نبض تركية

لماذا يقبل بعض الأتراك بإرهاب تنظيم الدولة الإسلاميّة؟

p
بقلم
بإختصار
قاطع هواة كرم قدم أتراك لحظات صمت تكريماً لضحايا اعتداءات تنظيم الدولة الإسلاميّة في باريس وفي تركيا، في خطوة تبيّن دعمهم لداعش وتعزى إلى سياسات رجب طيب أردوغان الداخليّة والخارجيّة.

في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، في مباراة كرة قدم ودّية بين تركيا واليونان، قاطعت مجموعة من المشاهدين الأتراك دقيقة صمت تكريماً لضحايا اعتداءات تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) في 13 تشرين الثاني/نوفمبر في باريس، مصفّرة ومردّدة شعارات وهاتفة "الله أكبر". ولا يمكن اعتبار هذه الحادثة التي وقعت في ملعب باشاك شهير في اسطنبول مجرّد عمل عاديّ من أعمال الشغب لثلاثة أسباب مهمّة.

أوّلاً، يبيّن هذا الاحتجاج أنّ شريحة من المجتمع التركيّ توافق بوضوح على إرهاب داعش. وثانياً، يعكس انسلاخاً مثيراً للقلق عن الضحايا والجماعات التي ينتمون إليها. وقد يعود غياب التعاطف هذا إلى سياسة استقصاء "الآخر" (وقد يؤدّي إلى تحوّل شعور الآخر بالاستقصاء إلى عداء متطرّف يُترجم بأعمال عنف). وثالثاً، يبيّن الصفير والهتافات التي استمرّت أثناء إذاعة النشيد الوطنيّ اليونانيّ، أنّ ثقافة تركيا السياسيّة تغيّرت منذ وصول حزب العدالة والتنمية التابع للرئيس رجب طيب أردوغان إلى الحكم في العام 2002.

طوال 13 سنة، ظلّت شرائح كبيرة من المجتمع التركيّ تحت التأثير القويّ لمشروع متعدّد الأوجه يروّج التعصّب الإسلاميّ سعى حزب العدالة والتنمية إلى تنفيذه من خلال قيادته السياسيّة والشرطة والسلطة القضائيّة والنظام التعليميّ والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعيّ والإدارات المحليّة. وازدادت هذه الموجة بشكل واضح منذ العام 2011 الذي فاز فيه حزب العدالة والتنمية في الانتخابات العامّة حاصداً 50% من الأصوات، وأخرج الكماليّين من الجيش، وبدأ بتنفيذ سياسة إقليميّة تهدف إلى الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد في سوريا المجاورة.

وسعت حكومة حزب العدالة والتنمية، التي تطوّرت لتصبح "نظام أردوغان"، من خلال حملات اجتماعيّة إلى إعادة قولبة تركيا بشكل دائم وتعزيز سلطتها. ويُعتبر التشدّد الإسلاميّ أحد منتجات هذه الثقافة السياسيّة التي يمكن وصفها بشكل عامّ بأنّها ثقافة إسلاميّة وموالية للسنّة وعثمانيّة. وكان الصفير وهتافات "الله أكبر" أثناء لحظة الصمت في ملعب بلديّة باشاك شهير التي تُعتبر معقلاً لحزب العدالة والتنمية انعكاساً واضحاً لهذا التشدّد.

ووفقاً لصحيفة "جمهوريت" التركيّة، أطلق أعضاء من فرع الشباب في حزب العدالة والتنمية، حضروا المباراة مجّاناً، أعمال الشغب التي انتشرت لاحقاً بين أشخاص آخرين في الملعب. بتعبير آخر، أرجع تقرير هذه الصحيفة اليوميّة مصدر الشغب إلى الحكومة. وفي اليوم التالي، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر، انتقد أردوغان الحادثة، لكنّ طريقة انتقاده أشارت إلى المصدر نفسه، وإن بطريقة مختلفة.

والملفت هو أنّ أردوغان ركّز على هتافات الاستهجان التي علت أثناء إذاعة النشيد الوطنيّ اليونانيّ وتجاهل عدم احترام لحظة الصمت. وقال في مقابلة تلفزيونيّة مباشرة: "كانت هناك دقيقة صمت أذيع بعدها النشيدان الوطنيّان. ثمّ بدأ هؤلاء الأشخاص غير المسؤولين، الذين كان عددهم حوالى المئة، بإطلاق هتافات الاستهجان. إنّه أمر يصعب فهمه. فنحن لسنا أمّة عاجزة عن تقبّل النشيد الوطنيّ لبلد آخر. هذا الأمر ليس من شيم أمّتنا. ما سيكون شعورنا لو قام أحدهم بالتصرّف نفسه تجاهنا؟ يُفترض أن نستمع إلى النشيد بصمت ليس إلا".

هل ينبغي اعتبار عدم استنكار أردوغان قلّة الاحترام تجاه ضحايا باريس سهواً؟ في هذه الحال، كيف ينبغي تفسير عدم استنكاره هتافات الاستهجان أثناء دقيقة الصمت في مباراة دوليّة أقيمت في وقت سابق لتكريم الضحايا الأتراك الذين سقطوا في الهجمات الانتحاريّة التي هزّت أنقرة في 10 تشرين الأول/أكتوبر وأعزيت إلى داعش؟ أهو مجرّد صدفة؟ في شهر واحد، قاطع هواة كرة قدم أتراك مرّتين دقيقتي صمت تكريماً لضحايا اعتداءات داعش الإرهابيّة. وقعت الحادثة الأولى في 13 تشرين الأول/أكتوبر أثناء مباراة للتأهّل لبطولة أوروبا بين تركيا وإيسلندا في كونيا في وسط تركيا. فقد أطلقت مجموعة كبيرة من المشاهدين هتافات استهجان وبدأت بالصفير أثناء دقيقة صمت تكريماً لـ 102 شخص قُتلوا في أنقرة قبل ثلاثة أيّام. وإنّ عدم استنكار أردوغان أعمال الشغب هذه ليس القاسم المشترك الوحيد بين هاتين الحادثتين.

بما أنّ دقيقة الصمت في اسطنبول كانت لتكريم ضحايا من الغرب، قد يقول البعض إنّ شعور المعاداة للغرب المتزايد في تركيا نتيجة حملة النظام الاجتماعيّة اضطلع بدور في هذا السياق. لكنّ هذه النظريّة غير كاملة لأنّها لا تفسّر الحادثة التي وقت في كونيا والتي وقف فيها المشاهدون دقيقة صمت لتكريم مواطنين أتراك – أغلبهم من الأكراد والعلاهيّين – لا غربيّين. في الواقع، إنّ عدم شجب أردوغان هاتين الحادثيّن يُظهر عزوفاً عن استنكار داعش وإرهابه. قد يقول البعض إنّ هاتين الحادثتين هما تعبيران منفصلان عن العداء يعود سببهما إلى هويّات الضحايا في باريس وأنقرة، لكنّ أدنى شرط لهذا التصرّف الأرعن هو غياب أيّ إدانة لداعش. لا شكّ في أنّ التعاطف مع داعش والعداء تجاه الغرب والعلاهيّين البارزين بوضوح في تركيا اليوم يغذّيان واحدهما الآخر، ما يُنتج علاقة سببيّة.

وينبغي على مستطلعي الآراء إجراء مسح موثوق يقيّم مدى تعاطف الأتراك اليوم تجاه داعش بعد مقتل 134 شخصاً من مواطنيهم – 102 في أنقرة و32 في هجوم انتحاريّ في سروج في 20 تموز/يوليو – في هجمات تعزى إلى التنظيم. لكنّ مسحاً أجري في وقت سابق قد يقدّم فكرة عن مدى هذا التعاطف. فبناء على مسح "النظرة التركيّة" الذي أجراه صندوق مارشال والذي شمل مقابلات وجهاً لوجه مع 1018 شخصاً في 16 محافظة بين 4 و13 تموز/يوليو، يعتبر 6,6% من الأتراك أنّ داعش ليس منظّمة إرهابيّة فيما قال 15,6% إنّ داعش لا يشكّل خطراً على تركيا. وتُعتبر هذه الأرقام مثيرة للقلق بالنسبة إلى بلد ذي أغلبيّة سنيّة يضمّ 75 مليون نسمة.

بالإضافة إلى ذلك، تبيّن أنّ مواطنين أتراك هم منفّذو كلّ التفجيرات التي أعزيت إلى داعش في البلد حتّى الآن، ما يدلّ على أنّ التنظيم يجنّد أشخاصاً من الشعب. وبالتالي، هناك علاقة بين التفجيرات الانتحاريّة والتعاطف مع داعش في الملاعب. مع ذلك، يؤكّد أردوغان أنّ الغرب هو مصدر المشكلة.

ففي مقابلة 18 تشرين الثاني/نوفمبر، حمّل الغرب مسؤوليّة تدفّق الجهاديّين الدوليّين إلى سوريا عبر تركيا، قائلاً: "لا ندّعي عدم وجود مقاتلين تابعين لداعش في تركيا اليوم. فقد ذهب مقاتلون أجانب إلى سوريا من فرنسا وبريطانيا وألمانيا... لما كان بإمكانهم العبور من تركيا إلى سوريا لو تلقّينا معلومات معيّنة [من البلدان المذكورة]. ماذا يمكننا أن نفعل إن لم نتلقّ أيّ معلومات؟ هل يفترض بنا منع السائحين من الدخول والخروج؟ إذا فعلنا ذلك سيقولون إنّ تركيا قمعت حرية السفر".

صحيح أنّ "مقاتلين تابعين لداعش" موجودون في تركيا، كما قال أردوغان، لكنّ معظمهم مواطنون أتراك على ما يبدو. إنّ مشكلة داعش في تركيا اليوم هي نتيجة لسياسة الحكومة الداخليّة ولسياستها تجاه سوريا أيضاً اللتين سمحتا لداعش بتنظيم مقاتلين في تركيا وتجنيدهم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkey's middle east policy, turkey, syrian conflict, recep tayyip erdogan, paris attack, is
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept