مواقف متناقضة تتحكّم بها المشاعر الطائفيّة إزاء قتال الشيعة في مدن سنيّة لطرد "داعش"

تهجّم بعض السنة العراقيين على الحشد الشعبي أدى إلى انخفاض حماس الشباب الشيعي للقتال لتحرير المناطق السنية .. لكن هناك مشاعر وطنية تتخذ مواقف أخرى.

al-monitor .

المواضيع

shiites, sectarianism, ramadi, popular mobilization units, mosul, iraqi government, is, fallujah

مار 10, 2016

بغداد - طغى على سطح الأحداث، اتجاهٌ جديد بين الشيعة في العراق يكشف عن تبرّم من إرسال المقاتلين إلى المعارك في صلاح الدين والأنبار والفلوجة، حيث يوجد تنظيم داعش وعشائر سنية متحالفة معه، بسبب النبرة الطائفية في المناطق السنية، مثل الرمادي والفلوجة والموصل، ضد المقاتلين الشيعة، لاسيما بعد سقوط الكثير منهم، قتلى في المعارك، تعكسها النعوش التي تتقاطر على مقبرة "وادي السلام"، في محافظة.

ومن الطبيعي أنْ يولّد ذلك ضجراً من إرسال الشباب إلى المعارك ضد تنظيم داعش، وهو ما أكّده لـ"المونيتور" الكاسب من بابل حيدر الخفاجي وهو شيعي (58 عاماً) قائلاً: "استشهد ابني محمّد (20 عاماً) في 12 تمّوز/يوليو 2014 أثناء معارك تحرير مدينة تكريت التي يسكنها الكثير من المؤيّدين لـ"داعش"".

وأضاف: "لا فائدة من مشاركة أبناء الشيعة في معارك الموصل المقبلة، لأنّ أهالي تلك المدينة تملأهم الكراهيّة من الشيعة، وأنّ تحريرها سوف لن ينهي العداء للشيعة بين سكّانها".

والعداء بين السنة والشيعة ارتفعت مدياته في حقبة نظام البعث للعراق، حيث تم اغتيال زعماء الشيعة ورجال دينهم وإبعادهم عن المناصب العليا في الدولة التي حكمها زعماء سنة أبرزهم صدام حسين.

وهذا الشعور بأنّ تضحيات أبناء الشيعة لا تجد من يثمّنها، يبدو جليّاً في ما كتبه الكاتب والباحث الإسلاميّ علي المؤمن، في مقال له في 25 أيّار/مايو 2015، إذ يقول إنّ "المقاتل الشيعيّ يتحمّل الافتراءات والشتائم والاتّهامات من أصحاب الأرض".

والمنطق نفسه نجده عند أبو علي المحاويلي (60 عاماً) من قضاء المحاويل في محافظة بابل، جنوب بغداد، وهو والد شابّ سقط قتيلاً في معارك الرمادي في 26 كانون الأوّل/ديسمبر2015، إذ أشار إلى صور نحو عشرة مقاتلين من الحشد الشعبي سقطوا في المواجهات في مدن صلاح الدين والرمادي، ثبّتت في لوحة خشبيّة عريضة انتصبت في ساحة المدينة، وقال لـ"المونيتور" إنّ "هؤلاء ضحّوا بأرواحهم في تلك المناطق التي تسكنها أغلبيّة سنيّة لا تقدّر تضحيات أهل الوسط والجنوب من أجلها".

هل يبدو أنّنا إزاء فتور للمشاعر الوطنيّة وارتفاع منسوب المشاعر الطائفيّة؟ أجاب الباحث الاجتماعيّ علي الحسيني من بابل، على سؤال "المونيتور" بالإيجاب قائلاً: "نعم، تحرّر الكثيرون من العراقيّين من الحماسة الوطنيّة والشعارات التي جعلتهم يقاتلون لتحرير مناطق انضمّ الكثير من أهلها إلى "داعش"".

وحديث الحسيني، يعكسه رفض فصائل من الحشد الشعبي القتال في الفلوجة ضد تنظيم داعش، في 23 ابريل /نيسان 2015 ، تحت ذريعة عدم دعم الحكومة لها.

لكن المقاتل في الحشد الشعبي سعيد الشريفي (22 سنة ) قال للمونيتور في 10/03 في بابل "إنني متطوع ضمن فصائل حزب الله ، واحد أسباب الانسحاب كان نكران الجميل الذي نتلقاه من بعض أهل السنة الذين يعتبروننا مليشيات".

ويعتقد الحسيني أنّ "أحد أسباب انخفاض الحماس في القتال لتحرير الموصل والفلّوجة بين الشباب الشيعيّ، ما يسمعونه من شتائم طائفيّة في حقّهم".

إنّ بعض التصريحات على الجانب الآخر يسّرت ردود أفعال كهذه، فقد صوّت مجلس محافظة نينوى بالإجماع في 1 آذار/مارس 2016 على رفض مشاركة قوّات الحشد الشعبيّ في عمليّات تحرير الموصل.

إنّ مثل هذا "الرفض" للحشد الشعبيّ في مدينة لم تتحرّر بعد، يجرّ إلى جدل ومواقف متناقضة، فالمقاتل الشيعي عصام الأسدي الذي تطوّع في صفوف الحشد الشعبيّ في تمّوز/يوليو 2014، ثمّ انسحب، برّر انسحابه إلى "المونيتور"، قائلاً إنّنا "نقاتل من أجل أناس يكرهوننا"، في إشارة منه إلى أهالي المناطق السنيّة.

وعلى العكس، وجد "المونيتور" أنّ المقاتل الشيعي عباس مكّي من بابل يرى أنّ "القتال ضدّ "داعش" في كلّ مكان من أرض العراق هو واجب دينيّ ووطنيّ"، في إشارة منه إلى فتوى "الجهاد الكفائيّ" التي أطلقها المرجع الدينيّ في النجف علي السيستاني، في حزيران/يونيو2014 بوجوب التطوّع في القتال ضدّ "داعش".

وتتجسّد "خيبة الأمل" الشيعيّة من أهل السنّة الذين لا يثمّنون تضحيات الشيعة من أجلهم، في ما كتبه المدوّن سمير أبو سجاد في29 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، مخاطباً أهل صلاح الدين والرمادي بالقول: "احترموا تضحيات الشهداء". ويؤيّد الإعلاميّ وليد الطائي (شيعيّ) عدم إشراك شباب الشيعة في القتال في المناطق السنيّة، وفسّر ذلك لـ"المونيتور" بأنّ "التضحية بالأبناء من قبل الشيعة لن تنفع مع سنّة العراق الذين يشتمون الشهداء ويعتبرونهم ميليشيات طائفيّة".

غير إنّ وزير البيئة العراقي السابق قتيبة الجبوري، ينفي في تصريح له وجود نكران جمعي من أهل السنة لتضحيات الحشد الشعبي، فيشيد في حديث لوسائل الإعلام في 9 آذار/مارس 2015 ”بالتضحيات التي تبذلها القوّات الأمنيّة وقوّات الحشد الشعبيّ لإعادة محافظة صلاح الدين إلى أحضان الوطن"، ومثمّناً "مشاركة أبناء الجنوب في تحرير المحافظة من "داعش".

والحال أنّ "المونيتور" وجد مواقف أخرى تنظر إلى الحشد الشعبيّ على نحو إيجابيّ، وتنفي أن يكون هناك موقف سنّي عامّ يعادي الحشد الشعبيّ، فقد أعلن مجلس شيوخ عشائر صلاح الدين السنية، في بيان في 2 مارس /آذار 2015، الدعم لأبناء العشائر السنية الذين تطوعوا بصفوف الحشد الشعبي". كما ويقول طالب الدليمي، وهو سنّي نازح من الرمادي إلى بغداد، لـ"المونيتور": "هذا الزعم غير صحيح والدليل أنّني تطوّعت مع العشرات من شباب السنّة في الحشد الشعبيّ، وأنّ الشيعة والسنّة أبناء بلد واحد، وأنّ المواقف الطائفيّة لبعض أهل السنّة أو الشيعة، يجب ألّا تنسحب على الجميع".

ونفى الكاتب والمحلّل السياسيّ جاسم الموسوي من بغداد لـ"المونيتور"، وجود اتّجاه عند بعض الشيعة إلى رفض المشاركة في تحرير المناطق السنيّة، واصفاً ذلك بأنّه "دعاية مضادّة لمشاركة الحشد الشعبيّ بتطهير أرض عراقيّة، لأنّ أغلب الشيعة يعدّون الحرب ضدّ الإرهاب جهاداً، وأنّ معركة الفّلوجة تمثّل للشيعة عمقاً أمنيّاً بسبب قربها من بغداد".

وهذا ما نفاه لـ"المونيتور" الكاتب والصحافيّ غيّاث عبد الحميد من بغداد، الذي حّبذ عدم الكشف عن انتمائه المذهبي، قائلاً: "لا صحّة لقيام الشيعة بمنع أبنائهم من التوجّه لقتال "داعش" بحجة تزايد أعداد القتلى".

ويوضح الكاتب والباحث الإسلاميّ طالب الرماحي لـ"المونيتور" خلفيّات بعض المواقف السلبيّة، قائلاً إنّ "هناك منظّمات سنيّة كالقاعدة و"داعش" أوغلت بالدم الشيعيّ، ممّا جعل الوجدان الشيعيّ يقتنع بأنّ لا خيار من المواجهة المسلّحة".

إنّ المواقف في قضيّة واحدة باتت تخضع إلى الانقسام الطائفيّ بين السنّة والشيعة، بصرف النظر عن تطابقها مع الحقائق أم لا، بل إنّ الحقائق خضعت إلى تأويلات الطائفة التي ينتمي إليها الفرد.

إزاء ذلك، يبدو أنّ المشاعر الوطنيّة العابرة للطائفيّة، تصارع الآن على الجهّتين من أجل موقف عقلانيّ موحّد يحافظ على الوحدة الوطنيّة، كما يقلّل خسارة الكثير من الأرواح بين صفوف السنّة والشيعة على حدّ سواء. وهذا الموقف المؤيد لجبهة وطنية واحدة ضد الإرهاب تتجاوز الخلافات، يتبلور اليوم في الدعوات إلى تجاوز المحاصصة الطائفية في البرلمان والحكومة كتلك التي برزت في مؤتمر "المصالحة المجتمعية والتماسك الاجتماعي" الذي أُقيم في بغداد في 28 فبراير/ شباط 2016 برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لإيجاد كتلة سياسية عابرة للطائفية والإثنية".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020