نبض تركية

ماذا حل بالسياسة الخارجية التركية؟

p
بقلم
بإختصار
ارتكبت تركيا أخطاء فادحة من خلال سياستها الخارجية الأحادية البعد، بحسب سفراء سابقين خدموا في السلك الديبلوماسي في ظل "حزب العدالة والتنمية".

يُجمع الخبراء الأتراك – ما عدا الخبراء الموالين للحكومة الشديدي التمسّك بمواقفهم – على أن السياسة الخارجية التركية في عهد "حزب العدالة والتنمية" الحاكم تعمّها الفوضى. ويتّفقون في شكل عام على أن السبب هو تخلّي البلاد عن سياستها الخارجية التقليدية لصالح رؤية إسلامية.

يعتبر الخبراء أن هذا الوضع تسبّب بتراجع الخيارات المتاحة أمام أنقرة إلى حد كبير، لا سيما في خضم الاضطرابات التي تشهدها المنطقة. طلب موقع "المونيتور" من ثلاثة سفراء متقاعدين خدموا في السلك الديبلوماسي في عهد "حزب العدالة والتنمية" ويُعرَف عنهم أنهم ذو باع طويل في السياسة الخارجية، أن يشرحوا الأسباب التي تقف خلف عزلة أنقرة وعجزها عن التأثير في الأحداث الإقليمية التي تترك تداعيات سلبية للغاية على المصالح التركية.

يُختصَر إطار السياسة الخارجية الذي وضعه مصطفى كمال أتاتورك، مؤسّس تركيا الحديثة، بالمقولة التي ابتدعها أتاتورك نفسه: "سلامٌ في الداخل، سلامٌ في العالم"، وذلك بالاستناد إلى تقويم واقعي لموقع تركيا الجيوسياسي، فضلاً عن تجارب سابقة مريرة، بحسب السفير المتقاعد أولوك أوزولكر. من الركائز الأساسية لهذه السياسة التطلّع بصورة مستمرة نحو الغرب – إلا أن هذه الركيزة تغيّرت في عهد "حزب العدالة والتنمية"، كما يقول أوزولكر.

فقد اعتبر أن "النظرة العالمية الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية تستند إلى ما يُعرَف بـ’الرؤية الوطنية‘ ذات الأسس الإسلامية والتي تميل نحو النظرة الاستشرافية للإخوان المسلمين"، مضيفاً أن تلك النظرة مرتبطة بالغضب الذي تشعر به تركيا حيال إسرائيل والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

تابع أوزولكر: "حاول حزب العدالة والتنمية أيضاً تطبيق سياسات تتخطّى إمكانات تركيا وقدراتها. كانت السياسة الخارجية التركية في الماضي حذرة ودفاعية. عندما بدأ الاقتصاد التركي بالنمو، استخدم حزب العدالة والتنمية هذا النمو، إلى جانب ’رؤيته الوطنية‘، من أجل تطبيق سياسات أكثر نشاطاً. لقد سعى الحزب إلى إقامة علاقات جيدة مع الدول المجاورة، لكنه وفي إطار سعيه لتحقيق ذلك، تصرّف مثل شقيق أكبر يمارس الاستعلاء، الأمر الذي أثار تدريجاً نفور الدول المجاورة وسواها من القوى الإقليمية".

وأشار أوزولكر إلى أنه من الأخطاء الأخرى التي ارتكبها "حزب العدالة والتنمية" اتّباع سياسة خارجية تسعى وراء المثالية، لا سيما تحت وصاية رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو الذي كان وزيراً للخارجية من 2009 إلى 2014.

وقال في هذا الصدد: "لقد افترضوا أن تركيا هي اللاعب الأساسي الذي يستطيع إعادة ترتيب الأمور وتغيير المنظومة القائمة في المنطقة بحسب رغبتها. بيد أن السياسة الواقعية ومكانة تركيا الجيوسياسية لم يساعدا أبداً على تحقيق هذه النتيجة".

يعتمد "حزب العدالة والتنمية" مقاربة انتقامية في التعامل مع السياسة الخارجية، وينبذ كل من يرفض الإصغاء إليه، ويعتبره في نهاية المطاف عدواً له، كما يقول أوزولكر مضيفاً: "نرى هذا الأمر في الروابط التركية مع إسرائيل ومصر وسوريا. لقد نسي حزب العدالة والتنمية أنه في السياسة الخارجية، ليست هناك صداقات أو عداوات دائمة، بل فقط مصالح دائمة".

تابع أوزولكر: "يعرف كل فريق إلى أي كتلة ينتمي نوعاً ما. هذا هو أيضاً أساس الأمن الجماعي. أما حزب العدالة والتنمية فقد ترك تركيا تبتعد عن الغرب، إلا أنه فشل في إيجاد ميناء جديد ليحطّ رحاله. طلب الحزب قبول انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي للتعاون، لكنه أخفق في مسعاه. إنه معزول الآن ولا يعرف إلى أين ينتمي. ثمة مؤشرات بأنه يحاول العودة إلى الحظيرة الغربية، لكنها مجرد تكهّنات".

وكذلك اعتبر السفير المتقاعد تيمل إسكيت أن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه "حزب العدالة والتنمية" هو إبعاد تركيا عن سياستها الخارجية التقليدية.

فقد قال في هذا الإطار: "لقد حاول الحزب استبدال هذه السياسة برؤية تستند أيديولوجياً وبقوة إلى نظرة عالمية سنّية. اعتبر الحزب أنه بإمكان تركيا أن تكون زعيمة السنّة في المنطقة، الأمر الذي لم يكن خارجاً عن نطاق السياسات التقليدية التركية وحسب، إنما أيضاً غير واقعي".

أضاف إسكيت: "قدّمت الأزمة السورية مثالاً ملموساً عن مدى ضلال هذه النظرة وتشوّشها. بالطبع، الجميع ارتكبوا أخطاء في سوريا. فقد اعتقدوا في أوج الربيع العربي أن [نظام الرئيس السوري بشار الأسد] سيُستبدَل سريعاً بنظام ديمقراطي. بيد أن الخطأ الفعلي الذي ارتكبته أنقرة كان إصرارها على الإمعان في خطأها الأول حتى بعدما تنبّه الجميع لحقيقة ما يجري في ذلك البلد".

واعتبر إسكيت أن الرئيس رجب طيب أردوغان، وليس داود أوغلو، هو السبب الأساسي خلف الوضع الذي تجد تركيا نفسها فيه الآن.

فقد علّق في هذا الصدد: "حاول أردوغان أن يفرض نظرته الشخصية على الآخرين، وعندما رفضوا قبولها، كما في حالة الأسد، أصبح عدوّهم واتّبع مقاربة أقرب إلى الثأر العشائري الدموي ضدهم. لهذا السبب أيضاً تقف تركيا اليوم على طرف نقيض من الغرب ومن روسيا ومن الجميع تقريباً".

أضاف إسكيت: "لقد استحوذت عليه الغطرسة والهواجس الشخصية".

وتوقّع أن يستمر الوضع الصعب الذي تعاني منه تركيا على الساحة الدولية ما دام أردوغان في السلطة.

اعتبر السفير المتقاعد مراد بيلهان، من جهته، أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته أنقرة كان اعتمادها موقفاً منحازاً في نزاعات إقليمية معقّدة.

ومما قاله في هذا السياق: "تقتضي السياسة الخارجية الابتعاد عن المواقف الانفعالية والعقائدية. إذا استسلمت لمثل هذه المواقف، إنها مسألة وقت فقط قبل أن تظهر النتائج السلبية".

وإذ لفت بيلهان إلى أن موقع تركيا الجيوسياسي يتطلّب منها اعتماد سياسة خارجية متعدّدة الأوجه، قال إن تركيا أصبحت أسيرة سياساتها الأحادية البعد: "مالت تركيا حصراً نحو الغرب في الماضي، وهذا خطأٌ أيضاً. أما اليوم فهي تتطلّع فقط إلى الشرق الأوسط".

ومن الأخطاء الأخرى في السياسة الخارجية الاعتقاد أنه على المسؤول ألا يكشف أوراقه عندما تكون التطورات قيد الحدوث، كما يقول بيلهان مضيفاً: "يحدّ هذا من قدرة تركيا على المناورة وعلى العودة عن أخطائها"، في إشارة واضحة إلى أردوغان. ولفت أيضاً إلى أن صنّاع القرار في تركيا لم يأخذوا نصائح الخبراء على محمل الجد، ما يُضاف إلى الأخطاء التي ارتكبوها.

تابع بيلهان: "لا يمكن تصحيح الأخطاء الاستراتيجية بواسطة خطوات تكتيكية"، مشيراً إلى أنه ليس هناك من أمر عسير بالنسبة إلى الديبلوماسية، شرط العودة عن السياسات الفاشلة. وختم قائلاً: "الكلمة الفصل هي دائماً لصنّاع القرار، لكن يجب أن يأخذوا أيضاً في الاعتبار آراء الخبراء".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : western influence, syrian conflict, regional politics in the middle east, kemal ataturk, foreign policy, bashar al-assad, ankara, ahmet davutoglu, akp
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept