نبض فلسطين

من سرق فرحة عيد الميلاد في بلد المسيح؟

p
بقلم
بإختصار
في فلسطين ستقتصر الإحتفالات بعيد الميلاد المجيد لهذا العام على الشعائر الدينيّة فقط، بعد قرار رسميّ بخفض مستويات الفرحة والبهجة، بسبب الأوضاع الحاليّة في ظلّ الإنتفاضة، وهو ما اعتبره البعض سرقة لفرحة بلاد المسيح بعيده.

الضفّة الغربيّة، رام الله - على صفحتها على "فيسبوك"، كتبت النّاشطة حكمت بسيسو في 28 من نوفمبر الفائت: "إذا لم تحتفل بلاد مهد السيّد المسيح بعيد الميلاد!!! من في العالم يحتفل؟…"

ما كتبته حكمت بسيسو كان احتجاجاً على إعلان مجلس كنائس مدينة رام الله وبلديّتها في 23 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت إلغاء إضاءة شجرة عيد الميلاد في المدينة وإقتصار احتفال عيد الميلاد على الشعائر الدينيّة، بسبب الأوضاع الحاليّة في فلسطين، ومدينة رام الله تحديداً، ومراعاه للظرف السياسي سقوط الشهداء والجرحى.

وفي هذا السياق، قالت بسيسو(48 عاماً)، وهي مسلمة من قطاع غزّة وتسكن في مدينة رام الله، لـ"المونيتور": إنّ أهمّ المناسبات الّتي تحرص على حضورها هي وطفلها يزن، (عشر سنوات) هي حفل إضاءة شجرة الميلاد في 19 ديسمبر من كل عام ( وذلك منذ إعتماد إضاءة شجرة عيد الميلاد في قلب مدينة رام الله طقسا إحتفاليا سنويا قبل ثلاث سنوات).

وأشارت إلى أنّها أعترضت على خطوة البلديّة ومجلس الكنائس، وطالبت بالإبقاء على كلّ مظاهر البهجة والإحتفال بالعيد، وهو ما يزيد من تمسّك المسيحيّين في هذه الأرض الّتي لا يكتمل مشهدها من دونهم.

وعدد المسيحيون في محافظة رام الله "المدينة والقرى المحيطة" بحسب إحصائية الجهاز المركزي للأحصاء الفلسطيني خلال التعداد العام للسكان في فلسطين والذي جرى في العام 2007، 10800 مسيحي من أصل 275 ألف من رام الله. ، وينتمي هؤلاء المسيحيون لسته كنائس لها تمثيل في المجلس الكنسي في رام الله (لاتين، وأقباط، وكاثوليك، وأنجيلية الأسقفية، واللوثرية، والروم). 

وقالت: "كان يمكن استغلال هذه المناسبة لإيصال صوت الإنتفاضة ومعاناتنا، المستمرة منذ الأول من أكتوبر الفائت، يمكن إضاءة شجرة الميلاد بأسماء الشهداء جميعاً". ووصل عدد الشهداء حتى الثامن من ديسمبر 117 شهيدا.

ورأت أنّ حال الإنتفاضة والتي أنطلقت في الأول من أكتوبر الفائت، ليست طارئة، ويمكن أن تستمرّ أكثر، ومن غير المقبول إلغاء مظاهر الفرح بالأعياد، والّتي تعتبر المناسبات الوحيدة الّتي يتمّ الإحتفال بها في شكل جماعيّ. بسيسو تتحدث عن طقوس العيد التي تمثل التعايش المسيحي المسلم في المدينة وفي فلسطين عموما، حيث يشارك المسيحي بعيد المسلم والعكس، وأن بدت الأجواء أعياد الميلاد الأبهج بسبب الأحتفالات الجماعية التي تصاحبها.

وقالت: "نحن بلد المسيح، وأحقّ من كلّ العالم بالإحتفال به، مع مراعاة الحال الفلسطينيّة ومزج الإحتفالات الدينيّة بالصبغة الوطنيّة الفلسطينيّة، بحيث لا يتمّ حرماننا من هذا المظهر للعيد. ومن جهة أخرى، يتمّ إرسال رسالة وطنيّة قويّة لكلّ العالم بإننا شعب تحت إحتلال يقتل أبنائنا ومع ذلك لازلنا قادرون على الحياه".

وتشير بسيسو إلى أنها على عكس السنوات السابقة ستمكث في منزلها هذا العام والأكتفاء بمتابعة أحتفالات العالم عبر التلفاز بالعيد.

ولتتجاوز الكتابة على "فيسبوك"، قامت بسيسو، وحوالى 120 من أصدقائها وأصدقائهم ، بتوقيع عريضة احتجاج قدّمت إلى المجلس الكنسيّ في رام الله للعدول عن موقفه سلمت بعد أسبوع من القرار (30 نوفمبر) الفائت.

وهذا الإعتراض يبدو أنّه لم يلق صدى لدى متّخذي القرار، وتحديداً في مدينة رام الله، الّذين أكّدوا قرارهم من خلال بيان رسميّ صدر عن بلديّة رام الله في الثاني من كانون الأوّل/ديسمبر الحاليّ، جاء فيه: "قرّر مجلس الكنائس وبلديّة رام الله تكريس فعاليّات احتفالات أعياد الميلاد بمظاهرها الدينيّة والشعبيّة والوطنيّة، باعتبارها تجسيداً لوحدة الشعب بكلّ مكوّناته، وإلغاء مظاهر الزينة احتراماً لتضحيات الشهداء، لن تضاء شجرة عيد الميلاد... ولن تقوم البلدية بتزيين المدينة الّتي تشهد يوميّاً فعاليّات تضامنيّة في تشييع الشهداء والمطالبة بتسليم جثامين الشهداء."

وإنّ قرار بلديّة رام الله في 23 من نوفمبر الفائت، تبعه تصريح صحافيّ لمستشار رئيس السلطة الفلسطينية للعلاقات المسيحيّة المحليّة والدوليّة زياد البندك، الّذي أكّد أنّ اقتصار الفعاليّات على الشعائر الدينيّة فقط هذا العام سيكون في كلّ فلسطين، ومن بينها بيت لحم.

إنّ اعتراض بسيسو وأصدقائها لم يكن الوحيد، بل تعالت أصوات دينيّة مسيحيّة بالتحفّظ على ما وصف بـ"قتل فرحة عيد الميلاد"، ورئيس أساقفة سبسطيّة للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنّا كان أحدهم، إذ قال لـ"المونيتور": إنّ تحفّظه على هذا القرار منطلقاً من رفضه اختزال العيد في شعائر وطقوس، لأنّ عيد الميلاد مناسبة يعبّر خلالها الفلسطينيّون جميعاً عن تشبّثهم بالحياة وتمسّكهم بأرض المسيح، رغم كلّ الإجراءات الإحتلاليّة.

وهذه الإجراءات تمثلت في نصب حواجز على مدينة بيت لحم وباقي المدن الفلسطينية وقتل الشبان والأطفال والأعتقالات على هذه الحواجز.

أضاف: "علينا التمسّك بكافّة مظاهر الفرح، وألاّ نتأثّر بالإجراءات الإسرائيليّة، الّتي تقتل الشباب الفلسطينيّ وتعتدي على المقدّسات. يجب أن نعلن لكلّ العالم أنّنا شعب يعشق الحياة، ولن يتنازل عن حقّه بالعيش بحريّة وكرامة في وطنه".

وأشار عطا الله حنّا إلى أنّه وجّه رسالة إلى متّخذي القرار في 26 من نوفمبر الفائت عبر وسائل الإعلام بعنوان: "لا تقتلوا فرحة العيد في وطني"، دعا فيها إلى عدم حرمان "أولادنا من فرحة العيد فكفانا ما حلّ بنا من الإحتلال... لا تجعلوا من عيد الميلاد طقوساً دينيّة فحسب، بل اجعلوا منه عيد فرح وأمل ورجاء في نفوس أبناء شعبنا".

والتقى "المونيتور" زياد البندك، الّذي أشار إلى أنّ هناك "أسباباً موضوعيّة لهذا القرار"، وقال: "لا يمكن إلغاء الأعياد الدينيّة سواء المسيحيّة أو المسلمة، ولكنّنا حاولنا، ممثلي الكنائس في فلسطين، والبلديات، في ظلّ الأوضاع التي تمرّ بها بلادنا الموازنة بين هذه الظروف وبين الإحتفالات".

أضاف: "تماشياً مع الأوضاع على الأرض، قرّرنا اختصار بعض الإحتفالات، وليس إلغاؤها جميعها"، وقال: "سنحتفل بعيدنا، ولكن من خلال إرسال رسالة حياة وسلام ومحبّة للعالم من بلد المسيح ليسمعوا صوت أبناء شعبنا الّذي يتعرّض للإجراءات الإسرائيليّة كلّ يوم".

وتابع: إنّ الإحتفالات ستبقى على إضاءة الشجرة في ساحة كنيسة المهد كتقليد من آلاف السنين، وإيذاناً ببدء الأعياد وموسمها، ولكن تزيينها سيقتصر على ألوان العلم الفلسطينيّ، ومن دون إطلاق الألعاب الناريّة، والّتي كانت ترافق هذه الفعاليّة في السنوات السابقة، وبدلاً منها ستقرع أجراس الكنائس.

وفي ما يتعلّق بالكشافة الّتي ترافق دخول بطريرك القدس والأردن وسائر الديار المقدسة فؤاد طوال إلى كنيسة المهد لأداء قداس منتصف اللّيل، قال البندك: "ستعزف الكشافة التراتيل الدينيّة والأغاني الوطنيّة فقط، بدلا من تنظيم الأحتفالات التي تشارك فيها الفرق الموسيقية والفنية، ولن يتمّ تزيين كافّة الشوارع، وإنّما الرئيسيّة منها"..

أضاف: "لا يجوز أن نحتفل، وهناك شبّان وأطفال شهداء في الجوار، في مدينة بيت لحم تحديداً، سقطوا برصاص الإحتلال، خصوصاً أنّ أهالي الشهداء سيشاركون في إناره الشجرة."

وتابع: "نحن بذلك نرسل رسالة للعالم، أنّنا نخفّض مستوى الفرحة بالأعياد بسبب إجراءات الإحتلال الّتي لم تتوقّف بحقّنا".

وعن الإحتجاج على عدم إنارة الشجرة في رام الله، قال البندك: "هذه الإجراءات خاصّة ببلديّة مدينة رام الله ومجلس الكنائس فيها، فهما الأعرف بظروف المدينة والقرارات المناسبة لها".

ورغم الأسباب الموضوعيّة الّتي ساقها أصحاب القرار، فإنّ هذه الإحتفالات "المختصرة" ستترك فراغاً كبيراً من الفرح والبهجة الّلذين ينتظرهما الفلسطينيّون المسيحيّون والمسلمون على حدّ سواء، في كانون الأوّل/ديسمبر من كلّ عام، وهم أحوج ما يكون لهما في ظلّ الظروف الحاليّة الّتي تمرّ فيها بلادهم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : ramallah, israeli-palestinian conflict, intifada, christians, bethlehem
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept