بل قد تتسبّب في تسريح المئات من العاملين في مصانعه، وإغلاق بعضها، وهو آخر ما تتمنّاه غزّة، التي تواجه يوماً بعد يوم، ضرراً جديداً، ومعاناة متجدّدة، من دون أفق لوقف تدهورها المعيشيّ والاقتصاديّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : trade, smuggling, manufacturing, imports, gold, gaza strip, gaza blockade, exports

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept