نبض العراق

بعد أحداث طوز خورماتو... "المناطق المتنازع عليها" بين أن تكون مفتاح سلام أو بؤرة حرب بين العرب والأكراد

p
بقلم
بإختصار
ما حدث في طوز خرماتو من نزاع مسلح يشير إلى إمكانية تحوّل الخلافات على المناطق المتنازع عليها في العراق إلى صراع طائفي وقومي مرير، بعد هزيمة داعش.

العراق، بغداد - تقع مدينة طوزخورماتو على مسافة 90 كيلومتراً جنوب شرق مدينة كركوك (240 كلم شمال العاصمة بغداد)، وهي مدينة مختلطة القوميّات، وباتت اليوم رمزاً للصراع القوميّ بين العرب والتركمان الشيعة من جهة، وبين الأكراد من جهة أخرى. تقع المدينة في شمال محافظة صلاح الدين التابعة للحكومة المركزية، ولكن الأكراد يطمحون بإلحاقها بإقليم كوردستان، حيث هي قريبة الى محافظة السليمانية في الإقليم ومحافظة كركوك المتنازع عليها أيضا بين الإقليم والحكومة المركزية. كانت المدينة تابعة الى محافظة كركوك الى عام 1976 حيث التحقت بصلاح الدين ضمن التعديلات الإدارية من قبل الحكومة المركزية آنذاك.

لا توجد إحصائيات دقيقة عن التوزيع القومي لسكان المدينة، ولكن يقتسمها الاكراد والعرب والتركمان في نسب متقاربة جدا. ومن هنا يأتي أهمية المدينة، حيث أنها مدينة متنوعة القوميات والمذاهب في وسط مراكز القوى المتصارعة في العراق.

في 12 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015، حدثت إشتباكات مسلّحة بين قوّاتالبيشمركة الكرديّة وقوات الحشد الشعبي من العرب والتّركمان الشيعة أوقعت عدداً من الضحايا بين الجانبين، وألحقت الكثير من الخسائر الماديّة. وبوجود صراع قوميّ طائفيّ في المدينة، فإنّ الأطراف المتصارعة تبادلت الإتّهام في شأن من هو البادئ بهذا الاشتباك المسلّح، فالتّركمان والعرب الشيعة يتّهمون لبيشمركة الكرديّة بالسعي إلى طرد السكّان العرب والتّركمان من المدينة وضمّها إلى إقليم كردستان، وهو ما اعلنه النائب عن "التحالف الوطني" جاسم محمد جعفر، في 15/11/2015 في تصريح صحافي،عن انّ"القوات الكردية تحرق الممتلكات وتخطف الشباب التركماني".

في حين أنّ الطرف الآخر ينفي ذلك ويتّهم الحشد الشعبيّ الشيعيّ والمتعاطفين معه من أهالي المدينة، ومن ذلك ما صرّح به لوسائل الاعلام في 14/11/2015، الأمين العام لوزارة البيشمركة الفريق جبار ياورمن إنّ "الحشد الشعبي لا يتوقف عن حرق المنازل والدكاكين وإطلاق النار على المقار الأمنية والحزبية لاسيما مقار الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي في القضاء".

وقد تطوّرت المواقف المتشدّدة من قبل الطرفين، حيث حصلت اعتداءات على الأكراد في بغداد، بحسب ما أفاد به تقرير صحافي في 29/11/2015 ،بقيام مجاميع مسلحة تنتمي لفصائل شيعية بتهجير العائلات الكردية عنوة من منازلها ومطالبتهم بمغادرة بغداد نحو إقليم كردستان شمال العراق.

ما أعقبت ردود فعل شديدة من قبل الأكراد تندد بالاعتداءات وذلك كله قبل اللقاءات التي حصلت بين الطرفين في بغداد بتوسط إيراني وجهات أخرى داخل الحكومة العراقية، ما أسفر عن تهدئة نسبية في منطقة طوزخورماتو.

وإزاء ذلك، يحيلنا كفاح محمود كريم، وهو المستشار الإعلاميّ في مكتب رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، على التاريخ الإداريّ لهذه المدينة، مؤكّداً طابعها الكرديّ وإنتماءها إلى إقليم كردستان، وقال لـ"المونيتور": "إنّ قضاء طوز خورماتو ذو أغلبيّة كرديّة تاريخيّاً، تعرّض إلى تغييرات ديموغرافيّة بسبب تهجير الأكراد منه، بعد فصله من محافظة كركوك وربطه بمدينة تكريت، مركز صلاح الدين في عام 1976 من قبل نظام الرئيس العراقيّ الرّاحل صدّام حسين".

ومن جهته، قال الكاتب والمحرّر في صحيفة "الصباح" العراقيّة قاسم موزان، في حديثه لـ"المونيتور": "القوّات الكرديّة هي من أشعلت نار القتال في طوز خورماتو لتحقيق هدفين، الأوّل طرد السكّان من غير الأكراد من المدينة، والثاني تعطيل تحرير الأنبار الّتي يحتلّها تنظيم داعش". وذلك بسبب أن هناك أطراف كوردية ترى من مصلحتها إيجاد توازن بين الحكومة الشيعية في بغداد وتنظيم داعش في المناطق السنية، حسب وصف قاسم موزان.

بيد أنّ النائبة عن كتلة "التغيير" الكرديّة المعارضة شيرين رضا أعادت التّوازن، وحمّلت الطرفين المسؤوليّة، إذ قالت لـ"المونيتور": "ما حدث في هذه المدينة من انتهاكات يتحمّل مسؤوليّته كلّ من الحشد الشعبيّ الشيعيّ والبيشمركة الكرديّة".

أضافت: "قوّات البيشمركة جزء من المنظومة الدفاعيّة العراقيّة، ومن واجبها تحرير كلّ المدن العراقيّة من يدّ داعش، وما حدث في طوز خرماتو من صدامات يثير الفتنة القوميّة والمذهبيّة بين مكوّنات البلد الواحد".

ومن الواضح أنّ شيرين رضا تبرّر وجود قوّات البيشمركة في منطقة تعدّ من "المناطق المتنازع عليها"، وهذا لا يتّفق مع رأي النائبة عن كتلة "بدر" النيابيّة أمل عطيّة، الّتي قالت لـ"المونيتور": "وجود قوّات البيشمركة في قضاء سنجار وربيعة في محافظة الموصل بمثابة إحتلال".

أضافت: "إنّ محاولات القوّات الكرديّة فرض سياسة الأمر الواقع في المناطق المتنازع عليها، سوف لن تنجح، لأنّ القوّات العراقيّة ستعيد الأمور إلى نصابها في تلك المناطق".

وإنّ إطلاق تفسيرات كهذه تطوي حتّى الأحداث الأخيرة في نزاع أكبر. وفي الواقع، لم تكن أحداث طوز خرماتو مفاجئة لأنّها جزء من صراع مرير منذ عام 2003 على المناطق المتنازع عليها بين العرب والأكراد، وكلّ جهة تدّعي عائديّتها لها.

ومن المعروف أنّ الممثّل الخاص للأمين العام للأمم المتّحدة في العراق ستافان دي مستورا، كان قد حدّد في تقرير بعثة الأمم المتّحدة لمساعدة العراق (يونامي)، المناطق المتنازع عليها شمال البلاد، وهي كالآتي:

- أقضية سنجار وتلعفر وتلكيف وشيخان وعقرة والحمدانيّة التابعة لمحافظة نينوى.

- مخمور والحويجة والدبس وداقوق والطوز التابعة لمحافظة كركوك.

- كفري وخانقين وناحية مندلي في محافظة ديالى.

وطوال الفترة من 2003 إلى 2014، ظلت الأوضاع "هادئة" في المناطق المتنازع عليها، حتى تأجّجت بعد 2014 باحتلال تنظيم داعش مدينة الموصل في العاشر من يونيو/حزيران 2014، وعدد من المناطق العربية والكردية مثل سنجار وربيعة وزمارو سنوني وخانسور- وانكيو بضمنها بعض المناطق المتنازع عليها في طوزخرماتو وصلاح الدين وديالى. واستثمرت قوات البيشمركة الكردية، هذه التطورات، فنشرت قوات، في 11 يونيو/حزيران 2014 ، في مناطق انسحب الجيش العراقي في أبريل/نيسان 2014، أمام هجوم تنظيم "الدولة الاسلامية".

هذا الاستثمار الكردي للواقع الجديد الذي فرضه توغل هذا التنظيم في الأراضي العراقية يؤكده جون دريك المحلل الامنيالذي يعمل معم جموعة "ايكياي" الاستشارية البريطانية بقوله في تقرير نشرته وسائل الاعلام أن "الأزمة الحالية قد تنتهي بسيطرة القوات الكردية على مناطق متنازع عليها مع بغداد مثل كركوك وطوزخرماتو".

وهذا ما حصل، فقد سيطرت القوات الكردية على كركوك في 28 أبريل/نيسان 2014، والتي تمثل جوهر المناطق المتنازع عليها بين العرب والأكراد.

إنّ سيطرة القوات الكردية على المناطق المتنازع عليها، يرجّح كفة الاحتمال في حرب قومية طويلة الأمد على المناطق المتنازع عليها، وعلى رأسها كركوك بعد الانتهاء من طرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من الأراضي العراقية، ولعل هذا يجعل البعض يشكّك – مثل النائبة في البرلمان سهام موسى، التي قالت في 12/11/2015 ان "البارزاني شريك مع داعش وقام بإدخالهم الى العراق" - في جدية الحكومة الكردية في أربيل في إنهاء الحرب مع داعش، والسعي إلى إطالتها لتكريس التواجد الكردي في المناطق المتنازع عليها".

وانتبهت الحكومة العراقية إلى احتمال هذا الصراع، بإعلانها في 6 مارس/أذار 2015 بانها "ستبدأ بتطبيق إجراءات المادة 140 الدستورية الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، حال القضاءعلى تنظيم داعش في تلك المناطق"، وهي خطوة تتناقض مع إعلان رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني في 27 يونيو / حزيران 2014 "بانتفاء الحاجة لتطبيق المادة 140 من الدستور الخاصة بالمناطق المتنازع عليها"، مؤكدا إن "هذه المناطق باتت جزءاً من إقليم كردستان بعد دخول قوات البيشمركة".

لكن تصريح بارزاني هذا، يعتبره المتحدث باسم مكتب حركة "عصائب أهل الحق" الشيعية، نعيم العبودي، في حديثه للمونيتور في 18/11 في بغداد، بانه "سوف يتسبب في إشعال صراع قومي وديني".

 إنّ تبادل التصريحات المتضاربة، وتحوّل الخلافات إلى نزاع مسلّح على الأرض، سوف لن يحل المشاكل في المناطق المتنازع عليها، وهي مناطق مختلطة سكانيا، سواء من ناحية القوميات أو الأديان والمذاهب، لذا بات مطلبا ملحّا تشكيل إدارة مشتركة من جميع السكان لإدارة هذه المناطق، وإبعاد الفصائل المسلحة عنها، وإجراءات تصويت حر وبإشراف أممي، لتحديد عائدية هذه المناطق جغرافياً وسياسياً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkmen, popular mobilization units, peshmerga, massoud barzani, kurds in iraq, kurdistan regional government, kirkuk, is, anbar

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept