نبض إيران

لن تصدّقوا ما في جعبة هذه المدوّنة السعودية عن إيران

p
بقلم
بإختصار
يتسبّب قطع العلاقات الإيرانية-السعودية بأضرار جانبية، منها أن مدوّنة سعودية معروفة تتابع تحصيلها العلمي في طهران تجد نفسها عاجزة عن العودة إلى هناك لاستكمال دراستها ونيل شهادة الماجستير.

كان لعناوين الأخبار وقع الصدمة على سارة مصري، ابنة الأعوام الخمسة والعشرين. لقد اقتحم محتجّون متشدّدون مقار البعثات الديبلوماسية السعودية في إيران. وصلها النبأ عبر هاتفها الجوّال خلال إقامة قصيرة لها في مدينة جدّة في السعودية حيث كانت تزور أسرتها وأصدقاءها. ليست مصري مجرد مواطنة سعودية أخرى تشعر بالقلق والتوتر؛ فهي تتابع منذ 18 شهراً تحصيلها العلمي في جامعة طهران لنيل شهادة الماجستير في الدراسات الإيرانية.

كانت العلاقات السعودية-الإيرانية مشحونة أصلاً، لكن مصري شعرت بأن هناك تصعيداً يلوح في الأفق. وقد علّقت لموقع "المونيتور": "شعرت بالقلق وخيبة الأمل؛ شعرت بأن هذه التطورات ستعيد الأمور إلى نقطة الصفر بين الدولتَين. في الوقت نفسه، كنت أعلم أن شريحة صغيرة من الإيرانيين لا تمثّل جميع الإيرانيين. هذه الممارسات تساهم في ترسيخ الأحكام النمطية عن إيران. فهذا يقضي على أي إمكانية للنقاش العقلاني أو الالتقاء حول قواسم مشتركة".

هذه هي بالضبط الأفكار التي تنطلق منها مدوّنتها الرائجة "فتاة سعودية في إيران". كتبت مصري بإسهاب عن لقاءاتها المتعددة مع الإيرانيين، وذلك بهدف دحض الصور النمطية التي كوّنها العرب عن إيران. وقد صرّحت لموقع "المونيتور": "مع احتدام التشنّج السياسي في الأعوام القليلة الماضية، شعرت بأن هناك رواية واحدة عن إيران – وهي رواية سياسية في شكل أساسي. لا يتم الفصل بين الأمور السياسية والجوانب الإنسانية... السياسة أمر مختلف، لكن استناداً إلى ما ألمسه من أصدقائي [الإيرانيين] – والأشخاص الذين أعرفهم – ليست الصورة التي يُروَّج لها عن إيران عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صحيحة".

تشير مصري إلى أن هذه النظرة متبادلة. فبحسب قولها، يرى إيرانيون كثر في السعودية دولة وهّابية متزمّتة ليس إلا. رغبتها في التصدّي لهذه الأفكار النمطية المتبادلة هي التي دفعتها في المقام الأول إلى الانتقال للإقامة في إيران. تروي في هذا الصدد: "شعرت بأنه علي الذهاب إلى إيران، كي أعاين الأمور بنفسي وأعيش هناك، وأرى رد فعل الأشخاص تجاهي كمواطنة سعودية. من الواضح أن هناك تشنّجاً بين السعودية وإيران – أو بين العرب والإيرانيين. أردت أن أضع هذه الأمور على محك الاختبار. وقد سررت كثيراً بالنتائج التي توصّلت إليها"، مضيفةً: "من المهم جداً أن نستفيد من القواسم المشتركة بيننا، وأن يتوقّف كل فريق عن النظر بعين الشك إلى الفريق الآخر".

في البداية، لم يكن في نية مصري التدوين عبر مدوّنة خاصة بها. استغرقت نحو ثمانية أشهر قبل أن تبصر مدوّنتها "فتاة سعودية في إيران" النور. وليس السبب فقط أنها كانت منهمكة بالتأقلم مع محيطها الجديد، بل لأن أصدقاءها الإيرانيين أبدوا معارضة شديدة للفكرة نظراً إلى أن التدوين في الجمهورية الإسلامية قد يودي أحياناً بالشخص إلى السجن.

في هذا الإطار، علّقت مصري لموقع "المونيتور": "في السعودية أيضاً، ليس التدوين أمراً مقبولاً على الدوام؛ يتوقّف الأمر على الموضوع الذي يتم التطرق إليه. أبتعد عن كل ما هو سياسي. كنت قلقة بعض الشيء في البداية، لكن إذا استسلم الجميع للخوف، فلن يتغيّر شيء. أردت أن أكون صوتاً بديلاً. إذاً عقدت العزم على مواجهة الخوف. وأنا أخوض الآن تجربة رائعة غيّرت حياتي. أرى الأمور من زاوية فريدة ومختلفة، وعليّ أن أستفيد من هذا الأمر".

السؤال الذي يطرحه عليها معظم الإيرانيين الذين تلتقيهم في طهران هو "لماذا أنت هنا؟" وقد أصبح هذا السؤال لاحقاً عنواناً لتعليق كتبته عبر مدوّنتها الإلكترونية.

بما أن معظم الإيرانيين لا يحتكّون مع السعوديين إلا خلال مواسم الحج، تروي مصري أن بعض الأشخاص الذين التقتهم فوجئوا عندما علموا أنها امرأة سعودية تقيم لوحدها في إيران، ما دفعها إلى أن تشرح لهم بأن الأسر السعودية ليست كلّها محافظة، فهناك عائلات تتيح لبناتها الاستقلال عنها. أضافت: "ثم يقولون لي: ’لم نرَ قط امرأة سعودية من دون نقاب‘. فأجيب: ’هذا غير صحيح. غالبية النساء في السعودية لا يغطّين وجوههن، ترتدي النساء النقاب في بعض المدن فقط‘. فيسألون: ’حقاً؟‘ من الواضح أنهم يجهلون الأمر تماماً".

تلفت مصري إلى أنها تواجه ردود فعل مشابهة في السعودية عندما تتحدّث عن إيران: "جميع السعوديين الذين ألتقيهم يصابون بالصدمة عندما أقول لهم إنني أعيش في إيران. فجأةً يبدأون بطرح مختلف أنواع الأسئلة: كيف هي الأمور هناك؟ كيف هم الناس؟ ثم هناك من يقول: ’كان لدي عدد كبير من الأصدقاء الإيرانيين في الولايات المتحدة، وكنّا مقرّبين جداً‘. أسمع كثيراً هذا الكلام. وكأنه يجب تلبية معايير معينة نظراً إلى أن الأمور سيئة جداً والصور النمطية كثيرة". أضافت: "لم أتخيل قط أنني سأذهب يوماً إلى إيران. هذا أشبه برواية خيالية بالنسبة إلى السعوديين، لا يستطيعون تصوّر الأمر. هذه هي درجة الاستقطاب [في الوقت الحالي]".

على الرغم من التفكير النمطي، تقول مصري إنها لم تتعرض لأي تمييز من الإيرانيين. على العكس، تلقى حفاوة منهم حتى عندما يعلمون أنها من الجنسية السعودية، كما روت لموقع "المونيتور".

بعد قطع العلاقات بين طهران والرياض، باتت مصري عاجزة عن متابعة دراستها في إيران. فقد فرضت السعودية حظراً على السفر إلى إيران. كما أن بعضاً من أفراد أسرتها يتحفّظون على عودتها إلى هناك. ولذلك لا يمكنها متابعة الفصل الدراسي الأخير أو الأبحاث لإعداد أطروحتها، كما تقول. تضيف مصري أنها تركت الكثير من أغراضها في شقتها في طهران، لكن أكثر ما يؤلمها هو أنها لم تستطع أن تودّع كما يجب أصدقاءها الإيرانيين والأجانب في طهران.

وقد علّقت لموقع "المونيتور": "ينصحونني بالانتظار حتى تُسوّى الأمور أو بأن أطلب منهم [من جامعة طهران] إرجاء موعد تقديم الأطروحة. أنا على اتصال بالكلية، لكن يصعب علي أن أترك حياتي معلّقة بهذه الطريقة، لا سيما وأنه ليست هناك مؤشرات تكشف متى ستتحسّن الأمور بين البلدَين".

تقول مصري إنها ستشتاق إلى رحلات العودة من الجامعة سيراً على الأقدام، وإلى جبال ألبرز ذات القمم المكلّلة بالثلوج، والسفر مع أصدقائها. مؤخراً كتب أحدهم التعليق الآتي عبر مدوّنتها: "قبل وقت غير بعيد، كان الفرنسيون والألمان ألدّ الأعداء. اليوم أتكلّم، أنا المواطن الألماني، اللغة الفرنسية، ولدي أصدقاء في فرنسا أحبّهم كثيراً، ولست أفهم حقاً لماذا استغرقنا كل هذا الوقت كي يسود الوئام بيننا. ربما، في المستقبل غير البعيد، سوف يتّفق السعوديون والإيرانيون أيضاً، ويتبادلون مشاعر الودّ والتقدير، ويقدّمون إثباتاً إضافياً عن أن الصداقة والتعاون أفضل بكثير من المواجهة وعدم الثقة". لعل التاريخ يذكّرنا بأن الأمور يمكن أن تتغيّر نحو الأفضل – إنما أيضاً نحو الأسوأ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : university, tehran, riyadh, islamic republic, hajj, embassy, blogging
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept