نواقيس الخطر السياسيّة والاقتصاديّة تدقّ في الأردن

p
بقلم
بإختصار
يتخوّف مسؤولون حكوميّون سابقون رفيعو المستوى في الأردن من العجز عن تطبيق إصلاحات اقتصاديّة وسياسيّة ومن تجاوز وكالة الاستخبارات الوطنيّة صلاحياتها.

عمان، الأردن – لفتت مدينة إربيد الشماليّة انتباه الأردنيّين في الأول من آذار/مارس عندما نفّذت القوى الأمنيّة عمليّة ضخمة أسفرت عن مقتل سبعة مقاتلين مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) وعنصر أمنيّ. وبعد يومين، شدّد الملك عبدالله الثاني على أولويّة الحفاظ على أمن الدولة الهاشميّة "في الدرجة الأولى".

وبينما أقرّ عدد من المسؤولين الأردنيّين السابقين رفيعي المستوى – رئيس الديوان الملكيّ ورئيس الحكومة ورئيس الاستخبارات ووزير الخارجيّة في عهد الملك حسين والملك عبدالله - بمعركة الحكومة الشرعيّة ضدّ الإرهاب، أعربوا عن مخاوفهم بشأن مبالغة القيادة في التركيز على الدفاع المسلّح والمسار الحاليّ الذي تتبعه البلاد. وأشاروا إلى الوضع المثير للقلق المتمثّل باقتصاد متعثّر وقطاع عامّ متضخّم، وعدم رغبة القادة السياسيّين في تطبيق إصلاحات مهمّة، وقيام وكالة الاستخبارات بترهيب النوّاب والتدخّل في عمليّة صنع القرارات السياسيّة.

وأكثر ما يثير قلق المسؤولين السابقين هو اقتصاد المملكة الهاشميّة. فالحكومة توظّف 42% من القوّة العاملة في البلاد، ما دفع رئيسها عبدالله النسور إلى وصف الحكومة بالـ "متضخّمة" و"غير الصحيّة". وتساوي نسبة العمل في القطاع العامّ تقريباً ثلاثة أضعاف المعدّل الدوليّ الذي هو 15%.

ولا شكّ في أنّ هذه النسبة المرتفعة من الأردنيّين العاملين في الحكومة لا يتيح المجال للنموّ والابتكار الاقتصاديّيين. وتحدّث نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجيّة السابق مروان المعشّر عن هذا الوضع إلى "المونيتور"، قائلاً إنّ "الوضع الراهن غير مستدام اقتصاديّاً. فنحن دولة شبه ريعيّة استنزفت جميع قدراتها بما معناه أنّ الحكومة لم تعد قادرة على الاستمرار في توظيف أشخاص جدد".

وقال رئيس الاستخبارات ورئيس الديوان الملكيّ السابق عدنان أبو عودة لـ "المونيتور" إنّ ذهنيّة الحكومة أدّت إلى تفاقم هذه المشكلة، شارحاً أنّ "العقليّة التي انتهجها النظام في هذا البلد في السنوات الخمسين الماضية [هي عقليّة تقول] أنا من يطعمكم بتأمين وظيفة لكم في الحكومة [بدلاً من] أن تعملوا في السمكرة في الخارج".

وبما أنّ النساء يشكّلن 13% فقط من سوق العمل، تهدر البلاد رأس مال بشرياً قيّماً، ما يفاقم مشكلة الاقتصاد المتعثّر. ووفقاً لإحصاءات البنك المركزيّ الأخيرة، تبلغ نسبة بطالة الشبّان 28,8%، وهي نسبة مثيرة للقلق لأنّ متوسّط عمر الأردنيّين هو 22 عاماً فقط. بالإضافة إلى ذلك، ارتفع الدين العامّ في البلاد إلى 90% من الناتج المحليّ الإجماليّ.

وفيما يُعتبر تركيز عمان على محاربة داعش مبرَّراً، شدّد رئيس الحكومة ورئيس مجلس الأعيان السابق طاهر المصري على أنّ المملكة لا تستطيع فصل التحدّيات الأمنيّة عن المشاكل الاقتصاديّة والسياسيّة الأكبر. وقال لـ "المونيتور": "لا يمكن الحفاظ على الاستقرار في ظلّ المصاعب التي يعاني منها السكّان".

واعتبر رئيس الديوان السابق الحائز شهادة عليا في علم الاقتصاد، جواد عناني، أنّ مشاكل الأردن الاقتصاديّة ملحّة، قائلاً: "علينا اتّخاذ قرارات قاسية". وتُعتبر الإصلاحات الماليّة في الأردن غير شائعة، وتتطلّب تقليص الوظائف الحكوميّة، ما يؤدّي إلى انعكاسات سلبيّة على قاعدة الحكومة الشعبيّة. وقال عناني إنّه "ينبغي أن تحظى الحكومة بالشرعيّة" من أجل تطبيق سياسات إصلاحيّة، مضيفاً: "إنّها مهمّة صعبة في غياب الديمقراطيّة".

وانتقد المسؤولون السابقون أيضاً القيادة السياسيّة. فقد دعا الملك عبدالله مراراً وتكراراً إلى إصلاحات سياسيّة، وحمّل "أبو عودة" القوى "الرجعيّة" مسؤوليّة إعاقة التغيير. ونظراً إلى هذا الاختلاف بين مواقف عبدالله التقدميّة وبطء الإصلاحات على الأرض، سأل المعشر: "كيف نفسّر أنّ الملك اليوم يدعو إلى نظام ضوابط وموازين وحكومة برلمانيّة، لكن لا أحد في السلطة التنفيذيّة يسعى فعلياً إلى تطبيق هذه الأهداف؟".

وشرح المصري أنّه عندما كان رئيساً لمجلس الأعيان، تعرّض لضغوط من مسؤولين في الديوان الملكيّ طالبوه بإصدار قوانين اعتبرها هو محافظة جداً. وعندما تحدّث المصري إلى الملك عن الموضوع، عبّر عبدالله عن مواقف مغايرة لمواقف مسؤولي الديوان الملكيّ وطمأن المصري بأنّه فعل عين الصواب عندما قاوم ضغوط هؤلاء المسؤولين. وردّاً على سؤال عن هذا التضارب، أجاب المصري بإحباط: "نحن نطرح السؤال نفسه: لماذا؟ ليس لديّ جواب".

ومع أنّ الأردن يضمّ رموزاً ديمقراطيّة، بما في ذلك برلمان تشريعيّ، إلا أنّه في الواقع بعيد عن الانفتاح السياسيّ. وتصنّف منظّمة "فريدوم هاوس" الأردن بأنّه "غير حرّ"، وتمنحه تصنيف 6 من أصل 7 في مجال الحقوق السياسيّة، وهو من أدنى التصنيفات، ما يضعه في أسفل اللائحة في العالم. وأشارت المنظّمة إلى أنّ "الصلاحيات وقدرات صنع القرار الرئيسيّة منوطة بالملك" الذي لا ينتخبه الأردنيّون. وتصنّف منظّمة "مراسلون بلا حدود" عمان في المرتبة 143 من أصل 180 في المؤشّر العالميّ لحريّة الصحافة.

ويثير الموقف العدائيّ لدائرة المخابرات العامّة في البلاد الجدل. ففيما تتمّ الإشادة بدورها في تفادي الهجمات الإرهابيّة واسعة النطاق، انتقد مسؤولون سابقون عدّة تجاوز هذه الدائرة لصلاحياتها وتدخّلها في عمليّة صنع القرارات السياسيّة. وشرح المصري أنّ دائرة المخابرات العامّة "تستدعي النوّاب في كلّ مسألة". ووافقه المعشر الرأي، قائلاً: "إنّه أمر معروف". وأضاف أنّ الاستخبارات تتدخّل في "كلّ مجال"، بما في ذلك في اختيار الموظّفين. وفي مقابلة في نيسان/أبريل 2013 مع جيفري غولدبرغ من مجلة "ذي أتلانتيك"، أقرّ الملك عبدالله بأنّ الاستخبارات أعاقت مراراً وتكراراً خططه من أجل الإصلاح السياسيّ، وتدخّلت في مسائل تتعدّى الشؤون الأمنيّة.

ووفقاً للأمم المتّحدة، استقبل الأردن نحو 639 ألف لاجئ سوريّ منذ العام 2011. وفيما يسلّط المسؤولون الأردنيّون الضوء مراراً وتكراراً على هذا الإنجاز العظيم، يتغاضون عن مشاكل الأردن الهيكليّة الأكبر. فإذا كانت البلاد تفتقر إلى وظائف كافية من أجل مواطنيها واللاجئين السوريّين، لماذا تسمح لمليون عامل مهاجر تقريباً من مصر وشرق آسيا بالاستمرار في العمل هناك؟

لا شكّ في أنّ اللاجئين السوريّين أثّروا في الاقتصاد الأردنيّ، إلا أنّ الكثير من المشاكل الاقتصاديّة في البلاد كانت موجودة قبل أزمة اللاجئين. ففي العام 2010، كانت نسبة العمل في القطاع العامّ في الأردن حوالى 38%، وفقاً لعناني. وكانت مشاركة المرأة في سوق العمل قبل توافد اللاجئين منخفضة جداً. وقد استفاد الأردن من زيادة كبيرة في المساعدات الخارجيّة نظراً إلى سياسته الخاصّة باللاجئين.

وردّاً على الانتقادات الصادرة عن المسؤولين السابقين، قال المتحدّث باسم الحكومة ووزير الدولة لشؤون الإعلام، محمد المومني، لـ "المونيتور": "يعاني الاقتصاد الأردنيّ من مشاكل عدّة، ولا سيّما التأثّر بالاضطرابات الإقليميّة". وأشار إلى أنّ الحكومة تستمرّ في توفير فرص عمل إضافيّة لتقليص نسبة الفقر. ورفض المومني التطرّق مباشرة إلى مسألة تدخّل الجهاز الاستخباراتيّ، مكتفياً بالقول إنّ "مؤسسات وسلطات سياسيّة متعدّدة في الأردن تتعاون من أجل تحقيق رؤية الملك المتمثّلة بدولة أردنيّة ديمقراطيّة وحديثة".

وعلى الرغم من المشاكل المتعدّدة التي يعاني منها الأردن، يبقى الوضع الاقتصاديّ والسياسيّ فيه أفضل بكثير منه في العراق وسوريا ومصر، ولا تطلق الحكومة غارات جويّة ضدّ مواطنيها. لكنّ المسؤولين الأردنيّين يتخّوفون من تأثير نسبة البطالة المرتفعة وعدم الانفتاح السياسيّ على المدى البعيد. واعتبر المعشر أنّه يتعيّن على الحكومة التحرّك بسرعة، قائلاً: لقد أظهرت الانتفاضات العربيّة أنّه لا يمكننا أن نقفل النظامين السياسيّ والاقتصاديّ معاً وأن نتوقّع من الناس أن يلزموا الصمت".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : youths, women in the workforce, unemployment, syrian refugees, political reforms, general intelligence directorate, abdullah ii
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept