نبض العراق

المناطق المحرّرة تحتاج إلى خطّة إعمار عاجلة

p
بقلم
بإختصار
شهدت المناطق التي احتلها تنظيم داعش خرابا كبيرا في البنى التحتية، ما يقتضي اطلاق مشاريع إعمار شاملة لها؛ ولكن لحد الآن وبعد أشهر من تحرير بعض المناطق لم يطلق أي مبادرة جادة للإعمار فيه.

شهد عام ٢٠١٥ تحرير مناطق عدّة في محافظتي صلاح الدين وعلى رأسها تكريت والأنبار وابرزها مدينة الرمادي، من قبضة تنظيم "داعش"، وعمليّات التّحرير مستمرّة، وستفضي في النهاية إلى طرد التّنظيم من العراق، ولكن لم يتمّ إطلاق أيّ مشروع جاد لإعمار المناطق المحرّرة حتّى الآن. ويعدّ هذا تحدّياً كبيراً يقع على كاهل الدولة العراقيّة، بحيث أنّ القضاء على الإرهاب يتطلّب ما هو أكثر من الجهد العسكريّ، ويستدعي تحشيداً في إعادة الإعمار بالإنسان قبل البنى التحتيّة. لقد سقطت مدينة الموصل في العاشر من حزيران/يونيو، إثر هجوم مباغت لتنظيم "داعش" عليها وانسحاب قوّات الجيش العراقيّ والقوّات الأمنيّة الأخرى منها. واستمرّ التّنظيم في التقدّم نحو بغداد بشكل سريع جدّاً، وسيطر خلال أيّام على المناطق المجاورة للعاصمة بغداد على مسافة 40 – 60 كليومتراً بشكل تقريبيّ من جهة محافظة صلاح الدين في الشمال ومحافظة الأنبار في الغرب. ولم يتوقّف تقدّم "داعش"، إلاّ بعد التحاق أفواج كبيرة من المتطوّعين من مقاتلي الحشد الشعبي بالقوّات الأمنيّة المقاتلة مع التّنظيم في 13 حزيران/يونيو، إثر فتوى أصدرها المرجع الدينيّ الأعلى آية الله علي السيستاني في 13 حزيران/يوليو 2014. وبدأ التّنظيم بالإنسحاب الإجماليّ من بعض مناطقه تدريجيّاً منذ سبتمبر/أيلول 2014، إثر بدء حملة القصف الجويّ من قبل الّتحالف العسكريّ الّذي تقوده الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ آب/أغسطس عام 2014. وفي نهاية عام 2015، شهد التّنظيم تراجعاً كبيراً في العراق، حيث خسر مدناً مهمّة ومناطق واسعة، منها: تكريت الّتي تمّ تحريرها في آذار/مارس من عام 2015، سنجار الّتي تحرّرت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والرمادي حيث تقوم القوّات العراقيّة بفتح آخر معاقل"داعش" فيها حاليّاً، وتم تحريرها في 28 ديسمبر/كانون الأول 2015.

ولقد شهدت المناطق الّتي احتلّها التّنظيم خراباً كبيراً في البنى التحتيّة والإقتصاد المحليّ، فضلاً عن الممتلكات الخاصّة بالسكّان، ممّا يصعب تخمينه في شكل كامل. وقدّرت لجنة الخدمات النيابيّة في نيسان/أبريل الماضي حجم الأضرار الّتي لحقت بتلك المناطق بمبلغ يصل إلى 25 مليار دولار. ومن المفترض أن يكون المبلغ قد ارتفع بأضعاف كبيرة خلال الفترة الممتدّة من نيسان/أبريل إلى نهاية العام. وقدّر مسؤولون محليّون في كلّ من الأنبار وديالى أنّ معدّلات التّخريب والتّدمير طالت 80 في المئة من البنى التحتيّة للخدمات الأساسيّة في محافظاتهم، ممّا يشمل قطاعات الجسور والكهرباء والصحّة والماء والتّعليم، هذا مضافاً إلى القضاء على الموارد الماليّة للعراق في المناطق المحتلّة، منها القطاع الزراعيّ في تلك المناطق المعروفة بوفرة أراضيها الزراعيّة. وبادرت الحكومة العراقيّة منذ بداية تحرير المناطق بالإعلان عن إطلاق خطط لإعمار المناطق المحرّرة. فقد تمّ إنشاء صندوق لإعادة إعمار المناطق المحرّرة وتسهيل عودة النازحين إليها في 11 آذار/مارس.

وخصصت الحكومة له مبلغا اوليا للصندوق قدره (500) مليار دينار عراقي في موازنة عام 2015، وأعلنت الأمانة العامّة لمجلس الوزراء في 17 آذار/مارس، وبعد تحرير "تكريت" مباشرة، أنّ الحكومة أقرّت مسارين لإعادة إعمار المناطق المحرّرة: الأوّل في ما يخصّ الأمد القصير المتمثّل بتوفير الأمن والماء والكهرباء والغذاء والمأوى والمستشفيات والوسائل التعليميّة، والثاني هو عبارة عن استراتيجيّة طويلة الأمد تتمثّل بإعمار البنى التحتيّة في تلك المناطق.

ولقد أكّد الأمين العام لمجلس الوزراء حامد خلف أحمد، في 24 مارس/آذار 2015 أنّ إعمار المناطق المحرّرة، يحتاج إلى تعاون المنظّمات الدوليّة والدول المانحة، مشدّداً على "ضرورة الإسراع في التنسيق وإنشاء خلايا أزمة في الوزارات لسرعة إنجاز خطّة إعادة الإعمار"، كجزء من المسار الثاني للخطة.

ورغم الوعود المتعدّدة من قبل الحكومة لإطلاق مشاريع إعمار في المناطق المحرّرة بشكل عاجل، لم يتمّ حتّى الآن تدشين أيّ منها. كما لم يتمّ الإعلان عن خطّة تفصيليّة لمشاريع الإعمار فيها. فقد انتقدت لجنة الخدمات النيابيّة في 19 تشرين الأوّل/أكتوبر غياب خطط لإعمار المناطق المحرّرة، حيث لم يتمّ العمل على إنجازها من قبل الوزارات الخدميّة، "علاوة على عدم وجود تخصيصات ماليّة كافية لإقامة مشاريع الإعمار"، هذا في حين أنّ محافظ ديالى مثنى التميمي صرّح في 21 تشرين الثاني/نوفمبر أنّ "خطط إعمار المناطق المحرّرة داخل المحافظة جاهزة للتنفيذ منذ أشهر ولجميع القطاعات، وأنّ المحافظة بانتظار إطلاق الأموال للمباشرة بعمليّات البناء"، التي خصصتها الحكومة لصندوق الاعمار. ومنذ ذلك الحين، لم تنطلق مشاريع الإعمار في ديالى وغيرها، بل تمّ تأجيل الوعود كالمرّات السابقة، حيث أعلنت إدارة محافظة ديالى في21 ديسمبر/كانون الأول 2015 أنّ "خطّة إعمار المناطق المحرّرة ستنطلق في 2016" من دون تحديد تاريخ معيّن لذلك.

ويعاني العراق وضعاً إقتصاديّاً صعباً جدّاً، بسبب العجز المستمرّ في ميزانيّته للعامين الماضيين والعام المقبل، الناتج من تراجع أسعار النّفط والكلفة الباهظة لمهام القضاء على "داعش" وإدارة الوضع المأسويّ للملايين من النازحين، إضافة إلى المهامّ العاديّة كتوفير الخدمات للمواطنين وغيرها. وقد قامت دول عدّة، منها الولايات المتّحدة الأميركيّة بإطلاق وعود ماليّة في 14 أبريل/نيسان2015 لدعمالعراق في المجال الإنسانيّ. ولا يزال العراق ينتظر هذه الدعم.

 كما أنّ مؤسّسات ماليّة دولية قامت بتخصيص مبالغ للإستثمار في العراق بعد نهاية القتال الجاري في البلد. فقد أطلقت مؤسّسة "آسيا فرانتير كابيتال" (Asia Frontier Capital) صندوقاً تنمويّاً لدعم الإقتصاد العراقيّ في فترة ما بعد الحرب في 2015.

 وما تعنيه المعلومات السابقة أنّ ليس هناك أيّ رؤية لإطلاق مشاريع إعمار عاجلة في المناطق المحرّرة، من قبل الحكومة العراقيّة أو الأطراف الخارجيّة، في حين أنّ الوضع المأسويّ لتلك المناطق وضرورة تحصينها إقتصاديّاً أمام خطر التنظيمات الإرهابيّة يقتضيان القيام بمشاريع إعمار شاملة لها، إضافة إلى أنّ إنجار مشاريع الإعمار في تلك المناطق سيترك أثراً كبيراً على العراق كلّه، وذلك من حيث موقعها الاستراتيجيّ إقتصاديّاً وحلّ أزمة النازحين الّتي تعدّ عبئاً كبيراً على المناطق العراقيّة الأخرى والحكومة العراقيّة المتكفّلة بهم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : salahuddin, reconstruction, iraqi government, is, financing, diyala province, budget, anbar province
مصطفى الكاظمي كاتب عراقي متخصص في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الانسان. لديه خبرة واسعة في مجال توثيق الشهادات الحية وأرشفة الأفلام الوثائقية المرتبطة بالممارسات القمعية. كتب العديد من الكتب منها: مسألة العراق، أنشغالات أسلامية ، علي ابن ابي طالب الامام والانسان و اهمها كتاب  ” انشغالات أنسانية “  الذي تم اختياره في عام 2000 من قبل الاتحاد الأوروبي كأفضل كتاب كتبه لاجئ سياسي.  
 
 
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept