"الفلسطينيون الجدد"

بحسب الخبراء الإسرائيليين، المعتدون الـ"نيو-فلسطينيون" هم خرّيجون جامعيون عاطلون عن العمل في العشرينات من العمر لا أمل لديهم في بناء حياة كريمة.

al-monitor .

المواضيع

west bank, palestinian youth, israeli occupation, israeli-palestinian conflict, intifada

ديس 16, 2015

"الفلسطينيون الجدد" أو الـ"نيو-فلسطينيون" هو التسمية التي تطلقها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على جيل الفلسطينيين الشباب الذين يقودون موجة الإرهاب الحالية التي لا تزال إسرائيل تجد صعوبة في تعريفها وتوصيفها وضبطها بعد نحو شهرَين ونصف الشهر على انطلاقتها. يشبّه المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون المعركة ضد هذا النوع من العنف بمقارعة طواحين الهواء. لا بنى تحتية، ولا تخطيط، ولا هرمية، ولا قادة، ولا منظمات، ولا استخبارات.

قال مصدر رفيع في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية طلب عدم الكشف عن هويته: "هذا أمر مختلف تماماً، أمر لم نتعرّف عليه بعد بالكامل. إنها ظاهرة اجتماعية، لا بل ربما ذهنية. إنها نتيجة ظروف وآليات عميقة تجلّت إلى العلن. في هذه المرحلة، ليست لدينا أدنى فكرة ما هو الاتّجاه الذي ستسلكه وكم ستدوم".

وصفت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية "الفلسطينيين الجدد"، كما تسمّيهم، بأنهم شباب عمرهم عشرون عاماً ونيف. إلا أن هناك أيضاً بين المعتدين من هم أصغر سنّاً بكثير - مثلاً، صبي في الثالثة عشرة من العمر، وفتيات في الخامسة عشرة، وحتى صبي في الحادية عشرة من العمر. يرتدي الفلسطيني الجديد سروال جينز على الموضة، وقميص تريكو مع نقوش، ويحمل هاتفاً ذكياً في الجيب الخلفي، ويضع سمّاعة أذن موصولة بالهاتف بواسطة الـ"بلوتوث". يلفّ كفّية فلسطينية حول عنقه، ويحمل صخرة كبيرة في يده. الفلسطيني الجديد يغضب ويثور، ويتحدّى السلطات، ولا يدين بشيء لأحد، ولا يخضع لأيّ نوع من الهرمية العليا. لا يصغي إلى والدَيه أو معلّميه أو الشرطة أو المختار أو أفراد الأسرة أو العشيرة. يتمسّك بالخطاب العالمي عن "حقوق الاستقلال".

كان عمر الفلسطيني الجديد نحو ثلاثة إلى خمسة أعوام خلال الانتفاضة الثانية (2000-2005)، ولا يتذكّر فعلاً الفظائع التي حصلت في تلك السنوات. في مطلع القرن الحادي والعشرين، لقي أكثر من ألف إسرائيلي وما يزيد عن ثلاثة آلاف فلسطيني مصرعهم. يرتاد الفلسطيني الجديد الجامعة، لكن تحصيله العلمي لا يحقّق له شيئاً على الإطلاق. تشير التقديرات إلى أن ثلاثين ألف شاب فلسطيني على الأقل في الضفة الغربية، ونحو عشرين ألفاً في غزة، يتخرّجون مع إجازات سنوياً. يخرجون من الجامعات إلى أرض خراب. لا يمكنهم فعل شيء بشهاداتهم. فلا مناصب لائقة تنتظرهم، ولا وظائف في قطاع التكنولوجيا العالية، وليست هناك بنى تحتية اقتصادية بكل ما للكلمة من معنى. في أفضل الأحوال، يستطيع الخرّيج أو الأكاديمي الفلسطيني الشاب أن يطمح إلى الحصول على ترخيص للعمل في إسرائيل وغسل الأطباق في مطعم في تل أبيب.

ليس لدى الفلسطيني الجديد أمل حقيقي في بناء حياة عصرية، وإنجاز الأشياء التي يرى الآخرين يقومون بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. الفلسطيني الجديد مقتنع بأنه على صواب، وهو يتعامى عن مواقف الآخرين، ويتبع موقف المجتمع الدولي من النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي ويستمدّ منه الزخم. إنه أسير الرواية عن الاحتلال الإسرائيلي، ومستعد تماماً لتصديق نظريات المؤامرة عن إسرائيل التي تنتشر مثل النار في الهشيم في الشارع العربي. يعتمل في داخله غضب شديد فيما يبحث عن مخرج.

هناك نحو 800000 فلسطيني تتراوح أعمارهم من 15 إلى 29 عاماً في يهودا والسامرة. إنهم محرّك الموجة الإرهابية الحالية. يخرجون للتظاهر في شكل شبه يومي، بتحدٍّ وعناد. نسبة كبيرة من هؤلاء المتظاهرين الشباب هي من الفتيات. إذا نزعنا الحجارة أو قنابل المولوتوف من أيديهن، فسوف تبدو هؤلاء الشابات مثل أترابهن في المناطق الأكثر هدوءاً في العالم. هؤلاء الشباب مواكبون للعصر، وغاضبون ومحبطون ويريدون التغيير.

وفقاً لخبراء أمنيين إسرائيليين، تدفع إسرائيل الآن "الثمن" عن أمور لا ذنب لها فيها، مثل القيود التي يفرضها المجتمع العربي على النساء وحرمانهن من المساواة في الحقوق. فضلاً عن ذلك، لطالما عانت اقتصادات الدول العربية من الضعف، والاقتصاد الفلسطيني تحديداً لا يستطيع أن يقدّم للشباب أي أمل حقيقي بحدوث تحسين في مستوى معيشتهم وأمنهم الاقتصادي وفي التوظيف.

لا يدرك الفلسطيني الجديد أن وضعه أفضل نسبياً من الوضع الحالي للعرب الآخرين في الشرق الأوسط. المنطقة العربية الوحيدة حيث التيار الكهربائي مؤمَّن 24 ساعة على 24 على مدار الأسبوع هي يهودا والسامرة. وينطبق الشيء نفسه على وفيات الأطفال، ومعايير الرعاية الطبية، والعديد من الوقائع الإحصائية الأخرى. يشعر الفلسطيني الجديد بأنه خاضع للاحتلال، ويريد الحرّية قبل أي شيء آخر.

"نهاية حقبة عباس" هي أيضاً من العوامل التي تساهم في محنة الفلسطينيين الجدد. قبل أشهر عدّة، أعلن محمود عباس، رئيس "منظمة التحرير الفلسطينية" والسلطة الفلسطينية، أنه يفكّر في الاستقالة، ما أطلق معركة شرسة لخلافته ودفع بالجميع نحو التشدّد.

تستمر الحساسيات حول قضية جبل الهيكل (الحرم الشريف). يشعر الفلسطينيون بأن السلطة الفلسطينية عاجزة عن الوفاء بتعهّداتها، ما يتسبّب بزيادة النفور الشعبي من السلطة. ويحتدم الاحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين في مختلف أنحاء يهودا والسامرة، بحسب ما ورد عبر موقع "المونيتور".

تسبّبت العوامل أعلاه، فضلاً عن صعود الفلسطينيين الجدد، بتفاقم الأوضاع، ما أدّى بدوره إلى الأحداث التي شهدناها خلال الأسابيع العشرة الماضية. تضاف إلى هذا كله ظاهرة "الدولة الإسلامية" التي تؤثّر في قلوب العرب وعقولهم في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. يحوّل تنظيم "الدولة الإسلامية" العنف، بما في ذلك قطع الرؤوس، إلى سلوكٍ مشروع ورومانتيكي. كما أن الاعتراف الدولي بحقوق الفلسطينيين يؤجّج الغضب والإحباط. لكن هذا ليس كل شيء.

يضع مقال نشرته صحيفة "هآرتس" في 16 كانون الأول/ديسمبر الجاري، توصيفاً إحصائياً للمعتدين الفلسطينيين، وقد تسبّب بزيادة التشوّش لدى من يحاولون تحليل الظاهرة. يبدو أن شريحة من هؤلاء الفلسطينيين لم تتعرض قط "للتحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي"، أو تربطها أية صلة بهذا الأمر. في معظم الحالات، قرار ارتكاب هجوم، أي الإمساك بسكّين أو فأس والتهجّم على اليهود، فجائي وتلقائي، نوبة غضب يمكن أن يتسبّب بها عدد من العوامل: هجوم إرهابي سابق "يُلهم" المعتدي؛ إصابة تعرّض لها نسيب أو جار أو صديق على أيادٍ إسرائيلية؛ شائعة خبيثة تصل إلى مسامع الشخص الذي يتحوّل إلى مشروع إرهابي.

باختصار، قد لا يخطّط الشاب الفلسطيني لتنفيذ هجوم، لكن عوامل عدّة تتخمّر في عقله وقلبه فيتفجّر غضبه. قال مصدر أمني إسرائيلي طلب عدم الكشف عن هويته: "في مثل هذه الظروف، يتعذّر التصدّي للهجوم أو إحباطه أو تجنّبه أو وقفه. كل مواردنا الاستخباراتية والخاصة تصبح غير نافعة".

إذاً ما هو الحل؟ توجّه موقع "المونيتور" بهذا السؤال إلى مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى، فأجاب طالباً عدم الكشف عن هويته: "لا حل في الوقت الراهن. هناك 800000 شاب يسيرون في اتجاه معيّن، لكن ليست لدينا أدنى فكرة ما هو هذا الاتجاه. حتى هم لا يعرفون تماماً. نتحدّث عن أجواء معيّنة، مزاج معيّن، وما لم يتبدّل هذا المزاج، نحن في ورطة".

يتوقّع الجيش الإسرائيلي أن تستمر الموجة الإرهابية في المستقبل المنظور، أقلّه خلال العام المقبل. في الوقت الحالي، يركّزون أكثر على احتوائها والحؤول دون حدوث مزيد من التدهور في الأوضاع، بدلاً من السعي إلى وقف هذه الموجة. يقول ديبلوماسي إسرائيلي رفيع بثقة وأمل: "سوف تختفي فجأةً، تماماً كما ظهرت. لكننا لا نعلم متى سيحدث ذلك".

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض اسرائيل

al-monitor
كيف يمكن النهوض بالسلام عبر تغيير اسم الضفة الغربيّة
Yossi Beilin | القضية الفلسطينية | يون 17, 2018
al-monitor
القيادة السعودية تقدّم فرصة لإسرائيل
أوري سافير | القضية الفلسطينية | أبر 15, 2018
al-monitor
رسّامو الكاريكاتور الإسرائيليّون يصوّرون 70 عاماً من التاريخ
Debra Kamin | فنون و ترفيه | مار 27, 2018
al-monitor
القصّة وراء الضربة الإسرائيليّة السريّة على مفاعل سوريا النووي
بن كسبيت | الطاقة النووية | مار 21, 2018