نبض فلسطين

الأمن يتقدّم على السياسة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل

p
بقلم
بإختصار
في الوقت الّذي يتواصل فيه الجمود السياسيّ بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل بفعل استمرار الإنتفاضة، يتواصل التّنسيق الأمنيّ بين الجانبين، على عكس ما كان متوقّعاً، من أن ينعكس توقّف المفاوضات السياسيّة على توقّف التّنسيق الأمنيّ، ممّا يطرح تساؤلات عدّة حول تفضيل إسرائيل للدور الأمنيّ الّذي تقوم به السلطة الفلسطينيّة، وحصر مهامها في توفير الحماية والأمن للمستوطنين والجنود الإسرائيليّين.

مع تواصل الهجمات الفلسطينيّة ضدّ الإسرائيليّين منذ أوائل تشرين الأوّل/أكتوبر، تأخذ الفجوة بالاتّساع بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، بما فيها توجيه اتّهامات إسرائيليّة إلى السلطة ورئيسها محمود عبّاس بالتّحريض على تنفيذ تلك الهجمات، على لسان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو في 15 كانون الأوّل/ديسمبر، وقبله السفير الإسرائيليّ في الأمم المتّحدة داني دانون في 23 تشرين الأوّل/أكتوبر.

لقاءات يوميّة

الملفت أنّه في ظلّ هذه القطيعة السياسيّة شبه الكاملة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، فإنّ التّنسيق الأمنيّ بينهما ما زال قائماً، ولم يتأثّر بحال الجمود السياسيّ. وعلى العكس من ذلك، فإنّ وتيرة التّنسيق الأمنيّ بما تشمله من تبادل المعلومات الأمنيّة تأخذ بالتزايد، وهو ما أكده ديفيد مناحيم رئيس الإدارة المدنية الإسرائيلية التابعة للجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية يوم 14 أكتوبر في بيان صحفي بأن التنسيق الامني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية مستمر، ولم يطرأ عليه أي تغير، رغم تدهور الأوضاع الأمنية في الأراضي الفلسطينية، ولم يتأثر بالأحداث الحالية، وهو ما يجعل الوضع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما لو كان متناقضاً: علاقات سياسيّة في حدّها الأدنى بين رام الله وتلّ أبيب. وفي الوقت ذاته، تنسيق أمنيّ في حدّه الأقصى بينهما.

ورغم أنّ اللّجنة التنفيذيّة لمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة، طالبت في بيان صحيفي يوم 4 تشرين الثاني/نوفمبر، بتحديد العلاقات الأمنيّة والسياسيّة والإقتصاديّة مع إسرائيل، لكن رئيس الهيئة السياسيّة الأمنيّة في وزارة الدفاع الإسرائيليّة عاموس غلعاد أكّد في 27 تشرين الثاني/نوفمبر أنّ الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة تعمل بتنسيق تام مع أجهزة الأمن الإسرائيليّة لمنع تدهور الوضع الأمنيّ في الضفّة الغربيّة، وهو ما أشار إليه مراسل الشؤون الفلسطينيّة في موقع walla الإخباريّ الإسرائيليّ آفي يسسخاروف بـ6 كانون الأوّل/ديسمبر في مقال تحليلي أنّ الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة تبدي التزاماً كبيرًا بالتّنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، وهناك محادثات ولقاءات يوميّة بين ضبّاط الارتباط الفلسطينيّين والإسرائيليّين.

لقد تمثّلت مظاهر التّنسيق الأمنيّ بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل باعتقال مجموعات فلسطينيّة مسلّحة تنوي تنفيذ عمليّات عسكريّة ضدّ الإسرائيليّين، وآخرها إحباط الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة في 1 كانون الأوّل/ ديسمبر محاولة خليّة مسلّحة من حركة الجهاد الإسلاميّ في مدينة طوباس بالضفّة الغربيّة، تنفيذ عمليّة تفجيريّة تستهدف جنوداً إسرائيليّين في الضفّة الغربيّة، بتعبئة منطاد بالموادّ المتفجّرة لتفجيره فوق هدف عسكريّ. ترجمة دقيقة

وفي هذا السّياق، قال الأكاديميّ الفلسطينيّ ورئيس تحرير مجلّة "كنعان" الصادرة في رام الله عادل سمارة، لـ"المونيتور": "إنّ السلطة الفلسطينيّة لها مهمّة أمنيّة واضحة ومحدّدة، وتتمثّل باستمرار التّنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، لأنّ إتّفاق أوسلو بحدّ ذاته يطغى عليه البعد الأمنيّ أكثر من السياسيّ، لأنه منح إسرائيل كامل الصلاحيات الأمنية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، ولم يمنح السلطة الفلسطيني في المقابل إنجازات سياسية، وقد تسعى إسرائيل في الأيّام القادمة، إن تأزّمت الأمور مع الفلسطينيّين واتّسعت رقعة الإنتفاضة، إلى أن تتواصل مباشرة مع بعض الضبّاط الأمنيّين الفلسطينيّين لحفظ الأمن في الضفّة الغربيّة، لأن الاتصال يتم اليوم عبر القنوات السياسية ممثلة بالحكومة الفلسطينية ومكتب الرئيس عباس. وفي الوقت ذاته، قد تتعمّد إسرائيل تجريد السلطة الفلسطينيّة من مهامها السياسيّة المحدودة، من خلال تفعيل دور الإدارة المدنية الإسرائيلية، وجعل الفلسطينيين يتواصلون مباشرة معها، وإظهار السلطة الفلسطينية كياناً سياسياً ليس له قيمة، لأنّ الأمن هو جوهر الإتّفاقات السياسيّة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، خاصة اتفاق أوسلو".

وفي ظلّ الوضع السياسيّ المعقّد بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، يمكن تقديم سيناريوهات استشرافيّة لمستقبل التّنسيق الأمنيّ بينهما، وأولى هذه السيناريوهات استمرار هذا التّنسيق الأمنيّ، وهو الأكثر توقّعاً، في ظلّ نجاح السلطة الفلسطينيّة في تجاوز الرفض الشعبيّ للتّنسيق الأمنيّ، وخشية الفلسطينيين من تنفيذ تهديدات إسرائيل بوقف تحويل الأموال للسلطة الفلسطينية الخاصة برواتب الموظفين الشهرية، إن لم يستمر التنسيق الأمني.

ولكن في حالة عدم تمكن السلطة الفلسطينية من ذلك، يمكن الحديث حينها عن السيناريو الثاني المتمثل في وقف هذا التّنسيق في حال حصول تطور دراماتيكيّ من الناحية الميدانيّة، كأن تحصل مجزرة ضدّ الفلسطينيّين ينفّذها المستوطنون الإسرائيليّون، ممّا يجعل استمرار التّنسيق الأمنيّ أقرب إلى الخيانة الوطنيّة، وتضطرّ السلطة الفلسطينيّة إلى وقفه، ولو موقّتاً، خشية ردود الفعل الفلسطينيّة الغاضبة. وبين السيناريوهين الأوّل والثاني حول استمرار التّنسيق الأمنيّ أو وقفه، هناك سيناريو ثالث يتمثّل بخفض السلطة الفلسطينية لمستوى التنسيق الأمني تدريجيّاً مع إسرائيل، من دون وقفه نهائيّاً، لتجنّب اتّخاذ إسرائيل ردود فعل قويّة تجاهها.

ورأى الأمين العام للمبادرة الوطنيّة الفلسطينيّة مصطفى البرغوثي في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر، أنّ التّنسيق الأمنيّ بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل قائم على أساس خاطئ، لأنّ الشعب الفلسطينيّ يرزح تحت الإحتلال، والغريب أنّه مطالب بتوفير مقومّات الأمن للمحتلّ الإسرائيليّ، مشيراً إلى ضغوط خارجيّة هائلة على السلطة الفلسطينيّة للإبقاء على التّنسيق الأمنيّ مع إسرائيل.

سيناريوهات متوقّعة

فيما نشر مركــز استطلاعات الرأي والدراسات المسحيّة في جامعـة "النجـاح الوطنيّـة" بنابلس، في 24 تشرين الثاني/نوفمبر، نتائج استطلاع أجراه بين الفلسطينيّين أظهر أنّ 69.8 في المئة منهم يطالبون بوقف التّنسيق الأمنيّ بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل.

وأكّد وزير التخطيط والعمل الفلسطينيّ السّابق وأستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت غسّان الخطيب لـ"المونيتور" أنّ "الحديث عن مستقبل التّنسيق الأمنيّ في ذروة المواجهات الدائرة بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، يجب أن يأخذ في الاعتبار ما أقرته الاتفاقيات السياسية المشتركة بينما، خاصة اتفاق أوسلو، حول التّقاسم الوظيفيّ الحاصلة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، فالأولى مكلّفة بإدارة حياة ومعيشة الفلسطينيّين من الناحية الخدماتيّة، والثانية مسؤولة من النواحي الأمنيّة والعسكريّة على الأراضي الفلسطينيّة وفي داخلها، وقد لا يكون من الحكمة والذكاء الإعلان الفلسطينيّ عن وقف التّنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، لأنّ وقفه سيضرّ بمصالح الفلسطينيّين في الضفّة الغربية، لكن الرئيس أبو مازن إن أراد وقفه فهو يستطيع ذلك، لكن لا أظنه يريد ذلك الآن".

إنّ الأسابيع العشرة الماضية، وتحديداً منذ بداية اندلاع الإنتفاضة في أوائل تشرين الأوّل/أكتوبر، شهدت زيادة بسط السيطرة الإسرائيليّة على أنحاء مختلفة من الضفّة الغربيّة، خصوصاً تواصل عمليّات الاعتقالات الجماعيّة والإقتحامات المتواصلة ليل نهار لمختلف مدن الضفّة وبلداتها ومخيّماتها، ووصل عدد المعتقلين الفلسطينيين منذ اندلاع الانتفاضة الحالية يوم الأول من أكتوبر لما يقرب من 2100 معتقلاً، وهو ما قابله تراجع للدور السياسيّ للسلطة الفلسطينيّة داخل الضفّة، بحيث لا تزيد صلاحيّاتها عن بلديّة موسّعة، وحصر مهامها في التنسيق الأمنيّ مع إسرائيل.

وأشار رئيس لجنة الأمن والداخليّة في المجلس التشريعيّ وأحد قادة "حماس" بغزّة إسماعيل الأشقر لـ"المونيتور" إلى أنّ "السلطة الفلسطينيّة تعمل وكيلاً أمنيّاً لإسرائيل، وهو دور قامت به منذ تأسيسها عام 1993، وتعلم أنّ أحد أسرار بقائها وتمويلها من المجتمع الدوليّ هو التزامها بالتنسيق الأمنيّ مع إسرائيل، ولكن إن تواصل تباين المواقف السياسيّة بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل، فقد تلجأ الأخيرة إلى إقامة علاقات أمنيّة مباشرة مع رؤساء الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة لتنفيذ المهام الأمنيّة المطلوبة منها، بغض النظر عن بقاء السلطة الفلسطينيّة أو انهيارها".

وأخيراً، قد لا يكون ردّ فعل إسرائيل على أيّ قرار فلسطينيّ بوقف التّنسيق الأمنيّ متوقعاً، أو مجرد التفكير بوقفه، والسلطة الفلسطينيّة تعلم ذلك جيّداً، رغم تزايد الدعوات الفلسطينيّة لوقفه، لأنّ الخطوة الإسرائيليّة الأوليّة المتوقّعة على وقف التّنسيق الأمنيّ قد تتمثّل بعدم قدرة الرئيس الفلسطينيّ وأركان السلطة الفلسطينيّة على الانتقال من مدينة إلى أخرى داخل الضفّة الغربيّة، أو الخروج بسيّاراتهم نحو الحواجز الإسرائيليّة من دون تنسيق مع الجيش الإسرائيليّ، حيث يواجه المسئولون الفلسطينيون هذه الحواجز حين يغادرون من الضفة الغربية إلى قطاع غزة أو الأردن أو داخل إسرائيل، وهو ما يضطرهم بالضرورة للتنسيق الأمني مع الجيش الإسرائيلي قبل التحرك من الضفة الغربية، فهل تقوى السلطة الفلسطينية على هذه العقوبات؟ أشك في ذلك.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : security cooperation, palestine liberation organization, palestine-israel relations, palestinan authority, mahmoud abbas, israeli security, intifada

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept