التدخّل الروسيّ في سوريا قد يؤدّي إلى حصار جديد على حلب

لم يكن حصار حلب الثاني مجرّد قصّة حزينة عن مدينة سوريّة عظيمة.

al-monitor .

المواضيع

syrian civil war, russia’s syria policy, jihadists, humanitarian crisis, food security, displacement, aleppo

نوف 8, 2015

انتهى الحصار الثاني على حلب بعد حوالى أسبوعين من بدايته وفي الوقت المناسب لتفادي كارثة إنسانيّة كبيرة. فعلى مدى 12 يوماً، عاش مليونا شخص تقريباً من سكّان المدينة الخاضعة لسيطرة الحكومة – والذين كان عدد كبير منهم قد نزح من مناطق داخليّة أخرى – في حرمان تامّ. فقد كان ممنوعاً دخول الطعام أو الوقود أو الأدوية أو حتّى الأشخاص إلى المدينة أو خروجهم منها.

ومع أنّها لم تكن المرّة الأولى التي تعاني فيها حلب من حصار مماثل، إلا أنّ هذه المرّة كانت أكثر مأساوية بكثير. فالطريق الوحيدة التي تصل غرب حلب ببقيّة أنحاء سوريا الخاضعة لسيطرة الدولة – وببقيّة العالم – هي طريق ضيّقة ومتعرّجة تسمّى طريق خناصر.

وفي خطوة تنذر بما يمكن أن يحصل بعد كنتيجة للتدخّل العسكريّ الروسيّ، تعاون الجهاديّون الذين كانوا في السابق أعداء لدودين لقطع الطريق. فبينما نفّذ تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) هجمات من خلال سيّارات مفخّخة وسيطر على مسافات طويلة من الطريق بالقرب من بلدة أثريا، نفّذت جبهة النصرة وفصائل إسلاميّة أخرى هجوماً على مدخل مدينة حلب في الراموسة. وكان الجيش السوريّ وقوّاته الحليفة في حالة تأهّب جنوبي المحافظة، وتمكّن من التقّدم في الأراضي الخاضعة لسيطرة كلّ من داعش والثوّار، بدعم من ضربات جويّة روسيّة يوميّة. هذا الخطر الوجوديّ المشترك هو الذي أقنع المجموعات الجهاديّة بوضع خلافاتها جانباً، أقلّه موقّتاً، وهو ينذر بنزعة جديدة ومثيرة للقلق.

فكما هو الوضع حالياً، ساهم التدخّل الروسيّ في حلب بشكل كبير في دعم القوّات الحكوميّة وتمكينها من السيطرة على أراضٍ استراتيجيّة على جبهات بقيت متعثّرة لفترة طويلة. وفي الجنوب الشرقيّ، تحاول هذه القوّات التقدّم باتّجاه مطار كويرس العسكريّ الذي يحاصره داعش. وسيشكّل الوصول إليه دفعاً معنوياً كبيراً بالنسبة إلى القوّات الموالية ومؤيّديها، بعد سقوط مطار طبقة المحاصر في الرقة في أيدي داعش السنة الماضية ومقتل غالبيّة الأسرى الذين كانوا يدافعون عنه. وفي الجنوب الغربيّ، حاولت القوّات الحكوميّة التقدّم باتّجاه الأراضي الخاضعة لسيطرة الثوّار بهدف الوصول إلى طريق دمشق السريع. وتُعتبر السيطرة على هذا الشريان الحيويّ وإعادة فتحه من الأهداف الاستراتيجيّة طويلة الأمد للحكومة السوريّة التي نفّذت هجوماً في حماة باتّجاه إدلب بهدف تحصين الطريق جنوباً.

ولا شكّ في أنّ السوريّين منقسمون اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى آرائهم بشأن التدخّل الروسيّ في النزاع السوريّ. فمؤيّدو النظام يعتبرون روسيا حليفتهم ومنقذتهم فيما يعتبرها مؤيّدو الثوّار والمعارضة قوّة محتلّة تدعم نظاماً قمعيّاً. لكنّ عدداً كبيراً من السوريّين يعتبرون التدخّل الروسيّ تعقيداً آخر سيطيل مدّة النزاع.

لقد أدّى قطع طريق خناصر إلى الشحّ وإلى ارتفاع مفاجئ في الأسعار. وما كان من الأساسيّات بات ترفاً ينشده الجميع. فقد أقفلت محطّات الوقود بعد نفاد الوقود فيها، وسرعان ما أصبحت شوارع حلب فارغة بشكل مخيف لأنّ الناس ركنوا سيّاراتهم وباتوا يتنقّلون سيراً على الأقدام، قاطعين مسافات طويلة أحياناً. فمشى الطلاب والأساتذة إلى قاعات الدرس، وأصحاب المتاجر إلى متاجرهم، والأطباء إلى عياداتهم، والموظّفون إلى مكاتبهم – مشوا جميعاً جنباً إلى جنب وجوههم مكفهرّة وعيونهم مسمّرة في الأرض بقلق. تأمّل كلّ واحد منهم في همومه الشخصيّة بينما تسارعت في ذهنه أفكار سوداويّة عن الخوف من الحياة اليوميّة وعبئها في منطقة تمزّقها الحرب، قارئاً المأساة نفسها أحياناً في أعين المارّة. وما زاد الجوّ كآبة هو صوت الطلقات الناريّة والمتفجّرات التي باتت من المسلّمات منذ أربع سنوات تقريباً في هذه المدينة التي دمّرتها الحرب.

وانخفضت مدّة تشغيل مولّدات الكهرباء المشتركة الخاصّة التي كانت المصدر الوحيد للكهرباء في المدينة بغية الحفاظ على كمية الوقود المتبقّية، فغرقت أحياء بكاملها في الظلمة على مدى أيّام عدّة في الوقت نفسه. وفي غياب الكهرباء، انقطعت الماء أيضاً واضطرّ السكّان إلى سحب الماء من الآبار. وساد خوف من نفاد احتياطات الوقود الاستراتيجيّة في مستشفيات المدينة الرئيسيّة، ما أجبر المستشفيات على إقفال أبوابها أو عدم استقبال المصابين الذين يصلون إليها يومياً وهم على شفير الموت.

وبحسّ الفكاهة السوداء الذي ميّز ردّ فعل الحلبيّين على النزاع المروّع في مدينتهم، لجأ هؤلاء إلى وسائل التواصل الاجتماعيّ للتنفيس عن مشاعرهم ومشاركة قصصهم تحت الحصار. وبات على "فيسبوك" "مشاهير صاعدون" من حلب يروون قصصاً عن مدينة مترنّحة ومضطربة، مع القليل من بوادر الأمل والتحدّي هنا وهناك. وفي إحدى القصص، يروي شابّ بأسلوب حماسيّ وشيّق كيف "هرّب" كيس فاكهة صغيراً أعطاه إيّاه والداه من المدينة إلى منزله. ونشر أشخاص صوراً لخواتم زواج استبدلوا فيها حبّة الماس بطماطم، في إشارة إلى ثمن هذه الفاكهة المرغوبة الباهظ. ونشر شخص آخر بطريقة ساخرة صورة لبرتقالة للبيع أرفقها بالجملة الآتية: "في حالة ممتازة، بالكاد مستعملة، تذهب إلى المزايد الذي يعرض أعلى ثمن".

وإلى جانب حسّ الفكاهة، تمحورت الأحاديث اليوميّة في المدينة حول موضوعين فقط هما الشحّ والرحيل. فسأل الناس بعضهم البعض: "ألم تغادر بعد؟ فلان غادر. ما الذي تنتظره؟" ومع أنّ رفع الحصار كان مصدر راحة للسكّان، إلا أنّ الاحتفالات لن تدوم طويلاً. فالمشاكل الكامنة لم تزل، ومن المحتمل فرض حصار مميت آخر قريباً.

ويبدو أنّ سكّان هذه المدينة العظيمة يهاجرونها شيئاً فشيئاً بعد أن فقدوا الأمل في مستقبل أفضل فيها. وبدأ السكّان الذين كانوا قد قرّروا مواجهة الحرب يغيّرون رأيهم. فمع انعدام الأمل في حلّ سياسيّ أو عسكريّ قريب، بدأ الاقتصاد يتزعزع وأصبحت الحياة سلسلة من الكفاحات المستمرّة واليائسة لتخطّي الأزمة تلو الأخرى. فقد اكتفى الناس ولم يعودوا قادرين عن التحمّل. وتزداد أعداد السكّان الذين يغادرون المدينة التي تنزف حياة وثقافة مع رحيل سكّانها بقلوب مثقلة وانضمامهم إلى قوافل السوريّين الذين يهاجرون أرضهم القديمة لكن المكسورة. إنّ حصار حلب ليس مجرّد قصّة حزينة عن مدينة واحدة، بل هو ملحمة مأساويّة عن أمّة بكاملها على شفير الاندثار. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو