اتّجاه داخل البرلمان للحدّ من دعاوى الحسبة في مصر... وآراء تعتبر أنّه يتعارض مع الدستور

اختلفت مسمّيات التهم من ازدراء الأديان إلى خدش الحياء العام، إلّا أنّ جميع مناصري حريّة الفكر والإبداع أكّدوا أنّ عودة محاكمة أشخاص بتهم النشر وإبداء الرأي، ما هي إلّا عودة صارخة إلى دعاوى "الحسبة" من جديد، والتي انتشرت في منتصف القرن الماضي، وذلك تناقضاً مع الدستور والذي جرّم في شكل صريح هذه الدعاوى.

al-monitor .
محمد سعيد

محمد سعيد

@MohamedSaiedF

المواضيع

religion, quran, lawsuit, human rights, freedom of expression, egyptian politics, egyptian opposition, constitution

مار 1, 2016

القاهرة- قضت محكمة مصريّة في 26 كانون الثاني/يناير الماضي، بمعاقبة الكاتبة الصحافيّة فاطمة ناعوت بالسجن 3 سنوات والغرامة 20 ألف جنيه (2500 دولار أميركيّ)، لاتّهامها بـ"ازدراء الأديان"، وهو ما يعكس "عودة قضايا الحسبة التي تعدّ تهديداً لحريّة الرأي والتعبير والفكر والاعتقاد وقيم حقوق الإنسان"، وفقاً لما قالته المنظّمة المصريّة لحقوق الإنسان، في 27 كانون الثاني/يناير عقب صدور الحكم.

وكانت نيابة السيّدة زينب أحالت ناعوت إلى محكمة الجنح، وواجهتها بارتكاب جريمة ازدراء الإسلام والسخرية من شعيرة إسلاميّة وهى الأضحية، من خلال تدوينة لها على حسابها على موقع التواصل الاجتماعيّ "فايسبوك"، وصفت فيها الأضحية بـ"أنّها مجازر ترتكب بسبب رؤية أحد الصالحين".

هذه ليست المرّة الأولى التي يحكم فيها على شعراء أو أدباء أو فنّانين على خلفيّة دعاوى الحسبة، فكانت أشهر قضايا الحسبة في القرن العشرين تلك التي تعرّض إليها الباحث المصريّ المتخصّص في الدراسات الإسلاميّة الدكتور نصر حامد أبو زيد، الذي وافته المنية في 5 تمّوز/يوليو 2010، حيث قضت محكمة النقض المصريّة في جلستها في 5 آب/أغسطس 1996 بالتفريق بين نصر وزوجته ابتهال يونس، حيث أقرّت بردّته عن الدين الإسلاميّ على خلفيّة أبحاث تقدّم بها لنيل درجة الأستاذيّة في جامعة القاهرة، واعتبرتها المحكمة تمثّل "إساءة إلى القرآن الكريم عن جهل فاضح".

ويقول الباحث القانونيّ في مؤسّسة حريّة الفكر والتعبير محمود عثمان إنّ دعاوى الحسبة جاءت من خلال المادّة رقم 3 من قانون المرافعات، حيث أجازت لأيّ شخص أن يقيم دعوى ضدّ أيّ عمل إبداعيّ صادر عن فنّان أو كاتب أو شخصيّة عامّة، طالما له فيها مصلحة ما، سواء مباشرة أم غير مباشرة. ويضيف عثمان لـ"المونيتور"، أنّه مع زيادة عدد الدعاوى التي تقدّمت، تمّ تعديل القانون في عام 1996 ليشترط أن يكون للشخص المقيم للدعوة مصلحة أو من أجل دفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحقّ يخشى زوال دليله عند النزاع فيه. ويضيف أنّ الدعوة بدلاً من تقديمها إلى المحكمة المختصّة مباشرة، أصبحت تقدّم إلى النيابة العامّة، من دون غيرها والتي تحدّد ما إذا كانت لها جدوى من عدمها.

وأخيراً، قضت محكمة مصريّة بسجن الروائي أحمد ناجي لمدّة عامين مع الأشغال بتهمة خدش الحياء العام ونشر عبارات جنسيّة، في روايته "استخدام الحياة"، حيث اعتبرت المحكمة أنّ رواية ناجي تخرج عن نطاق الكتابة الأدبيّة. وقبل ذلك، وفي 29 كانون الثاني/ديسمبر 2015، قضت محكمة مصريّة بسجن مقدّم البرامج الدينيّة إسلام البحيري عاماً واحداً بعد قبول استئناف تقدّم به ضدّ حكم سابق بسجنه خمس سنوات، بعد إدانته بتهمة ازدراء الدين الإسلاميّ.

ويقول عثمان لـ"المونيتور" إنّ دعاوى الحسبة التي تقام تعارض الدستور المصريّ الذي ينصّ في المادّة 65 على أنّ "حريّة الفكر والرأي مكفولة، ولكلّ إنسان حقّ التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر"، وفي المادّة 67 على أنّ "حريّة الإبداع الفنّي والأدبيّ مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، ولا توقّع عقوبة سالبة للحريّة في قضايا النشر".

"كلّ الأحكام التي تصدر في قضايا النشر تعدّ عودة لدعاوى الحسبة، وتخالف نصّ صريح في الدستور المتعلّق بإلغاء العقوبات السالبة للحريّات في جرائم النشر"، هكذا يقول الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة صلاح عيسى، ويضيف في حديثه إلى "المونيتور": "هذه الإشكاليّة ترجع إلى نصّ موجود في الدستور يقول إنّ كلّ القوانين التي كانت قائمة قبل صدوره، أي الدستور، يظلّ معمول بها لحين تعديلها".

وفي محاولة لوضع حلّ موقّت لحين تعديل موادّ العقوبات، يقول عيسى: "على النائب العامّ والقضاة أن يراعوا نصوص الدستور التي تجرّم المعاقبة في كلّ قضايا النشر والتعبير عن الرأي"، واصفاً هذه الخطوة بـ"الموائمة القضائيّة". ويضيف عيسى لـ"المونيتور": "على القاضي الذي ينظر في مثل هذه القضايا أن يلجأ إلى توقيع الغرامة، بدلاً من الحبس حتّى لا يتعارض مع نصوص الدستور".

وأرجع عيسى السبب في استمرار تقديم ما يسمّى بدعاوى الحسبة إلى ما أسماه بـ"المرحلة الانتقاليّة" بين صدور الدستور وتعديل القوانين السابقة على صدوره، مطالباً مجلس النوّاب بسرعة النظر في مشاريع القوانين المكمّلة للدستور.

"بمجرّد أن ننتهي من اللائحة الداخليّة لمجلس النوّاب، سننظر في كلّ القوانين التي تتعارض مع موادّ الدستور المصريّ"، هكذا يقول عضو مجلس نوّاب فضّل عدم ذكر اسمه، مضيفاً لـ"المونيتور" أنّه لا يمكن أن تستمرّ ما تسمّى بدعاوى "الحسبة" أو تلك التي يعاقب عليها كتّاب الرأي، في ما يتعلّق بقضايا النشر.

وعن الحريّة الذي تعدّ أحد شعارات ثورة 25 يناير 2011، وحول ما إذا أحدثت الثورة اختلافاً في الدعاوى التي تقوّض الرأي والتعبير، يقول مدير الشبكة العربيّة لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد، إنّه قبل الثورة كان جزء من دعاوى الحسبة دفاعاً في شكل خاطئ عن الدين، مضيفاً في حديثه إلى"المونيتور" أنّ أغلبها بحث عن الشهرة ونفاق للدولة وعداء للمختلفين مع صاحب الدعوى في الرأي.

وشكّك عيد في دور مجلس النوّاب المصريّ في إيجاد حلّ لأزمة الرأي والتعبير، قائلاً: "للأسف، لا أثق في مجلس النوّاب، لأنّ هذه القضايا تستهدف منتقدي النظام، وهذا برلمان النظام، والحلّ في استقلال القضاء". وأضاف: "القانون يلزم النيابة والقضاء بعدم النظر في أيّ قضيّة قبل التأكّد من الصفة والمصلحة المباشرة لرافع هذه القضيّة، وقضايا الحسبة كلّها لا صفة لرافعيها، لكنّها تقبل بالتعارض مع القانون، وذلك طبقاً لقانون المرافعات". ويختتم حديثه قائلاً: "القانون يطبّق أو لا، بحسب قرب المتّهم من دوائر السلطة أو بعده عنها".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو