نبض اسرائيل

لماذا يحثّ جيش الدفاع الإسرائيلي الحكومة الإسرائيلية على الالتزام بالهدوء وتقوية السلطة الفلسطينية؟

p
بقلم
بإختصار
تعلّم جيش الدفاع الإسرائيلي الدرس من الانتفاضة السابقة، وعلى لسان وزير الدفاع موشيه يعالون، ينصح الآن بضبط عمليات الإرهاب ومحاولة التهدئة بدلاً من شنّ مواجهة عسكرية.

أجرى العقيد روني نوما، رئيس القيادة المركزية وقائد أراضي يهودا والسامرة، اجتماعاً استطلاعياً مع المراسلين العسكريين الإسرائيليين في 24 تشرين الثاني/نوفمبر.

ينتمي نوما في الأصل إلى لواء المظليين ولديه 30 عاماً من الخبرة القتالية. وقد تولّى قيادة وحدة دوفدفان السرية النخبوية ووحدة شلداغ النخبوية التابعة للسلاح الجوي. ولكنّ هذه الخبرة لم تحضّره للتعامل مع موجة العنف الغريبة التي تهزّ الأراضي وإسرائيل منذ الأسابيع الماضية—عنف يشمل طعنات سكينية عرضية وحوادث دهس بالسيارة وعمليات إطلاق نار مرتجلة وتظاهرات متفرّقة. بين 1 تشرين الأول/أكتوبر و29 تشرين الثاني/نوفمبر، أودت الاعتداءات بحياة 22 شخصاً. كما قُتل أكثر من 100 فلسطيني، ومعظمهم من المعتدين، خلال هذه الأحداث.

ومثل سائر عناصر جيش الدفاع الإسرائيلي، يرفض نوما أن يسمّي الوضع الحالي بالانتفاضة. فالتصنيف العسكري لهذه الأحداث هو "هبّة محدودة" لأنّ الشعب الفلسطيني يتفرّج ولا ينخرط في العنف. كما أنّ الجهاز الأمني للسلطة الفلسطينية يستمرّ في محاربة أعمال العنف ويحاول منعها. كذلك، إنّ فصيل التنظيم التابع لحركة فتح لم يطلق نيرانه بعد والخلايا المتورّطة في عمليات إطلاق النار غير منظّمة ولا تعمل كجزء من مؤسسة رسمية. بالإضافة إلى التحريض الكبير الدائم الحضور في الإعلام الفلسطيني وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، تُعتبر حماس مسؤولة عن التحريض على الإرهاب من قاعدتها في قطاع غزة. ولا شكّ في أنّ الهستيريا التي أثارها الجناح الشمالي للحركة الإسلامية الإسرائيلية بشأن الحرم الشريف بعد حظر الجناح في 17 تشرين الثاني/نوفمبر ساهمت في إضرام النار.

في خلال الاجتماع، استعرض نوما نهج جيش الدفاع الإسرائيلي. على إسرائيل أن تردّ بانضباط وتحاول أن تخلق محفّزات لتشجيع الشعب الفلسطيني على الاستمرار في النأي بنفسه عن أعمال العنف. كما أنّ إسرائيل ستعمل على زيادة تصاريح العمل وتعزيز القوى الأمنية للسلطة الفلسطينية. أساء بعض الصحفيين فهم تصريحات نوما وسارعوا إلى نشر تقارير على الإنترنت تزعم بأنّ جيش الدفاع الإسرائيلي عرض أن يؤمّن أسلحة ومركبات مدرّعة للسلطة الفلسطينية وسط موجة العنف لتخويل عناصر السلطة الدخول إلى مخيمات اللاجئين ومحاربة العنف. قبل اندلاع موجة العنف، كان نوما قد تحدّث عن مثل هذه الخطة التي قدّمها للطبقة السياسية، ولكن تمّ تجميد الخطة. وقد أيّد نوما تطبيق بعض أجزاء الخطة فور عودة الهدوء إلى يهودا والسامرة على مدى عدّة أسابيع متتالية كنوع من الحافز لإعادة إرساء القانون والنظام.

في الوقت نفسه الذي أعطى فيه نوما تصريحاً أمام الإعلام، التقى مجلس الوزراء الأمني الديبلوماسي في القدس. وطلب أحد مساعدي رئيس الوزراء من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مغادرة القاعة وتمّ إعلامه بالأنباء التي كانت قد نُشرت منذ بضع دقائق على أحد مواقع الأخبار. وذكر عنوان المقال أنّ الجيش يقترح العمل بانضباط وتخفيف القيود على الشعب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، كانت الحكومة تتناقش في اعتماد خطوات صارمة ضدّ العنف، بما في ذلك متابعة تدمير المنازل وتهجير عائلات الإرهابيين إلى غزة وفرض إقفال القرى التي يأتي منها المعتدون بالإضافة إلى وضع قيود إضافية على الشعب، كرفض تصاريح العمل التي يتقدّم بها عمّال يعيشو في مناطق أدار منها المعتدون عملياتهم.

وبالتالي، في حين كانت الطبقة السياسية تدرس تشديد ردودها على هجمات العنف المتزايدة، كان الجيش ينصح بخطة عمل معاكسة وهي الحدّ من القيود على الفلسطينيين. عاد نتنياهو إلى جلسة الحكومة غاضباً وقال الوزراء الحاضرون إنّ "الدخان كان يتصاعد من أذنيه من شدّة الغضب" عندما نقل حديث القيادة المركزية. تبادل وزير الدفاع موشيه يعالون ورئيس أركان الجيش الملازم غادي إيزنكوت نظرات مرتبكة. وصرّح أحد الوزراء للمونيتور من دون الإفصاح عن اسمه أنّ "الوزيرين لم يعرفا أين يخبّئان وجهيهما." وبطبيعة الحال، ساندا قائدهما وزعما بأنّ "كلماته لا شكّ في أنها حُرّفت وأُخذت خارج سياقها." وطالب وزراء اليمين بإقالة قائد القيادة المركزية أو بتحذيره على الأقلّ. ولكنّ العسكر رفضوا هذا الطلب رفضاً قاطعاً.

يشكّل هذا الحدث مثلاً ممتازاً عن الجدل "الكلامي" الذي يُشنّ الآن في إسرائيل بين نهجين منفصلين. والمفارقة هي أنّ نتنياهو يميل إلى التوصية العسكرية بعدم تأجيج الوضع عبر التضييق على الفلسطينيين ومحاولة ضبط عمليات العنف والتأمّل بأن تتلاشى في الأسابيع القادمة بدلاً من المخاطرة بتصعيد. ولكن لا يمكن لنتنياهو أن يسمح بأن يراه الآخرون كمؤيد لنهج انهزامي ظاهرياً.

على يمين نتنياهو، يجري رئيس حزب إسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان حملة دعائية يمينية فعّالة. ويعتبر تعامل الحكومة مع موجة العنف "كارثة" ويعطي نتنياهو علامة تشير إلى الفشل. يستقطب ليبرمان المتعاطفين ويكتسب شعبية مع كلّ عملية عنف جديدة. وضمن الائتلاف المجتمع، يتذمّر كلّ من الوزير نفتالي بنيت والوزيرة أيلت شاكد من "القوة الناعمة" التي ينتهجها جيش الدفاع الإسرائيلي والحكومة. وقربهما يجلس وزراء حزب الليكود ومعظمهم يمينيون أكثر من نتنياهو. أمّا يسرائيل كاتس، وزير النقل الشرس، فقد سارع إلى نشر "لائحة طلبات" صارمة بعد اجتماع الحكومة الذي شارك فيه كوزير أعلى. فقط في إسرائيل يستطيع وزير يشكّل جزءاً من عملية صنع القرار في الحكومة إصدار طلبات للحكومة بعد 15 دقيقة بالكاد. بطريقة أو بأخرى، تدفع هذه القوى نتنياهو إلى اليمين على الرغم من أنّ منطقه الداخلي وعقله يمليان عليه شيئاً مختلفاً كلياً.

يحاول يعالون الذي يؤيد إيزنكوت المحافظة على رشده وتهدئة الوضع. وقد تعلّم هذان الجنرالان الواسعا الخبرة والمتمرّسان حدود السلطة من جميع الزوايا التي تخطر في البال. وقد تعاملا مع الانتفاضة الثانية الدامية، يعالون بصفته رئيس الأركان وإيزنكوت بصفته قائد أراضي يهودا والسامرة. ويتذكّر كلاهما استعداد جيش الدفاع الإسرائيلي المميت وفعاليته في بداية أحداث أكتوبر 2000، حين قُتل 13 متظاهراً إسرائيلياً-عربياً، ما أضرّ بشكل كبير بالفلسطينيين، وتكبّدت إسرائيل خسائر أقلّ بكثير. ولكنّ هذا لم يوقف العنف لا بل زاد الطين بلّة وتدهورت الأوضاع. فما كان من الفلسطينيين الذين أدركوا عدم وجود ردّ عسكري بيَدهم أن هاجموا إسرائيل بأعداد من الانتحاريين. بالتالي، شنّت إسرائيل عملية الدرع الواقي في عام 2002 لاستعادة سيطرتها على الأراضي ومحاربة العنف لديها على مدى ثلاثة أعوام حتى اندحاره كلياً.

يدرك يعالون وإيزنكوت أنّ الوضع اليوم ليس بخطورة ما كان عليه في ذلك الوقت. فالقيادة الفلسطينية تعارض العنف والإرهاب وكذلك الجهاز الأمني الفلسطيني، وما من داعٍ لدفعهما باتجاه العنف. في هذه الحالة، حريّ بالمرء أن يكون حذقاً من أن يكون يمينياً. والآن، ينجح يعالون وإيزنكوت في ضبط الوضع، تحديداً لأنّهما يتمتعان بدعم نتنياهو الصامت والمتردّد. قد تتغيّر المعادلة إذا استمرّت اعتداءات العنف أو إذا ساء الوضع بين ليلة وضحاها. لا يرغب أيّ من الطرفين في حصول ذلك، ولكن في الشرق الأوسط، ليس كلّ ما يتمناه المرء يدركه.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : terror attacks, palestinians, palestinian authority, moshe ya'alon, intifada, idf, benjamin netanyahu
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept