أما زالت روسيا تسعى إلى حلّ سياسيّ في سوريا على الرغم من الضربات الجويّة؟

يبدو أنّ روسيا تفكّر في حلول سياسيّة متعدّدة للأزمة السوريّة تشمل ربّما حلاً من دون الرئيس السوريّ بشار الأسد.

al-monitor .

المواضيع

sunni-shiite conflict, saudi arabia, russian involvement syrian crisis, israeli interests, iranian mediation of syrian crisis, is, fsa, bashar al-assad

أكت 12, 2015

في الأيّام الأخيرة، بدا واضحاً أنّ روسيا تسعى جاهدة إلى إيجاد حلّ سياسيّ للأزمة السوريّة بينما تستمرّ في حملتها الجويّة ضدّ مواقع تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) وجبهة النصرة في سوريا. ويقول بعض المحلّلين إنّ موسكو بدأت تميل إلى "فكرة أن يشمل حلّ سياسيّ للمنطقة سوريا ما بعد الأسد"، كما كتب نيكولاي كوزهانوف من مركز "كارنيغي موسكو" بشأن الرئيس السوريّ بشار الأسد.

وتعتبر روسيا أنّ ما تفعله لا يخدم مصالح الشيعة والأقليات غير المسلمة في الشرق الأوسط فحسب، بل أيضاً مصالح العالم الإسلاميّ بكامله، بما في ذلك الأكثريّة السنيّة التي ينتمي إليها 20 مليون مسلم روسيّ. وعلى مرّ السنين، في أجزاء مختلفة من شمال القوقاز ومنطقة فولغا، كان ضحايا هؤلاء الإرهابيّين الذين يحاولون غسل أدمغة المسلمين مؤمنين عاديّين وأئمّة ومفتين وعلماء دين بارزين. وقد تخطّى عدد المسلمين الشبّان الذين خُدعوا عبر الانترنت وانضمّوا إلى صفوف داعش "الخطّ الأحمر".

ويبدو أنّ موسكو لم تتوقّع أن يكون ردّ فعل الرياض سلبيّاً إلى هذه الدرجة تجاه الحملة العسكريّة الروسيّة ضدّ الجهاديّين في سوريا، باعتبار أنّهم يهدّدون أمن المملكة بقدر ما يشكّلون خطراً على أمن روسيا. ولطالما كان النظام السعوديّ أحد الأهداف الرئيسيّة لهؤلاء المتشدّدين الإسلاميّين. لكنّ التعاون الوثيق مع إيران، الذي لما كانت الحملة العسكريّة فعّالة من دونه، أثار حفيظة النظام السعوديّ، خصوصاً الدينيّ، الذي يهاجم موسكو. مع ذلك، يدعم عدد من المواطنين السعوديّين خطوات موسكو الهادفة إلى إضعاف أحد أعداء المملكة، ألا وهو داعش.

من جهة أخرى، يعتبر البعض أنّ الضربات الجويّة الروسيّة تعزّز تدفّق المقاتلين إلى صفوف المتشدّدين. لكنّ روسيا تسعى إلى إثبات العكس. ومن المهمّ أن تشرح موسكو الأهداف الروسيّة، خصوصاً للأكثريّة السنيّة في العالم الإسلاميّ، وأن تمنع المتطرّفين الذين يعوّلون على التضامن السنيّ من إثارة المشاعر المناهضة لروسيا. وما يصبّ في مصلحة روسيا هو أنّه يستحيل التشكيك في أنّها تسعى إلى تحقيق أهداف دينيّة، على عكس حلفائها في "حلف بغداد"، ولا سيّما إيران. فالكرملين لا يريد التدخّل بأيّ شكل من الأشكال في أيّ مواجهة بين المسلمين، خصوصاً أنّ الشعب الروسيّ يضمّ مسلمين ينتمون جميعهم إلى المذهبين الحنفي والشافعي.

بالإضافة إلى ذلك، لم تطمح روسيا يوماً إلى "السيطرة" في دمشق، ويبدو ذلك بديهياً في تعنّت الأسد مع موسكو في ما يتعلّق بالمسائل المرتبطة بالمفاوضات مع المعارضة. وعلى موقع "شبيغل أونلاين" الإلكترونيّ، كتب كريستوف رويتر أنّ الأسد طلب من روسيا مساعدته لاحتواء الإيرانيّين، مجازفاً في "إثارة مواجهة بين القوّتين اللتين تؤمّنان له الحماية". لكن ألا يبدو ذلك معقّداً قليلاً؟

مع ذلك، ما زالت موسكو تتعرّض لاتّهامات تتعلّق بالانحياز الدينيّ، خصوصاً من العواصم العربيّة. وهي تواجه حرب معلومات ضروساً تقوم على التزوير والتحريف. ففي صحيفة "الشرق الأوسط"، قدّم رياض السيد نظريّة عن "الحروب المقدّسة الأجنبيّة [الأربع] ضدّ العرب" التي تجمع "المستعمرين الصهاينة اليهود والإيرانيّين المبشّرين بالطائفة الشيعيّة" وجهاديّي داعش والأرثوذكسيّة الروسيّة.

وبحسب هذه النظريّة، فيما تعارض الأكثريّة الساحقة من الروس السياسات الإسرائيليّة تجاه الفلسطينيّين – الذين لطالما دعمتهم روسيا – تقدّر حياد الحكومة الإسرائيليّة في الأزمة الروسيّة وتحرّكات روسيا في المنطقة. وقد أكّد المسؤولون الروس لإسرائيل أن لا أعمال عنف ستصدر ضدّ الدولة اليهوديّة من الأراضي السوريّة التي تعمل فيها روسيا وحلفاؤها.

في الوقت نفسه، وكما جاء في افتتاحية في صحيفة "جيروسالم بوست" في 9 تشرين الأول/أكتوبر، "على إسرائيل أن تتوخّى الحذر لئلا تظهر وكأنّها تعمل مع موسكو ضدّ المعارضة السوريّة". في كلّ الأحوال، لا تنوي موسكو العمل ضدّ المعارضة السوريّة، خصوصاً بالتعاون مع إسرائيل. ولا تريد موسكو من إسرائيل سوى البقاء على الحياد في سوريا، علماً أنّ المحلّلين الروس يتابعون وجهات النظر في الإعلام الإسرائيليّ. في هذا السياق، كتب الصحافيّ أموتس أسايل: "إذا برزت روسيا بالفعل كراعية سياسيّة لسوريا ما بعد الحرب، فقد تتمكّن من السيطرة على أعداء إسرائيل الشماليّين".

ويتوقّع المحلّلون الروس أن يتمكّن الجيش العربيّ السوريّ من طرد الإرهابيّين بدعم من قوّات الدفاع الجويّة الروسيّة، متسائلين إلى أين يمكن أن يفرّ مقاتلو داعش. فقد يتغلغلون في السكّان المحليّين أو يذهبون إلى المناطق العراقيّة الخاضعة لسيطرتهم أو ينتقلون إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. كيف يمكن منعهم من الذهاب إلى آسيا الوسطى وإلى روسيا؟

قبل بضعة أيّام، عشية هجوم واسع النطاق للجيش السوريّ، أعلنت وزارة الخارجيّة الروسيّة – في محاولة لتجنّب الانتقادات بشأن قصف روسيا المعارضة المعتدلة – أنّها مستعدّة للتواصل مع الجيش السوريّ الحرّ. وقد تكون الوزارة أيضاً مستعدّة لمناقشة احتمال إشراك الجيش السوريّ الحرّ في "إنشاء ظروف لبدء عمليّة التوصّل إلى تسوية سياسيّة للأزمة السوريّة من خلال مفاوضات بين الحكومة السوريّة والمعارضة الوطنيّة".

في الوقت نفسه، لم تُحسم بعد مسألة تعريف المجموعات المعارضة "الوطنيّة" والمجموعات غير الوطنيّة. وتتضارب آراء الخبراء الروس حول هذا الموضوع. فيعتبر البعض إنّ أيّ مجموعة تنفّذ عمليّات عسكريّة ضدّ الحكومة السوريّة الشرعيّة ينبغي القضاء عليها، ولا يمكن التحاور إلا مع الخصوم الذين يعدلون عن النزاع المسلّح. ويعتبر البعض الآخر إنّه باستثناء داعش وجبهة النصرة، المدرجين على لائحة المنظّمات الإرهابيّة، يمكن تنفيذ ضربات جويّة ضدّ المجموعات التي تحارب بالتحالف معهما ليس إلا. ويشير تفسير آخر إلى أنّه من الضروريّ التحاور أيضاً مع بعض المجموعات المسلّحة وحضّها هي والحكومة على البدء بالتفاوض.

واعتبر بوتين ووزير الخارجيّة سيرغي لافروف الجيش السوريّ الحرّ شريكاً محتملاً في الحوار، ما يشكّل خطوة باتّجاه اعتماد مقاربة مختلفة بشأن المعارضة المسلّحة. وما زال غير واضح إن كانت مجموعات أخرى ستُضاف إلى الحوار. وتتماشى هذه المقاربة مع موقف موسكو بشأن تعزيز عمليّة السلام في سوريا، توازياً مع العمليّات التي تنفّذها قوّاتها الجوية والبحرية، ودعم دمشق بالكامل في محاربة الإرهاب.

وتعلّق موسكو آمالاً كبيرة على خطّة المبعوث الخاصّ للأمم المتّحدة ستافان دي ميستورا المتعلّقة بمحادثات السلام والتي تواجه تحدّيات كبيرة. ولا يستثني الكرملين استئناف بعثة الوساطة التي تشمل محاولة عقد اجتماع ثالث في موسكو قريباً لممثّلي المعارضة والمجتمع المدنيّ والمسؤولين الحكوميّين. ولا ينبغي اعتبار هذا الاجتماع بديلاً عن خطّة دي ميستورا أو حتّى جنيف 3، فروسيا تشدّد على التزامها ببيان جنيف الصادر في 30 حزيران/يونيو 2012، وتؤيّد إجراء محادثات جديدة في جنيف. ويعتبر الخبراء الروس أنّ دمشق، ونظراً إلى ثقتها المتجدّدة، ستكون أكثر تجاوباً من قبل مع مطالب موسكو – التي تدين لها بالكثير – المتعلّقة بتطبيق الإصلاحات وبدء المفاوضات مع المعارضة الوطنيّة.

وما من دليل على وقوع إصابات مدنيّة نتيجة الضربات الجويّة الروسيّة. لكنّ الحوادث المأساويّة في اليمن وأفغانستان – التي سقط فيها مدنيّون أبرياء ضحايا القصف – أظهرت للأسف أنّه ما من قوّات عسكريّة معصومة عن الخطأ، بما في ذلك تلك التي تستخدم الأسلحة الأكثر حداثة وتطوراً. ويكمن التحدّي في اختيار استراتيجيّة تحول دون وقوع هذا النوع من الحوادث قدر المستطاع. وقد أشار الجيش الروسيّ ومسؤولون آخرون مراراً وتكراراً إلى أنّ الضربات الجويّة تستثني المنشآت التي يسكنها مدنيّون، علماً أنّ مصادر مختلفة تتحقّق مرّات متعدّدة من البيانات المتعلّقة بمنشآت الإرهابيّين العسكريّة والصادرة من الجانب السوريّ.

هل ستساعد هذه الجهود كلّها روسيا على التوصّل إلى تسوية سياسيّة من أجل سوريا؟

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

المزيد من فيتالي نومكين

بودكاست

فيديو