نبض لبنان

رئيس للجمهوريّة اللبنانيّة في 16 كانون الأوّل/ديسمبر؟

p
بقلم
بإختصار
أثار تبنّي فريق 14 آذار المعارض لبشّار الأسد ترشيح سليمان فرنجيّة الصديق القريب للأسد نفسه، إلى رئاسة الجمهوريّة، علامات استفهام كثيرة حول الأسباب والخلفيّات. حتّى أنّ المعنيّين بالاستحقاق طرحوا تفسيرات متناقضة لما حصل. وهو ما خلّف مواقف متناقضة ضمن كلّ فريق. يحاول هذا المقال عرض التفسيرات التي أعطيت وقراءة المواقف التي أدّت إليها.

بعد نحو سنة ونصف على شغور القصر الرئاسيّ في لبنان، منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في 24 أيّار/مايو 2014، وبعد 32 محاولة للبرلمان اللبنانيّ لانتخاب رئيس جديد، من دون جدوى، يطرح في بيروت هذه الأيّام سؤال جدّي، عمّا إذا كانت جلسة البرلمان المقبلة، والمحدّدة في 16 كانون الأوّل/ديسمبر الجاري، ستشهد خرقاً لهذا المشهد من الجمود، وانتخاباً لرئيس جديد. والسؤال المذكور مطروح، على خلفيّة تطوّرات بارزة في مواقف بعض الأطراف السياسيّة المعنيّة، ممّا شكّل مفاجأة للبعض، أو حتّى انقلاباً في بعض المواقف. فماذا حصل في بيروت في الأيّام الماضية؟

لفهم ما حصل، بداية لا بدّ من إضاءة سريعة على أسباب مراوحة الاستحقاق الرئاسيّ في خانة الجمود طيلة تلك الفترة. ففي الجلسة الأولى التي دعى إليها البرلمان اللبنانيّ لانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، في 23 نيسان/أبريل 2014، بدا أنّ هناك ثلاث قوى يتوزّع عليها النوّاب اللبنانيّون:

أوّلاً، تحالف 14 آذار، المكوّن من الأكثريّة السنيّة بزعامة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري مع الأقليّة المسيحيّة الممثّلة بحزبي القوّات اللبنانيّة والكتائب اللبنانيّة، فضلاً عن عدد من النوّاب المسيحيّين المستقلّين مثل بطرس حرب نقولا غصن.

ثانياً، تحالف قوى 8 آذار، المكوّنة من القوّتين الشيعتين الأساسيّتين، حزب الله وحركة أمل، إضافة إلى بعض الأحزاب الأخرى الصغيرة مثل حزب البعث والحزب القومي السوري الاجتماعي، مع زعيم الأكثريّة المسيحيّة الجنرال ميشال عون.

وتبقى قوّة ثالثة ظهرت في تلك الجلسة ممثّلة بزعيم الأكثريّة الدرزيّة وليد جنبلاط، ومعه بعض النوّاب المسيحيّين التابعين إلى مناطق نفوذه الانتخابيّ في منطقتي الشوف وعاليه في جنوب جبل لبنان.

وسرعان ما ظهر أنّ توزّع القوى في هذا الشكل، أدّى عمليّاً إلى عجز البرلمان عن انتخاب رئيس. فالفريق الأوّل، أي 14 آذار، تبنّى مرشّحاً له هو رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع، فيما رفض الفريق الثاني، أي تحالف 8 آذار مع عون، تسمية أيّ مرشّح له، مكتفياً بالاقتراع بورقة بيضاء لإظهار قوّته النيابيّة، أمّا جنبلاط فأعلن ترشيح نائب مغمور من كتلته الصغيرة، كتلة اللقاء الديمقراطي، هو هنري حلو. وجاءت نتائج دورة الاقتراع الأولى كالتالي: نال جعجع 48 صوتاً، ونال حلو 16 صوتاً، ونالت "الورقة البيضاء" 52 صوتاً، فيما اعتبرت 7 أوراق ملغاة، علماً أنّ 124 نائباً حضروا تلك الجلسة، من أصل 128 يشكّلون مجموع البرلمان اللبنانيّ. فغاب عن جلسة 23 نيسان 2014 4 نواب، 3 منهم بداعي السفر (سعد الحريري، عقاب صقر، خالد الضاهر) وواحد بسبب المرض (إيلي عون).

هكذا فشل البرلمان في انتخاب رئيس في تلك الدورة، لأنّه بحسب الدستور اللبنانيّ، يحتاج انتخاب رئيس إلى ثلثي عدد النوّاب للفوز في الدورة الأولى، أي 86 صوتاً. كما يحتاج إلى الأكثريّة المطلقة، أي 65 صوتاً، في كلّ الدورات التالية. فنصاب انعقاد أيّ جلسة لانتخاب الرئيس، هو ثلثا عدد نوّاب المجلس، أي 86 نائباً أيضاً. وعند دعوة رئيس البرلمان إلى دورة اقتراع ثانية، انسحب نوّاب تحالف 8 آذار والجنرال عون، بحجّة أنّ توزّع الأصوات أظهر عجز أيّ مرشّح عن نيل الأكثريّة المطلوبة دستوريّاً للفوز. وبالتالي، فإنّ الاستمرار في تلك الجلسة سيكون بلا جدوى.

هكذا ظهر أنّ أيّاً من الفريقين الأساسيّين في لبنان، عاجز عن إيصال مرشّحه إلى الرئاسة، لأنّ أيّاً منهما لا يملك وحده أكثريّة كافية لتأمين النصاب، ولا حتّى لتأمين الفوز. وتبيّن أيضاً أنّ النائب جنبلاط قادر على لعب دور الكفّة المرجّحة للفوز، أي 65 صوتاً، في حال توافق الفريقان الكبيران على تأمين نصاب الجلسة، أي 86 صوتاً.

على مدّة نحو 18 شهراً، سيطرت هذه المعادلة على مشهد الاستحقاق الرئاسيّ اللبنانيّ، إذ دعا رئيس البرلمان نبيه برّي إلى 32 جلسة انتهت كلّها بعدم توافر نصاب دستوريّ لعقد الجلسة، في ظلّ عدم توافق أيّ من الفريقين على مرشّح، وعدم تبديل جنبلاط موقفه المتمايز عن الفريقين. ظلّت هذه المعادلة سيّدة الموقف، حتى النصف الثاني من شهر تشرين الثاني، حين سجّل خرق لافت لها، أدّى إلى تبديل في المواقف وانقلاب في الاصطفافات.

في الوقائع، بدأت المفاجأة حين سرّب خبر في بيروت مفاده أنّ زعيم الأكثريّة السنيّة الحريري، التقى سرّاً في باريس في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، رئيس كتلة نيابيّة صغيرة تضمّ ثلاثة نوّاب من ضمن تكتّل الجنرال عون، تكتل التغيير والإصلاح، هو رئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجيّة، لتبدأ المعلومات بالظهور تباعاً، وليتبيّن أنّ اللقاء بين الرجلين كان جزءاً من ترتيب مثلّث بينهما وبين زعيم الأكثريّة الدرزيّة جنبلاط، على خلفيّة دعم كلّ من جنبلاط والحريري فرنجيّة مرشّحاً لرئاسة الجمهوريّة. هكذا بدا نظريّاً أنّ مشهد الجمود الرئاسيّ السابق قد تبدّل، وأنّ المعادلات الرقميّة الجديدة المنبثقة من هذا التحالف الجديد، باتت قادرة على تأمين انتخاب رئيس جديد، بانضمام كتلتي الحريري وجنبلاط إلى كتلة فرنجيّة الصغيرة. لكنّ الإشكاليّة الأساسيّة التي اعترضت هذا التطوّر، لم تكن حسابيّة ولا رقميّة، بل في السياسة والخلفيّات. ففرنجيّة على طرف نقيض من الحريري سياسيّاً. فالأوّل حليف لصيق بالرئيس السوريّ الأسد، فيما الثاني حليف لصيق أكثر بالسعوديّة. فما الذي تغيّر؟ هنا بدأت تظهر التساؤلات، وتظهر معها حسابات وإشكالات. وهو ما طرح السؤال: كيف يمكن لحليف السعوديّة، رئيس الحكومة اللبنانيّة السابق الحريري، أن يختار حليف الأسد، النائب فرنجيّة، رئيساً للجمهوريّة في لبنان؟ نظريّات كثيرة طرحت لتفسير هذا الانقلاب الحاصل في المواقف.

نظريّة أولى تبنّاها فريق الحريري نفسه. يقول أصحابها إنّه بعد 18 شهراً من الشغور الرئاسيّ ومن التكافؤ في موازين القوى في بيروت، صار الفريق الحريريّ متأكّداً من أنّه في حاجة إلى استمالة جنبلاط نفسه، كما إلى قسم من فريق 8 آذار لتشكيل أكثريّة كافية للفوز في الانتخابات الرئاسيّة. ومن جهّة ثانية، يقول هؤلاء أيضاً إنّهم متأكّدون من أنّ الرئيس السوريّ الأسد سيسقط قريباً، إمّا بالحلّ السياسيّ وإمّا بالحلّ العسكريّ. وبالتالي فإنّ تأثيره على البعض من حلفائه في لبنان سينتهي كليّاً. لا بل سيكون هؤلاء في حاجة إلى حمايات بديلة عن حماية الأسد لهم، ومن هؤلاء فرنجيّة نفسه. هكذا يعتبر أصحاب هذه النظريّة من الفريق الحريريّ، أنّ هذه المعطيات سمحت للحريري وجنبلاط بتوليد فكرة الانفتاح على فرنجيّة الآن وتبنّي ترشيحه لرئاسة الجمهوريّة. هذا الكلام الذي صدر متفرّقاً على ألسن عدد من النوّاب والسياسيّين الحريريّين يبدو أنّ الحريري نفسه أكّده لبعض محاوريه. يقول المنسّق العام لأمانة قوى 14 آذار النائب السابق فارس سعيد، لموقعنا إنّه سمع شخصيّاً من الحريري كلاماً بهذا المنحى. ويروي سعيد أنّه بعد شيوع الكلام عن تبنّي الحريري ترشيح فرنجيّة، أجرى الحريري اتّصالاً هاتفيّاً بسعيد في الأسبوع الأخير من تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وشرح له وجهة نظره التي تقول إنّه يعتبر أنّ الظرف الراهن مشابه لربيع عام 2005، يوم انسحب الجيش السوريّ من لبنان. يومها، يقول الحريري لسعيد إنّه أحسّ بأنّ عليه طمأنة الفريق الشيعيّ الحليف للأسد، وهو ما جعله يتحالف معه في الانتخابات النيابيّة التي حصلت عام 2005. ويتابع سعيد لموقعنا، نقلاً عن الحريري نفسه، أنّه يعتقد أنّ السياق نفسه يعود الآن. فالأسد سيسقط، وهو يريد أن يطمئن حزب الله الشيعيّ. ولذلك اختار تأييد فرنجيّة القريب من حزب الله، والذي سيكون محتاجاً هو نفسه إلى غطاء سياسيّ بعد سقوط صديقه الأسد!

غير أنّ نظريّة معاكسة طرحت لتفسير الانقلاب في المواقف، إذ يعتقد مؤيّدون لفريق 8 آذار في بيروت، أنّ العكس تماماً هو ما دفع الحريري وجنبلاط إلى تأييد فرنجيّة. يقول نائب رئيس المجلس النيابيّ سابقاً إيلي الفرزلي، القريب من حزب الله ومن العماد عون، في حديث إلى موقعنا، إنّ الفريق الحريريّ بات مدركاً بعد بدء المشاركة الروسيّة في الحرب السوريّة، أنّ موازين القوى في الميدان السوريّ باتت مريحة أكثر للأسد وحكمه، وأنّ هذا الارتياح لن يلبث أن ينعكس ارتياحاً في لبنان بالنسبة إلى حزب الله وحلفائه. ولذلك وجد الحريري وجنبلاط نفسيهما، في وضع المضطرّين إلى الحدّ من الخسائر، فمرور الوقت لن يكون لصالحهما. فسارعا إلى تأييد فرنجيّة، تجنّباً منهما لاختلال موازين القوى أكثر، واضطرارهما لاحقاً إلى تأييد الجنرال عون، زعيم الأكثريّة المسيحيّة، رئيساً للجمهوريّة. إذ أنّ الحريري وجنبلاط، يتابع الفرزلي، يعتبران فرنجيّة أهون الشرّين مقارنة بعون صاحب المشروع الاصلاحيّ الكبير في البلد.

نظريّة ثالثة تقول تفسيراً لما حصل، إنّ المسألة لا علاقة لها بمواقف الأطراف اللبنانيّين، ولا بحسابات الميدان السوريّ. يرى البعض أنّ انقلاب الحريري وجنبلاط لتأييد فرنجيّة، جاء نتيجة تقاطع جزئيّ في المواقف بين طهران والرياض، فالإيرانيّون والسعوديّون، بحسب هذه النظريّة، وعلى الرغم من صراعهما على أكثر من ملفّ في المنطقة، توافقا على تحييد لبنان عن صراعهما على النفوذ في باقي بلدان المنطقة، من اليمن إلى سوريا، مروراً بالبحرين والعراق. وهو ما بدأ، بحسب أصحاب هذه النظريّة، على هامش مؤتمر فيينّا الأخير، في 14 تشرين الثاني/نوفمبر. وبنتيجة هذا التقاطع، التقى الحريري فرنجيّة في باريس في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، وغمز الإيرانيّون بواسطة السوريّين، إلى فرنجيّة لملاقاة الحريري في هذا المسعى.

لكنّ الواضح أنّ أيّاً من هذه النظريّات ليست كافية لتفسير ما يحصل في بيروت، بدليل أنّ صفقة انتخاب فرنجيّة رئيساً لا تزال تواجه تحفّظات كثيرة، من قبل حلفاء كلّ طرف معنيّ بها. فحلفاء الحريري من المسيحيّين، خصوصاً حزبا القوّات اللبنانيّة والكتائب، لم يعلنا تأييدهما اتّفاق الحريري–فرنجيّة. وفي المقابل، حلفاء فرنجيه نفسه، وخصوصاً حزب الله والجنرال عون، لا يزالان يلتزمان الصمت حيال اختيار خصمهما واحداً من فريقهما مرشّحاً له.

وهو ما يفتح الباب أمام احتمال إجهاض اتّفاق باريس ومرور 16 كانون الأوّل/ديسمبر 2015 من دون انتخاب فرنجيّة رئيساً، ممّا يطرح السؤال عمّا إذا كان هذا الاتّفاق المتعثّر مناورة، إمّا للوصول إلى مرشّح آخر من خارج نادي المرشّحين الأقوياء، أم للتمهيد لزعيم الأكثريّة الدرزيّة جنبلاط للانتقال من موقعه الراهن، إلى تأييد ترشيح الجنرال عون رئيساً، بحيث ينطلق في انتقاله هذا، من رفضه استمرار المأزق أوّلاً، ومن كونه أيّد صديق الأسد الشخصيّ، أي سليمان فرنجيّة، وبالتالي لا حرج لديه بعد الآن في تأييد حليف حزب الله أي عون.

أيّاً كانت حقيقة الأمور، يظلّ المؤكّد أنّ نهاية عام 2015 ستكون حافلة بالتطوّرات السياسيّة في بيروت.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : walid jumblatt, suleiman franjieh, suleiman frangieh, saad hariri, nabih berri, michel aoun, lebanon crisis, lebanon, hezbollah, bashar al-assad

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept