نبض اسرائيل

الشاباك يكشف عن مؤامرة يقودها يهود متشدّدون لتدمير الدولة

p
بقلم
بإختصار
كشف تحقيق مطوّل أجراه جهاز الشاباك والشرطة الإسرائيلية، النقاب عن مؤامرة لتدمير دولة إسرائيل، وأسفر عن إدانة شابَّين قوميين متشدّدين من المستوطنات يُشتبَه في تورّطهما في مقتل عائلة الدوابشة.

استخدم جهاز الشاباك أو الأمن العام الإسرائيلي، لأول مرة منذ إنشاء دولة إسرائيل، ما يُسمّيه "وسائل خاصة" للتحقيق مع يهود. يقول البعض في اليمين المتطرّف إن هذه الأدوات تشمل التعذيب.

إنها المرّة الأولى التي تُفضَح فيها هذه المجموعة على الملأ في التاريخ الإسرائيلي. الهدف الأساسي الذي تتوخّاه هذه المجموعة الدينية/القومية المتشدّدة السرّية هو القضاء على دولة إسرائيل، ووضع حد للصهيونية وزرع الفوضى في المنطقة، بما يسهّل إنشاء مملكة يهودية متشدّدة مكان إسرائيل. والوسيلة لتدمير الدولة اليهودية، بحسب عقيدة هذه المجموعة، تتمثّل في قتل العرب. كان الهدف تأليب العالم العربي والمجتمع الدولي ضد إسرائيل، وتقويض سلطة الحكومة المركزية، وزرع الفوضى بما يؤدّي إلى اندلاع ثورة. ثم خلال الثورة، توضَع مقاليد الحكم في أيدي من يؤمنون بهيمنة التوراة على الديمقراطية.

خطواتهم الأولى بعد الانقلاب كان يُفترَض أن تكون تعيين ملك وإعادة إرساء مملكة يهودا البيبلية التي تخضع للقانون الديني اليهودي فقط. في المرحلة الأولى، يُوجَّه تحذير إلى جميع العرب وسواهم من غير اليهود بمغادرة المملكة فوراً. في المرحلة الثانية، يُقتَل في الحال جميع من يرفضون المغادرة، بما في ذلك النساء والأطفال. لا مكان لغير اليهود في الأراضي المقدّسة اليهودية. من يرون تشابهاً لافتاً مع القواعد التي تطبّقها دولة الخلافة التي أقامها تنظيم "الدولة الإسلامية" يعبّرون عن رأيهم الخاص. لكن في نهاية المطاف، هذا ما يبدو عليه بالضبط التطرف الديني عندما يؤخَذ الدين إلى أقصى حدوده ويتحوّل أداة للتشدّد.

تمكّن تحقيق مكثّف أجراه جهاز الشاباك والشرطة من إماطة اللثام عن القضية وكشف النقاب عن مجموعة باتت تُسمّى "مجموعة الثورة". يطلق أعضاؤها الذين يبلغ عددهم بضع عشرات الشبان الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 24 عاماً، على أنفسهم اسم "الجبعونيين" (سكّان رأس التلة). إنهم مسؤولون عن الجريمة الصادمة التي أودت بحياة عائلة الدوابشة في قرية دوما في الضفة الغربية في 31 تموز/يوليو 2015، حيث أُحرِق ثلاثة أفراد من العائلة حتى الموت فيما هم نيام: علي البالغ من العمر 18 شهراً، ووالداه ريهام وسعد. الابن محمد، 4 أعوام، هو الوحيد الذي نجا من الحريق.

في الثالث من كانون الثاني/يناير الجاري، أُدين أميرام بن أولييل، 21 عاماً، في ثلاث تهم بالقتل. وقد ورد في القرار الاتهامي أن بن أولييل ألقى قنبلة مولوتوف باتجاه منزل العائلة بعدما دهن جدرانه بالغرافيتي. ثم فرّ تحت جنح الظلام وسار لمسافة عشرة كيلومترات (ستة أميال)، وهي المسافة نفسها التي قطعها للوصول إلى المنزل في تلك الليلة. وأُدين شاب آخر أيضاً لضلوعه في الهجوم. وتم توقيف ستة مشتبه بهم آخرين، ما سمح بالكشف عن ملابسات عدد من أعمال العنف التي ارتكبها أعضاء الخلّية بحق العرب خلال العامَين الماضيين. كانت جريمة دوما الهجوم الأول في سلسلة من الاعتداءات التي أسفرت عن سقوط ضحية. وقد شكّلت بداية الخيط الذي أتاح لجهاز الشاباك كشف النقاب عن المجموعة اليهودية المتشدّدة. فقد أجاز المدّعي العام للأجهزة الأمنية استخدام "وسائل خاصّة" لأول مرة في استجواب اليهود، وتنفيذ اعتقالات إدارية، واتّباع إجراءات متشدّدة في التعامل مع الإرهابيين اليهود. قبل ذلك، كانت التحقيقات مع اليهود الإسرائيليين تتم بحسب القانون الإسرائيلي الذي لا يُجيز استخدام مثل هذه الأساليب، في حين أنه يجري التحقيق في قضايا الإرهاب العربي بموجب قوانين مختلفة تماماً.

عرضتُ في مقال سابق عبر موقع "المونيتور"، لمحة عامة عن البؤر الاستيطانية غير الشرعية في وادي شيلوه. واعتبرت أن هذه البؤر هي التي أنتجت ربما قتلة عائلة الدوابشة في دوما. وقد تبيّن أنه تقويم صائب. مصدر مجموعة الجبعونيين المتشدّدة هو الشباب الخارجون عن القانون في وادي شيلوه وتلة بالاديم (بؤرة استيطانية أخرى غير شرعية)، وكلها تشكّل أراضي خصبة للتطرّف الديني الخبيث الذي يتمدّد عبر يهودا والسامرة.

صادر جهاز الشاباك "مستندات الثورة" ومستندات أخرى تعرض عقيدة أعضاء المجموعة الذين كانوا يتنظّمون في خلايا إرهابية يتألّف كل منها من ثلاثة إلى خمسة أشخاص. وكانت الخلايا تعمل في السرّ وبمعزل عن بعضها البعض، ولم يكن أيٌّ منها يعرف شيئاً عن أنشطة الخلايا الأخرى. من شبه المستحيل اختراق هذه الزمرة بواسطة عملاء تابعين لجهاز الشاباك، على غرار المحاولات التي بُذِلت لزجّ عملاء داخل التنظيمات الإسلامية الإرهابية.

يتشارك أعضاء المجموعة أيديولوجيا متطرّفة. إنهم يعرفون بعضهم البعض جيداً، فقد نشأوا معاً وتشرّبوا الأفكار المتشدّدة معاً. ينظرون بعين الشك إلى الآخرين، وهم محنّكون في التعامل مع الاستجواب والجهود الهادفة إلى رصدهم وتعقّبهم. يعيشون في البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، ويجيدون تدبّر أمورهم في الطبيعة والبحث عن ملاذات في الكهوف والبنى المهجورة. يستطيعون العيش في البرية، بعيداً من الحضارة لأيام طويلة.

نشأ بن أولييل في مستوطنة عتصيون، وهو نجل حاخام في مستوطنة كرمي تسور يُنظَر إليه بأنه معتدل ويتمتع بمواصفات رجل الدولة. عاش لفترة من الزمن في بؤرة غولات تسيون الاستيطانية غير الشرعية. جرى استجوابه على امتداد أسابيع عدّة إلى أن اعترف بضلوعه في مقتل عائلة الدوابشة، حتى إنه أعاد تمثيل الجريمة أمام المحقّقين من جهاز الشاباك في منتصف الليل، في المكان نفسه الذي وقعت فيه الجريمة. تزعم عائلته وأصدقاؤه أنه جرى انتزاع الاعترافات منه تحت التعذيب، وأنها بالتالي غير مقبولة.

إذاً يواجه جهاز الشاباك معركة قانونية لإثبات صحّة اعترافاته وتقديم أدلّة إضافية، على غرار التفاصيل الخفيّة التي كشف عنها بن أولييل عن المجموعة الإرهابية، والشهادة الي أدلى بها قاصر تعاون مع بن أولييل في التخطيط للهجوم.

أثار الكشف عن "خلية الثورة" سجالاً سياسياً حاداً في إسرائيل. يطالب اليمين المتطرف بالتمييز بين الإرهاب العربي واليهود الذي يرتكبون جرائم، ويصرّون على وجوب عدم استخدام التعذيب مع مواطني الدولة. بيد أن الأكثرية الشاسعة من الأفرقاء السياسيين تدعم قرار اللجوء إلى التعذيب ضد المشتبه بهم. حتى إن وزير التعليم نفتالي بينيت ومعظم زملائه في حزب "البيت اليهودي" يقولون إن "الإرهاب هو إرهاب". وهم يعون تماماً أن هذه الأعشاب السامّة التي نشأت في حديقتهم تهدّد دولة إسرائيل بقدر العدو العربي (وربما أكثر منه).

العقيدة الأيديولوجية الصاعقة التي تتبنّاها المجموعة مضمّنة بالتفصيل في عدد من الوثائق التي صادرها جهاز الشاباك. يعتبر هؤلاء أن دولة إسرائيل - التي يسمّونها "مملكة الخبث" - "لا حقّ لها بالوجود، وعلينا العمل من أجل تدميرها، ثم بناء مملكة يهودية". يلتزم أعضاء الخلية بتعيين ملك سوف يحكم الأمّة ويُرغمها على التقيّد بأكثر القواعد الدينية صرامة. تتضمن الوثائق تعليمات مفصّلة حول كيفية إحراق المساجد والكنائس، وكيفية الانتقال من إلحاق الأضرار بالممتلكات العربية وحرقها إلى حرق المنازل أثناء وجود سكّانها بداخلها. وقد تمكّن جهاز الشاباك من فضح المجموعة في الوقت الذي بدأت تنتقل فيه من إلحاق الأضرار بالممتلكات إلى التسبّب بأذى جسدي بهدف زرع أكبر قدر ممكن من الفوضى على الأرض وتطبيق مخطّطها.

يعتقد جهاز الأمن العام أن عدد المتشدّدين الضالعين في أعمال إرهابية يتراوح من 30 إلى 40 شخصاً. ثم هناك، في الدرجة الثانية، نحو مئة شاب يدعمون العقيدة الأيديولوجية لهذه المجموعة ويشكّلون جزءاً من الخلايا الإرهابية المنتشرة في البؤر الاستيطانية وتلال يهودا والسامرة. وتحيط بهؤلاء طبقة أخرى من مئات لا بل آلاف الأشخاص الذي يدعمون الفكرة العامة لاستبدال دولة إسرائيل بمملكة يهودا. هؤلاء الأعضاء هم بمثابة شبكة لوجستية تؤمّن الدعم لأعضاء الخلايا الناشطة.

نتيجة التحقيقات المكثّفة التي أجراها جهاز الشاباك خلال العامَين الماضيين، تم الكشف عن ملابسات بعض أعمال العنف وإلحاق الأضرار بالممتلكات، بما في ذلك إلقاء قنابل حارقة على مساجد وكنائس، وجرى اعتقال 23 مشتبهاً به. يُعتقَد أنه لم يتم بعد القبض على جميع أعضاء المجموعة وتفكيكها، ولا يزال عدد من العملاء حرّاً طليقاً، وهم مستعدّون للتضحية بحياتهم من أجل القضية. بعد جريمة دوما، يركّز جهاز الشاباك على منع وقوع مزيد من الحوادث المماثلة.

تعتقد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن حادثة دوما هي من الأسباب الرئيسة خلف اندلاع موجة الإرهاب الفلسطينية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أي بعد شهرَين من الواقعة. لقد أثارت النظرة التي تعتبر أن إسرائيل تسارع إلى التصدّي لأعمال الإرهاب العربية لكنها عاجزة عن إخضاع الإرهاب اليهودي، قدراً كبيراً من التململ في أوساط الفلسطينيين، وانتقادات داخل إسرائيل. وقد أزاح جهاز الشاباك هذا العبء عن كاهله من خلال استخدام كل الوسائل المتاحة له. وعبر القيام بذلك، قطعت إسرائيل شوطاً حاسماً في فهم التهديدات الوجودية التي تتربّص بها - ليس من المنطقة المحيطة بها وحسب، إنما أيضاً من الداخل.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : zionism, torture, shin bet, jewish terrorism, israeli settlements, israeli security, hilltop youth, dawabsha
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept