نبض تركية

لماذا بدأت تركيا تفقد الأمل في بلدة أعزاز السوريّة الحدوديّة

p
بقلم
بإختصار
تخوض تركيا معركتين لإبقاء خطّ أعزاز-مارع مفتوحاً بعد خسارتها ممرّ حلب.

بينما تستمرّ التكهّنات بشأن احتمال تدخّل تركيا والمملكة العربيّة السعوديّة في الحرب السوريّة، تجد تركيا نفسها تحارب على جبهتين حتّى من دون دخولها سوريا.

في الجبهة الأولى، تطلق تركيا نيراناً مدفعيّة ثقيلة على قوّات سوريا الديمقراطيّة التي تتقدّم تجاه أعزاز في شمال غرب سوريا، معلنة أنّ الهدف هو وقف تقدّم وحدات حماية الشعب الكرديّة. وفي الجبهة الثانية، تسمح تركيا للمقاتلين بالعبور إلى سوريا بما أنّ الجيش السوريّ أقفل ممرّ حلب-كلس.

وقد أثار رئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو الفضول عندما ردّ على سؤال الأسبوع الماضي عمّا إذا كانت تركيا مستعدّة لفعل أيّ شيء لإعادة فتح الممرّ. فقال: "انتظروا بضعة أيّام وستحصلون على الجواب". وأشعل جوابه الغامض هذا الجدل حول احتمال التحضير لتدخّل عسكريّ.

انتظر "المونيتور"، وهذا ما رأيناه: سيطرت وحدات حماية الشعب الكرديّة على سدّ تشرين في جنوب مدينة جرابلس السوريّة، وعبرت إلى غرب نهر الفرات، وأوقفت تقدّمها. ندرك جميعاً أنّ الحكومة التركيّة رسمت خطاً أحمر بشأن عبور وحدات حماية الشعب الكرديّة إلى الجهة الغربيّة من الفرات بغية منع هذه الوحدات من التقدّم نحو منطقة جرابلس-الراعي التي يحافط فيها تنظيم الدولة الإسلاميّة على معبريه الحدوديّين الوحيدين إلى باقي العالم.

لكنّ التقدّم حصل شرق عفرين باتّجاه أعزاز. وفي 10 شباط/فبراير، سيطرت وحدات حماية الشعب الكرديّة وجيش الثوّار، وهما وحدتنا حليفتان تابعتان لقوّات سوريا الديمقراطيّة، على قاعدة المنغ الجويّة في جنوب أعزاز، ثمّ على قرى ماراناز والمالكيّة ودير جمال وتل أكار المجاورة.

وفي 13 شباط/فبراير، بدأت القوّات المسلّحة التركيّة بقصف مطار المنغ والقرى الأربع المجاورة وقريتي مريمين وأناب التابعتين لعفرين. وأصيب مركز عفرين بقذائف متعدّدة. وأدّى القصف بمدافع مداها 40 كيلومتراً منتشرة في يازي باغ غربي كلس إلى مقتل مدنيّين اثنين في قرية مريمين وإصابة ستّة آخرين.

لكنّ تركيا قامت بخطوة أخرى من المتوقّع أن تثير الجدل. بغية تحصين تل رفعت، التي أصيب المدافعون عنها بالإرهاق، نُقل مئات المقاتلين إلى تركيا من حدود ريهلني في محافظة هاتاي وإعيد إدخالهم إلى سوريا من كلس. وقال المرصد السوريّ لحقوق الانسان إنّ 350 مقاتلاً يحملون أسلحة خفيفة وثقيلة نُقلوا إلى سوريا عبر تركيا. ووصلت بعض هذه التعزيزات إلى تل رفعت، لكنّ مصادر محليّة قالت لـ "المونيتور"، طالبة عدم الكشف عن اسمها، إنّ العدد الذي تمّ نقله قد يكون أكبر بكثير.

وذكرت مصادر على الميدان أنّ إحدى نقاط العبور هي قرية بوكولميز التابعة لريهنلي. في الجهة المقابلة لبوكولميز تقع قرية أطمة السوريّة التي تُستعمل كمركز لوجستيّ. وقال صحافيّ من عفرين: "تمّ إنشاء طريق لوجستيّة بين أطمة وأعزاز عبر هاتاي وكلس. وتشير تقارير غير مؤكّدة إلى عمليّة إعادة تزويد بالذخيرة من كلس إلى أعزاز".

في 13 شباط/فبراير، أشارت وكالة أنباء هاوار في تركيا إلى نقل أربع شاحنات محمّلة بالذخيرة إلى سوريا عبر بوّابة أونكوبينار-باب السلام الحدوديّة. ونشرت الوكالة صوراً لصناديق عليها علامة "MKE11D201-016" التي يستعملها مصنّع الذخائر التركيّ المملوك من الدولة. وقالت مصادر محليّة إنّ أحد المعابر الأخرى المستعملة لنقل المقاتلين غير الشرعيّ عبر تركيا هو معبر يايلاداغي الحدوديّ الذي شهد حركة أكبر مؤخراً.

وسيطرت القوّات النظاميّة التركيّة، بدعم جويّ روسيّ، على بلدتي نبل والزهراء السنّيتين الواقعتين بين عفرين وقرية باشكوي في الشرق، قاطعة بالتالي طريق الإمدادت الرئيسيّة من تركيا إلى حلب. ويعتمد استمرار المجموعات المسلحّة في السيطرة على خطّ أعزاز-مارع في شمال غرب حلب وإدلب على إبقاء بوّابتي بوكولميز ويايلاداغي مفتوحتين من أجل اللوجستيّات. ونظراً إلى تقدّم الجيش السوريّ على جبل التركمان، باتت هذه الطريق محظورة. لكن ما زال بالإمكان العبور إلى ريف إدلب ومنه إلى شمال غرب حلب.

وعلى الرغم من كلّ هذه الجهود، لم يكن بالإمكان الحؤول دون سقوط تل رفعت في يد قوّات سوريا الديمقراطيّة.

دخل جيش الثوّار السوريّ تل رفعت في 15 شباط/فبراير. وفي اليوم التالي، قال المتحدّث باسمه، أحمد العمر، إنّه أخلى تل رفعت بعد أربعة أيّام من المعارك. وكانت تل رفعت نقطة رئيسيّة للعمليّات اللوجستيّة بين حلب وتركيا.

وبعد تل رفعت، سيطرت وحدات قوّات سوريا الديمقراطيّة على قريتي عين دقنة وكفر نايا، وتقدّمت نحو أعزاز ثمّ دخلت مارع.

وتترافق هذه التطوّرات على الميدان مع احتدام الجدل حول ما الذي تستهدفه تركيا ولماذا. لقد قدّمت الحكومة ثلاثة تبريرات لقصف منطقة أعزاز. ونشرت صحيفة "حريات" التركيّة تقريراً وُزّع على كبار المسؤولين في الدولة وجاء فيه:

• تريد قوّات حزب الاتّحاد الديمقراطيّ القوميّ الكرديّ وقوّات النظام السوريّ المدعومة من الولايات المتّحدة الأميركيّة التقدّم نحو أعزاز لإثارة موجة جديدة من اللاجئين باتّجاه تركيا. وهناك عشرة مخيّمات للاجئين في المساحة الممتدّة على 8 كيلومترات بين أعزاز وكلس في الجانب السوريّ. وإذا سقطت أعزاز في يد حزب الاتّحاد الديمقراطيّ، سيهرب الأشخاص المقيمون في تلك المخيّمات إلى تركيا. لذلك، يجب أن تبقى أعزاز في يد المعارضة.

• لا علاقة لهذه العمليّة الخاصّة بقوّات سوريا الديمقراطيّة بمحاربة داعش لأنّ المجموعة لا تتواجد في المنطقة التي يستهدفها حزب الاتّحاد الديمقراطيّ. وإنّ الحجّة الأقوى التي تستخدمها الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا ضدّ المعارضة السوريّة هي تواجد جبهة النصرة التي تعتبرانها مجموعة إرهابيّة في محيط أعزاز. لكن لا وجود لجبهة النصرة هناك منذ ثلاث سنوات. وإنّ بعض المنظّمات مثل أحرار الشام والجبهة الإسلاميّة غير مدرجة في قائمة المنظّمات الإرهابيّة الخاصّة بالأمم المتّحدة.

• يريد حزب الاتّحاد الديمقراطيّ توسيع رقعة أراضيه.

عند مناقشة هذه التبريرات الثلاثة، ينبغي إيضاح أيّ قوّة سيطرت على مطار المنغ والقرى المجاورة. وفقاً لمصادر كرديّة في عفرين تحدّثت إلى "المونيتور"، أمّنت وحدات حماية الشعب الكرديّة في هذه العمليّات دعماً لوجستياً وأسلحة لجيش الثوّار الذي كان القوّة الرئيسيّة في العمليّة. لكن مع أنّ الراية التي رفعوها كانت راية جيش الثوّار، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ وحدات حماية الشعب استُبعدت بشكل كامل.

ممّن يتألف جيش الثوّار؟ أُسّس هذا الجيش في أيار/مايو 2015، وكان بعض مقاتليه أعضاء في حركة حزم وجبهة ثوّار سوريا اللتين كانتا مدعومتين من الولايات المتّحدة ثمّ تفكّكتا. وتشكّل جبهة الأكراد – المؤلفة من أكراد لم ينضمّوا إلى وحدات حماية الشعب – وحدة أخرى من وحدات جيش الثوّار. ويشكّل لواء السلاجقة ولواء السلطان سليم، اللذان يعملان بشكل منفصل عن القوّات التركمانيّة المدعومة من تركيا، جزءاً أيضاً من جيش الثوّار. وانضمّ جيش الثوّار المؤلّف من عرب وتركمانيّين وأكراد إلى قوّات سوريا الديمقراطيّة التي تقودها وحدات حماية الشعب الكرديّة في تشرين الأول/أكتوبر 2015. ويتحدّر معظم المقاتلين من مستعمرات على خطّ أعزاز-مارع ومناطق منبج والباب وجرابلس الواقعة حالياً تحت سيطرة داعش. وبالتالي، لا يمكن اعتبار مقاتلي جيش الثوّار دخلاء.

بعد أن سيطرت وحدات حماية الشعب على مناطق بالقرب من أعزاز، تركت هذه المناطق تحت سيطرة جيش الثوار وانسحبت إلى عفرين. وفسّر بعض المراقبين في الأوساط الحكوميّة التركيّة هذه الخطوة بأنّ وحدات حماية الشعب تستعمل جيش الثوار كغطاء. وقد يكون ذلك مبالغة بما أنّ الأميركيّين يتولّون التنسيق بين هاتين الوحدتين التابعتين لقوّات سوريا الديمقراطيّة.

أمّا بالنسبة إلى الادّعاءات القائلة بأنّ جبهة النصرة غير متواجدة في أعزاز، فينبغي أن ندرك أنّ جبهة النصرة لم تعد ترفع رايتها في مناطق قريبة من الحدود التركيّة منذ أن أدرجتها الأمم المتّحدة على قائمة المنظّمات الإرهابيّة. وبالإضافة إلى هذا التركّز في ريف إدلب، تتواجد جبهة النصرة أيضاً في شمال حلب، في منطقتي اللاذقية وأعزاز التركمانيّتين. وتتمتّع جبهة النصرة بقدرة حشد كبيرة في هاتين المنطقتين. ويدرك كلّ من يتابع التطوّرات في المنطقة أنّ هذه المجموعة لا تنشط في الجانب السوريّ من الحدود فحسب، بل أيضاً في كلس وهاتاي التركيّتين. ووفقاً لعامل إغاثة في يايلاداغي، "يُعتبر أفراد النصرة سكّاناً محلّيين. يمكنهم عبور الحدود متى شاءوا".

وتعمل جبهة النصرة عادةً مع أحرار الشام في هذه المناطق.

وقال صحافيّ من عفرين لـ "المونيتور" إنّ تقارير السنة الماضية التي قيل فيها إنّ جبهة النصرة تخلّت عن مواقعها في أعزاز من أجل جيش الشام خاطئة. وقال: "يمكنكم التجوّل في كلّ أنحاء سوريا من دون أن تجدوا أيّ أثر لوجود النصرة هناك. لكنّهم موجودون في كلّ مكان. يخبّئون أنفسهم في صفوف الأحرار".

في هذه الأثناء، تحاول الحكومة التركيّة جاهدة إقناه التحالف الدوليّ بالموافقة على عمليّة بريّة قد تؤدي إلى اشتباك مع القوّات الروسيّة والسوريّة. لكنّ التطوّرات على الأرض قد تُفشل مخطّط تركيا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : ypg, turkish intervention in syria, turkish-syrian border, turkey’s syrian policy, russia’s syria policy, azaz, aleppo
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept