نبض فلسطين

حماس تعتبر نتائج الانتخابات التركيّة تعزيزاً لحضورها الإقليميّ

p
بقلم
بإختصار
لم تخف حماس فرحتها الغامرة بالفوز الكبير الذي حقّقه حزب العدالة والتنمية في تركيا في الأيّام الأخيرة، واعتبرته إشارة إيجابيّة جديدة لفتح مزيد من العلاقات الدوليّة والإقليميّة من خلال حليفها الأوثق المتمثّل في الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان الذي تبادل التهاني مع قادة حماس بنتائج الانتخابات.

فيما تنشغل بيوميّات الانتفاضة في الأراضي الفلسطينيّة، منحت حماس مساحة جيّدة من وقتها لمتابعة الانتخابات التركيّة في 1 تشرين الثاني/نوفمبر، التي أظهرت تحقيق حزب العدالة والتنمية فوزاً كبيراً، وصلت نسبته إلى 49.41%، ممّا يتيح له تشكيل حكومة بمفرده.

وقد اتّضحت متابعة حماس للانتخابات التركيّة في نقاشات أعضائها على الـ"فايسبوك" وشبكة فلسطين للحوار التابعة إلى حماس في 2 تشرين الثاني/نوفمبر، واستشراف تأثير الانتخابات على مواقف تركيا من القضيّة الفلسطينيّة.

أوّل المهنّئين

في يوم الانتخابات ذاته، سارع رئيس المكتب السياسيّ لحماس خالد مشعل، إلى إجراء اتّصالين منفصلين بالرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان، ورئيس وزرائه أحمد داود أوغلو، وتهنئتهما بنجاح الانتخابات. وفي اليوم ذاته، اتّصل اسماعيل هنيّة نائب رئيس المكتب السياسي لحماس بأردوغان لتهنئته، معتبراً أنّ أصداء الفوز انعكست في فلسطين والقدس وغزّة. وأبلغه أردوغان أنّه سيبحث الانتهاكات الإسرائيليّة للمسجد الأقصى خلال قمّة العشرين للدول الكبرى في مدينة أنطاليا التركيّة في 15 الشهر الجاري.

كشف العضو في حزب العدالة والتنمية محمّد غول في 3 تشرين الثاني/نوفمبر أنّ حماس في غزّة هي أوّل من هنّأ حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، ولاقى ذلك ترحيباً تركيّاً كبيراً، وأنّ الحكومة التركيّة ستنشئ وزارة الشرق الأوسط، للاهتمام أكثر بالشؤون الفلسطينيّة والسوريّة وأحوال المنطقة العربيّة.

كما أصدرت حماس في 1 تشرين الثاني/نوفمبر، بياناً رسميّاً وصل "المونيتور" نسخة منه، دعت فيه تركيا إلى نصرة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته حتّى الحريّة والتحرير، واصفة تركيا بأنّها عاصمة الخلافة الإسلاميّة.

واعتبر عضو المكتب السياسيّ لحماس المقيم في الدوحة عزّت الرشق لـ"المونيتور" أنّ "فوز حزب العدالة والتنمية في تركيا، يمثّل انتصاراً لفلسطين والقدس والمسجد الأقصى، وهديّة من الشعب التركيّ إلى فلسطين وإلى كلّ القضايا العادلة في العالم، وحماس تهنّئ الرئاسة والحكومة والشعب والأحزاب التركيّة، بإتمام خيارها الديمقراطيّ الحضاريّ بكلّ نزاهة وشفافية، وتبارك لها العدالة الراسخة".

ملاحظتان هامّتان جديرتان بالتوقّف عندها لدى قراءة تعامل حماس مع الانتخابات التركيّة، وفوز حزب العدالة والتنمية، أولهما أنّ قادة الحركة كانوا أوّل من اتّصلوا بأردوغان وأوغلو لتهنئتهما بالنتائج، وسبقوا جميع زعماء العالم في ذلك، ممّا يبرز حجم السعادة والترحيب الذي شعرت به حماس بفوز حلفائها الأتراك، حتّى أنّ قادتها هنّأوا نظراءهم الأتراك قبل إعلان النتائج النهائيّة الرسميّة، التي ظهرت في اليوم التالي في 2 تشرين الثاني/نوفمبر، ورغم أن العادة السياسية جرت بأن تتم التهنئة بعد إعلان النتائج رسمياً، لكن حماس ربما كانت متأكدة من فوز حزب العدالة والتنمية، كما كانت تشير بذلك عمليات الفرز الأولية التي بدأت مساء يوم الانتخابات.

الملاحظة الثانية المهمّة هي أنّ حماس كانت الوحيدة من الفصائل الفلسطينيّة التي هنّأت تركيا بالانتخابات، حيث لم يصدر أيّ فصيل فلسطينيّ بيان تهنئة، ممّا يشير إلى قناعة قد تكون متوافرة لهذه الفصائل بأنّ ما يربط حماس وتركيا تحالف من نوع خاصّ، قد لا يسري على باقي الفصائل التي التزمت الصمت إزاء الانتخابات، باستثناء تهنئة رئاسيّة قدّمها الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس إلى نظيره التركيّ في 2 تشرين الثاني/نوفمبر.

ورأى الناطق باسم حماس في غزّة سامي أبو زهري في حديثه إلى "المونيتور" أنّ "القيادة التركيّة الفائزة في الانتخابات مدعوّة إلى تسخير فوزها لخدمة القضيّة الفلسطينيّة، خصوصاً قضيّة القدس والوضع في غزّة، لأنّ الانتصار الكبير في الانتخابات التركيّة، هو انتصار للقضيّة الفلسطينيّة، قبل أن يكون انتصاراً لتركيا".

الأمر اللافت أنّ وسائل الإعلام التابعة إلى حماس، كفضائيّة الأقصى وصحيفة فلسطين، أبدت اهتماماً مميّزاً بالانتخابات التركيّة، وتابعتها ورصدت نتائجها أوّلاً بأوّل، ونشرت عبر مواقعها الإلكترونيّة صوراً كبيرة لأردوغان ولاحتفالات أنصار حزب العدالة والتنمية، ووثّقت ردود الأفعال التركيّة والعربيّة والدوليّة، ممّا يجعل طرح السؤال منطقيّاً عن سبب احتفاء حماس بهذه الطريقة المبالغ بها بنتائج الانتخابات التركيّة.

الإقليم المضطرب

حاول وزير الإعلام السابق في حكومة حماس يوسف رزقة في حديثه إلى "المونيتور" الإجابة عن هذا السؤال بقوله: "بهذه النتائج خرجت تركيا من الأزمات التي تربّصت بها بفعل التدخّلات الخارجيّة، وبالذات الإسرائيليّة، التي انحازت إلى خصوم حزب العدالة. واليوم بعد هذه الانتخابات، بات على إسرائيل استرضاء تركيا لحلّ أزمة سفينة مرمرة، ويمكن القول إنّ محور تركيا والسعوديّة وقطر صار أقوى، وتركيا أكثر تمسّكاً برفضها الانقلاب في مصر، ولاعباً قويّاً في الملفّ السوريّ، وأكثر وحدة في مواجهة الحركة الكرديّة الانفصاليّة، وتنظيم الدولة".

لعلّه لا يغيب عن حماس حالة التوتّر الشديدة بين تلّ أبيب وأنقرة، بسبب الخلاف حول حصار غزّة منذ عام 2007، والجهود التركيّة لرفعه، كما أعلن ذلك "ياسين أقطاي" مستشار رئيس الوزراء التركي ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية، بتاريخ 16 أغسطس، وهو ما دفع بمشعل إلى الإشادة بها خلال زيارته أنقرة يوم 13 أيلول/سبتمبر الماضي، والحركة تحاول استغلال ما ترى أنّه رغبة إسرائيليّة في تحسين العلاقة مع الأتراك للضغط عليها لرفع حصار غزّة كليّاً.

وقد أبلغ مستشار أردوغان أرشاد هرموز "المونيتور" بأنّ "تركيا ستبقى إلى جانب الشعب الفلسطينيّ وتدافع عن حقوقه، ولن تتخلّى عن دورها تجاهه، لأنّ القضيّة الفلسطينيّة كانت موجودة في تحضيرات الانتخابات التركيّة، وشكّلت القضيّة المحوريّة في خطابي أردوغان وأوغلو، والموقف التركيّ يعتبر رفع الحصار عن غزّة شرطاً لإعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل".

ربما تتمنّى حماس بعد هذا الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية، أن توقف تركيا اتّصالاتها بإسرائيل، وتتبنّى خطابها السياسيّ ضدّها، لكنّ هذه الأمنية قد لا تجد قبولاً عند الأتراك، بمن فيهم أردوغان، الذي لا يضيّع فرصة إلّا ويهاجم إسرائيل، لأنّه في النهاية ملتزم بمصالح بلاده، التي تتطلّب إبقاء شعرة معاوية مع الجميع، بمن فيهم إسرائيل.

في الوقت ذاته، تبدو حماس مدعوّة إلى قراءة علاقتها بتركيا الجديدة بعد الانتخابات، انطلاقاً من التطوّرات الإقليميّة المتلاحقة، وآخرها التدخّل الروسيّ في سوريا يوم 30 أيلول/سبتمبر، ممّا قد يتطلّب تعاوناً إقليميّاً لمواجهة الوضع الناشئ في المنطقة، بما فيها مواجهة تنظيم الدولة الإسلاميّة، وقد تحتّم على تركيا وإسرائيل الانخراط في هذا التعاون، وهنا قد تبحث حماس عن موقعها في هذا المشهد الإقليميّ المعقّد.

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

ابق على اطّلاع
بأحدث المستجدّات
تسجّل في نشرتنا الإخباريّة

 

مقالات مشابهة

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X