ترشيح فرنجية، النعم التي لم تقال بعد

مبادرة الحريري لترشيح فرنجية تصطدم بإعتراضات الداخل وما تزال تنتظر موافقة حزب الله. التسوية لم تنضج بعد.

al-monitor .

المواضيع

suleiman franjieh, saad hariri, march 8, march 14, lebanese politics, lebanese forces, free patriotic movement, bashar al-assad

ديس 16, 2015

انقلبت الأمور رأساً على عقب في البلد الصغير. لم يكن ترشيح سليمان فرنجيّة، قطب 8 آذار والصديق الشخصيّ لبشّار الأسد، إلى منصب رئاسة الجمهوريّة أبداً في الحسبان. صحيح أنّ الأمر قد يبدو للوهلة الأولى أمراً طبيعيّاً، نظراً لما لفرنجيّة من حيثيّة وطنيّة، ولكن أن يأتي هذا الترشيح من قبل زعيم تيّار المستقبل، الرجل الأوّل في 14 آذار والمقرّب من المملكة العربيّة السعوديّة، هذا ما كان بمثابة الصاعقة لدى البعض، مثل قواعد 14 آذار، أو مصدر ريبة وحذر لدى البعض الآخر، لا سيّما في صفوف 8 آذار. وهذا ما ينذر بانهيار تحالفات وخلط أوراق وتحوّل عميق في المشهد السياسيّ في لبنان.

لا بدّ من الإشارة أوّلاً إلى أوجه الشبه بين سليمان فرنجيّة وسعد الحريري. الإثنان إبنا الجيل نفسه، كلاهما في منتصف العمر، والأهمّ ربّما أنّ كليهما خرج من المأساة نفسها. كلّ من الرجلين فقد والده على أثر جريمة اغتيال سياسيّ. طوني فرنجيّة لاقى حتفه إثر جريمة مروعة في مدينة إهدن الشماليّة في 13 حزيران/يونيو 1978، لم تندمل آثارها حتّى اليوم، لما خلّفته من انشقاق داخل البيت المسيحيّ. أمّا رفيق الحريري فقد أزيح من المشهد السياسيّ في 14 شباط/فبراير 2005 إثر انفجار ضخم ما زالت ارتدادته تعصف بلبنان والمنطقة، خصوصاً لما خلّفته من تشنّج بين السنّة والشيعة.

وإذا كان شيء من القدر يجمع بين سليمان فرنجيّة و سعد الحريري، فأمور كثيرة كانت تفرّق بينهما. وكيف لا، وفريقا 8 آذار المتمثّل بالأوّل و14 آذار المتثّل بالثاني على طرفي نقيض. توافقهما لا طالما كان في فترة السنتين الأخيرتين شبه مستحيل. وجلّ تعبير عن هذه الاستحالة، هو ما آلت إليه الأمور من فراغ رئاسيّ وتعطيل مؤسّسات الحكم في البلد الصغير. وربّ سائل: ما عدا ما بدى اليوم؟ كيف تمّت التسوية التي كانت تبدو مستحيلة؟ وما محتواها؟ وماذا عن النقاط الخلافيّة التي طالما فرّقت بين 8 و14 آذار، مثل الخلاف حول سلاح حزب الله وانخراطه في المعارك في سوريا، أو مثل غياب التوافق حول قانون الانتخاب، الذي أصبح المطلب المسيحيّ الأوّل لإعادة انتظام الحكم؟

الواقع أنّ الاعتراض على هذه المبادرة يأتي من هذا الباب تحديداً، أكان من الوسط المسيحيّ أم الإسلاميّ. يقول لـ"المونيتور" وزير العمل الحاليّ وممثّل حزب الكتائب والشريك المسيحيّ الأساسيّ للحريري في الحكومة الحاليّة سجعان قزّي: "لا يمكن الكلام عن تسوية. التسوية تكون بين الأفرقاء كافّة وحول نقاط معيّنة. جلّ ما حصل هو تفاهم بين رجلين بدعم من بعض الدول". ويضيف: "هناك غياب تنسيق في إطلاق المواقف، وكلّ فريق يشعر أنّ الفريق الآخر يضعه أمام الأمر الواقع".

منطق قريب من قزّي قاله النائب السابق مصباح الأحدب لـ"المونيتور"، وهو شخصيّة سنيّة شماليّة معروفة بمناوءتها لحليفي فرنجيّة، حزب الله ونظام الأسد: "المشكلة في هذه المبادرة هي الضبابيّة التي تحيط بها. لا يمكن أن يحمل المبادرة شخص واحد على أكتافه ولو بدعم دوليّ. عليه العودة إلى القاعدة ومراجعتها. لا نرفض فرنجيّة بالمطلق. ولكن لا نريد أن تصبح الساحة اللبنانيّة ساحة استقطاب لأعمال إرهابيّة ضدّ الأسد أو رموزه. لذلك المطلوب ضمانات من المرشّح وهذه الضمانات تقضي بابتعاده عن المحاور".

الواضح أنّ شركاء الحريري، مستاؤون من الطرح أوّلاً، ومن الأسلوب المتّبع في استبعادهم من المحادثات التي رافقت التسوية ثانياً. عبّرت القوّات اللبنانيّة، وهي القطب المسيحيّ الأوّل في 14 آذار، عن هذا الاستياء على لسان مسؤولها الإعلاميّ ملحم رياشي في حديث إذاعيّ، حيث قال: "نحن كـ"قوّات"، لم نتلقّ بعد خبراً يقول إنّ ما جرى "مبادرة"، ولن نعتبرها مبادرة إلّا عندما يعلن عنها رسميّاً سعد الحريري". وأضاف: ترشيح فرنجيّة كان مفاجأة للرأي العام، وكانت ردّات فعله طبيعيّة (تلك الرافضة)، لأنّها نقيض لـ14 آذار. اعتراض القوّات اللبنانيّة دفعها إلى التقارب أكثر من خصمها التاريخيّ تيّار العماد ميشال عون، حتّى تناقلت بعض الأوساط إمكان ترشيحها هذا الأخير، وهي التي طالما عارضت وصوله إلى سدّة الرئاسة.

أمّا في مقلب 8 آذار، فالأنظار شاخصة إلى حزب الله. الحزب الموالي لإيران، تلقّى المبادرة بشيء من الحذر وبكثير من الصمت. فرنجيّة هو الحليف، ولكنّ حذره جاء على خلفيّة توقيت المبادرة والأطراف الداعمة لها. فالملفت في هذه المبادرة هو شبكة الدعم الدوليّة التي أحاطت بها، حيث ما برحت أن سرّبت إلى الإعلام، حتّى توالت المواقف الداعمة لها، خصوصاً من السعوديّة وفرنسا. فالسفير السعوديّ في لبنان قال إثر لقائه رئيس حزب الكتائب سامي الجميل: السعوديّة تبارك المبادرة". وأضاف: "ما دام المرشّح لبنانيّاً واختاره اللبنانيّون، فإنّه سيحصل على مباركة السعوديّة بغضّ النظر عن انتمائه". الرئيس الفرنسيّ فرنسوا هولّاند نفسه وفي بادرة فريدة، اتّصل بفرنجيّة هاتفيّاً، وذلك في اليوم الذي تلى اجتماعه بالحريري في 3 كانون الأوّل/ديسمبر 2015، وقال عقب الاجتماع: نعمل على إنهاء الفراغ الرئاسيّ. قد تكون نقطة قوّة طرح الحريري هي نقطة ضعف المعترضين عليه وتحديداً في الصفّ المسيحيّ، وهو عدم طرحهم تسوية بديلة عبر توافقهم إمّا على مرشّح أو على آليّة لوضع حدّ للفراغ الرئاسيّ. "التعطيل ليس بديلاً"، يقول مرجع في الكنيسة المارونيّة في مجلس خاصّ.

مبادرة الحريري لم تنته. جنبلاط، وهو أوّل من ساهم في تسويقها، قال إنّها تأجّلت. ولكنّها من دون شكّ فقدت من زخمها. ليس أقّله لما يعترضها من عقبات ليس أقلّها الاستقطاب المسيحيّ ضدّها، ولما تمثّله من مخاطر من عودة التطرّف السنّيّ إلى الواجهة، تحت عنوان مناهضة رموز الأسد وضعف سنّة الاعتدال في مواجهة الأسد ورموزه. ولكنّ الأهمّ، أنّها لم تحظ بعد بموافقة إيرانيّة. أقلّه ليس بعد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض لبنان

al-monitor
لبنان يطلب المساعدة التقنية من صندوق النقد الدولي في الأزمة الاقتصادية
Sarah Abdallah | المصرفية والتمويل | فبر 13, 2020
al-monitor
لبنانيّون يروون قصصهم: "لهذه الأسباب أصبحت خيم الثورة بيوتنا ولا نفارقها"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 30, 2020
al-monitor
كيف يقرأ القضاء اللبناني كارلوس غصن؟
Sarah Abdallah | المحاكم والقانون | ينا 12, 2020
al-monitor
إيقاف حسابات صحافيّين وناشطين مؤيّدين للثورة اللبنانيّة على "تويتر"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 5, 2020