نبض العراق

قانون البطاقة الوطنيّة في العراق يعزّز التمييز الدينيّ ويثير استياء الأقلّيّات

p
بقلم
بإختصار
تضمّن قانون البطاقة الوطنية مواد تمييزية ضد الأقليات الدينية، ما أثار استياءها ، ووجدت فيه حلقة من سياسة ممنهجة ضدها تهدف إلى إخراجها من البلد.

ما كان ينقص الأقليّات في العراق غير قانون يمنهج التعدّي على حقوقهم. هذا ما مثّله قانون البطاقة الوطنيّة الذي صوّت عليه مجلس النوّاب في 27 تشرين الأوّل/أكتوبر 2015. توّج هذا القانون حركة تناقص أعداد الأقلّيّات في العراق إلى حدود دنيا، إذ تكفّلت المجازر والاعتداءات المنظّمة في هجرة الغالبيّة العظمى منها، وتشير التوقّعات الإحصائيّة إلى خلوّ البلد منها في القريب العاجل، تماماً مثلما حدث لنظرائها اليهود في الماضي. وكان متوقّعاً من المشرّع العراقيّ أن يأخذ في الحسبان هذه الحقيقة التي تسيء إلى نظامه السياسيّ، ويشرّع قانوناً لحماية وجودها في البلد ويحميها من تعدّي الأكثريّة وهيمنتها السياسيّة.

لكن حدث العكس... فماذا حدث بالضبط؟

الحقيقة أنّ هذا القانون جاء من منطلق تسهيل المعاملات الإداريّة للمواطن العراقيّ، إذ يمنحه هويّة موحّدة بدلاً من هويّات لإنجاز معاملاته التي يحتاج إليها في المؤسّسات الحكوميّة. فإذا بالقانون يتدخّل في تفاصيل غير مرتبطة بالهدف الأصليّ، منقلباً إلى شكل من أشكال التمييز ضدّ الأقلّيّات غير المسلمة.

جاء في المادة 26 من القانون، أمران يؤسّسان لتمييز منهجيّ ضدّ الأقلّيّات، من شأنه أن ينهي وجودها الضئيل في البلد، إذ نصّت على ما يأتي:

"أوّلاً- يجوز لغير المسلم تبديل دينه وفقاً للقانون.

ثانياً- يتبع الأولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلاميّ من الأبوين".

تعني هاتان الفقرتان أنّ عمليّة تغيير الدين تجوز من طرف واحد فقط، أيّ أنّ غير المسلم يمكنه أن يصبح مسلماً بحسب القانون، ولا يجوز العكس، وأنّ الأولاد يتبعون الطرف المسلم من أبويهم قسراً، أي إذا أسلم أحد الأبوين، يعتبر القانون الأولاد مسلمين تلقائيّاً.

أثار هذا القانون استياء الأقلّيّات الدينيّة كلّها واعتراضها. فقد علّق نوّابها حضورهم في جلسات البرلمان احتجاجاً. وقد صرّح النائب المسيحيّ يونادم كنا في مؤتمر صحافيّ عقده في يوم التصويت على القانون في مبنى البرلمان في حضور باقي ممثّلي الأقليّات أنّ "المادّة 26 مجحفة ولا تنسجم مع مبادئ الدستور وتخرق مواده... وأنّها تسلب إرادة الإنسان في إيمانه ودينه وعقيدته، على عكس ما يؤكّده الإسلام أنّ لا إكراه في الدين".

في السياق نفسه، أعرب بطريرك الكلدان في العراق والعالم لويس روفائيل الأوّل ساكو في بيان أصدره في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر عن أسفه للتصويت على المادّة، قائلاً: "كنّا قد قدّمنا طلباً بتعديل القانون قبل أشهر، إلى مجلس النوّاب العراقيّ لسعينا إلى تحقيق العدالة والمساواة، لكنّ قرارهم جاء مجحفاً بحقّ الأقلّيّات غير المسلمة". ويضيف: "يعدّ ذلك تراجعاً مؤسفاً عن مبدأ التعدّدية واحترام التنوّع والخصوصيّة".

الواقع أنّ الأقلّيّات نظّمت مع جماعات مدنيّة وديمقرلطيّة مظاهرات وتجمّعات احتجاجيّة عدّة ضدّ هذا القانون في مختلف مناطق العراق.

إزاء ذلك، عقدت مؤسّسة مسارات المتخصّصة في حماية الأقلّيّات في العراق مؤتمراً احتجاجيّاً ضدّ المادة 26 في مقرّ المندائين في بغداد، حضره ممثّلون عن مختلف الأقلّيّات الدينيّة العراقيّة. وفي كلمة خصّ بها "المونيتور"، قال رئيس المؤسّسة سعد سلوم إنّ "الأقلّيّات تشعر بأنّ هناك سياسة تمييز ممنهجة ومتكاملة ضدّها، وبأنّ ما يقوم به المشرّع العراقيّ هو إكمال لمسيرة "داعش" في فرض الديانة الإسلاميّة على الأقلّيّات، وإخلاء البلد منها على المدى القريب".

ويشير ممثّل الإيزيديّين في المجلس العراقيّ لحوار الأديان صائب خدر إلى حقيقة مثيرة، وهي أنّ القانون الجديد مستنسخ من قانون صدر في عهد صدّام حسين. وقال لـ"المونيتور" إنّ "ما يحدث هو استمرار لسياسة التمييز ضدّ الأقلّيّات منذ عهد البعث، إذ استنسخ قانون البطاقة الوطنيّة الجديد نصّ ما جاء في قانون الأحوال المدنيّة رقم 65 لسنة 1972 الذي يقول: "يتبع الأولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلاميّ من الأبوين".

إنّ أولئك الذين طالموا ناضلوا ضدّ نظام صدّام، لأنّه لم يمنحهم حقوقهم الدينيّة يعيدون إنتاج قوانينه التمييزيّة اليوم. ويصف خدر القانون الجديد بأنّه "يمثّل انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان وموادّ عدّة من الدستور العراقيّ، منها ما جاء في المادّة الثانية أنّ الدستور "يضمن كامل الحقوق الدينيّة لجميع الأفراد في حريّة العقيدة والممارسة الدينيّة"، والمادّة 42 أنّ "لكلّ فرد حريّة الفكر والضمير والعقيدة".

لقد وجد الكثير من الناشطين في الحقوق المدنيّة أنّ المشرّع العراقيّ قام بعكس ما يتوقّع منه في الظروف العراقيّة المعروفة، لأنّ القانون يجب أن يقوم بتطبيق تمييز إيجابيّ لصالح الأقلّيّات في حالات وجود احتمال للتهميش والتمييز أو التهديد بالانقراض، وهذا واقع فعلاً في الوضع العراقيّ، نظراً إلى الحقائق الآتية:

أولاً- إنّ المناطق الأصليّة للأقلّيّات قد وقعت تحت سلطة "داعش" منذ حزيران/يونيو 2014.

ثانياً- إنّ معظم أفرادها غادروا البلد والباقي مهجّر في مختلف مناطق العراق.

ثالثاً- إنّ الحكومة العراقيّة غير قادرة على تأمين الأمن والحياة الكريمة لهذه الأقلّيّات.

ومن الملفت للنظر أنّ المادّة المثيرة للجدل لا تعدّ ضرورة دينيّة متّفق عليها، حيث يؤدّي حذفها إلى مخالفة التعاليم الإسلاميّة، إذ كان من الممكن ألّا تشتمل البطاقة الوطنيّة على حقل الدين أساساً، وهي الحالة الأنسب للوضع العراقيّ المتفاقم طائفيّاً. كما أنّ هناك خيارات قانونيّة أخرى مثل تعليق حالة الأطفال في العوائل المختلطة دينيّاً حتّى بلوغهم سنّ الرشد، عندها يمكنهم اختيار الدين حسب الرغبة.

في كلّ الأحوال، بات وضع الأقلّيّات في العراق مع هذا القانون في أخطر مستواه تاريخيّاً. ويمكن القول إنّ الأقلّيّات باتت في رمقها الأخير في بلد لم يقدّم إليها الحماية والحقوق والحريّات الأساسيّة. وما يثير التساؤل أنّ الحكومة العراقيّة في كلّ مستوياتها غير مدركة خطورة الحالة التي تعيشها هذه الأقلّيّات، والعواقب الاجتماعيّة والإنسانيّة الخطيرة لزوال وجودها الإنسانيّ والحضاريّ من البلد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : yazidis, religious minorities, minorities, law, iraqi christians, identity, discrimination, chaldeans

علي المعموري هو باحث وكاتب متخصص في الدين. وهو كان مدرس في الجامعات الإيرانية والحوزات في إيران والعراق. وقد نشرت له العديد من المقالات ذات الصلة بالشأن الديني في البلدين والتحولات المجتمعية والطائفية في الشرق الأوسط.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept