المساجد الوهميّة في مصر... الصلاة على ركام الفساد

كشفت وزارة الأوقاف المصريّة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عن تورّط مسؤولين في مديريّة الأوقاف في المنيا في ضمّ أكثر من ٥٠ مسجداً وهميّاً عبارة عن جدران وغرف مغلقة، لاستغلالها فى تعيين ٣ عمّال في كلّ مسجد منذ عام ٢٠٠٩، مقابل الحصول على رشاوى، ممّا كشف عن قدم الأزمة وتفاقمها داخل الوزارة مع تغيّر قياداتها.

al-monitor .

المواضيع

mosques, ministry of religious endowments, fraud, egyptian workers, egyptian politics, egyptian parliament, egyptian economy

أكت 22, 2015

القاهرة - النصب على وزارة الأوقاف المصريّة باسم المساجد الوهميّة، حلقة مثيرة للجدل تعمل وزارة الأوقاف المصريّة على محاربتها بعد الكشف عن ربع مليار جنيه خسائر و5 آلاف عامل وهميّ في تلك المساجد التي لا وجود لها في عام 2012 وقت تولي الدكتور طلعت عفيفي للوزارة. فهي عبارة عن جدران تبنى وتوضع عليها لافتة تحمل اسم مسجد من دون أن تعقد فيها صلاة أو أي شعائر دينيّة بهدف تعيين عمّال يتقاضون رواتب من وزارة الأوقاف من دون عمل. وانتهت باكتشاف 50 مسجداً وهميّاً في المنيا في 27 سبتمبر الماضي لاستغلالها فى تعيين ٣ عمّال في كلّ مسجد منذ عام ٢٠٠٩، مقابل الحصول على رشاوى.

ففي شباط/فبراير 2009، استدعت مباحث الأموال العامّة عدداً من مقدّمي البلاغات والشكاوى ضدّ قيادات ومسؤولين فى وزارة الأوقاف، لاتّهامهم بالحصول على رشاوى وعمولات وضمّ مساجد وزوايا وهميّة. مقدمو البلاغات كانوا من العاملون بوزارة الأوقاف وبعض الجهات الرقابية وتقدموا بالبلاغات بعد رصد وقائع الفساد. اضافة الى تحريات مباحث الأموال العامة في المنوفية في نفس العام والتي أكدت حدوث الفساد في 50 مسجد بالمنوفية.

وفي شباط/فبراير 2012، كشف وكيل وزارة الأوقاف في الإسكندريّة في ذلك الوقت الشيخ محمّد أبو حطب عن أنّه اكتشف وجود 4500 عامل من الذين تمّ تعيينهم في الأوقاف فى الإسكندريّة على مساجد منتشرة فى المدينة، وقد تمّ تعيينهم على مساجد وهميّة.

وأشار إلى أنّ هذه التعيينات حدثت فى الفترة بين عام 2007 وأوائل عام 2011، وأنّه أبلغ نيابة الأموال العامّة حول هذا الفساد.

أمّا في أيّار/مايو من العام ذاته، فوصل الأمر إلى قبّة البرلمان آنذاك حيث تقدّم عضو مجلس الشعب عن حزب الحريّة والعدالة المنحلّ محمّد الجعفري بطلب إحاطة حول وجود مساجد وزاويا وهميّة يزيد عددها عن 25 مسجداً بمديرية أوقاف 6 أكتوبر، ويبلغ عدد العاملين فيها أكثر من 90 شخصاً بين مؤذّن وإمام مسجد ومقيم شعائر وعامل يتقاضون رواتب وحوافز شهريّة منذ سنوات عدّة.

هذا الفساد في الوزارة ليس وليد اليوم، بل بدأ قبل ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، ونجح في الاستمرار حتّى وقتنا الحاليّ في عدد من محافظات مصر هي الإسكندريّة والشرقيّة والمنيا والبحيرة، حتّى مع اعتراف الوزارة في شباط/فبراير 2013، حين تولّى الدكتور طلعت عفيفي رئاسة الوزارة بأنّها اكتشفت وجود أكثر من 5 آلاف مسجد وهميّ، ممن يعملون في نظافة المساجد وحراستها، صدرت لها قرارات ضمّ بهدف تعيين العمالة التي بلغت آنذاك 11 ألف عامل وتحويل المسؤولين عن تلك المساجد إلى النيابة، معلنة أنّها ستتّخذ الإجراءات اللازمة كافّة لشطب تلك المساجد.

وفي 12 أيّار/مايو 2013، تقدّم الشيخ حسين حبيب، وهو إمام في الأوقاف، ببلاغ إلى النيابة الإداريّة ضدّ وزير الأوقاف السابق الدكتور طلعت عفيفي وقيادات الوزارة متّهماً إيّاهم بالتستّر عن مخالفات المساجد الوهميّة وإهدار المال العام.

وأشار في البلاغ الذي تقدم به حبيب وحمل رقم 778 إلى وجود 100 مسجد تابع إلى مديريّة أوقاف المنوفية وافقت لجنة الضمّ في الأوقاف عليهم منذ عام 2008، وبعدها تبيّن وجود مخالفات وكوارث لضمّ هذه المساجد وأغلبها غير صالح لإقامة الشعائر. حيث قام البعض بضم جزء من أرضه الزراعية على أنها مسجد، وقام آخرون بضم مخازن الغلال والأعلاف إلى وزارة الأوقاف على أنها مساجد، وغيرهم الكثيرون.

وحتّى بعد تشكيل الوزارة لجنة تقنين العمالة الوهميّة في الأوقاف من قبل وزير الأوقاف الدكتور مختار جمعة في كانون الأوّل/ديسمبر 2014 لابتلاع الأزمة، بعد تضخّم ظاهرة العمالة الوهميّة ووصول عددها إلى 15 ألف عامل مسجد تسلّلوا إلى الوزارة بأموال دفعوها إلى أباطرة بيزنس التعيينات، وبدأت اللجنة عملها في محافظة الإسكندريّة في ديسمبر 2014، إلّا أنّ الأزمة لا تزال قائمة.

وفي تصريحات صحافيّة، في محاولة للوزارة لتقنين أوضاع آلاف العمّال الذين التحقوا بالعمل في المساجد مخالفة للقانون، قال وكيل وزارة الأوقاف في الإسكندريّة الشيخ أحمد عبد المؤمن في 14 كانون الأوّل/ديسمبر 2014، أنّ 1800 عامل تقدّموا بأوراقهم الخاصّة بالتسوية، حيث عملت الوزارة على تعيين بعض العمال بشرط تقديم اوراقهم التي تتضمن شهادة المؤهل الدراسي وشهادة الميلاد بهدف تعيينهم بشكل قانوني بمديرية اوقاف الاسكندرية، وجرى عمل التسوية وصرف رواتب شهر تشرين الثاني/نوفمبر لهم، بينما لم يتقدّم الباقون بأوراقهم، الأمر الذى منع المديريّة من صرف رواتبهم، مؤكّداً أنّ الحصر أضاف ما يقارب 2000 عامل آخرين لم يقدّموا أوراقهم، ومنعت المديريّة صرف رواتبهم حتّى يتقدّموا بأوراقهم، بينما الحصر سارٍ على من لم يتمّ توثيق بياناتهم.

وفي 21 أيّار/مايو الماضي، وخلال مؤتمر صحافيّ في الوزارة، أعلن وزير الأوقاف الدكتور محمّد مختار جمعة أنّ الوزارة قامت باستحداث قاعدة بيانات للمساجد على مستوى الجمهوريّة لمحاربة العمالة والمساجد الوهميّة التي كانت تحدث لعدم وجود نظام توثيقيّ.

وأشار إلى أنّ الوزارة قامت بتقييد كلّ المساجد على أرض الواقع وتوثيقها إلكترونيّاً وحفظ المسجد بالعنوان، وتحديد عدد المساجد في كل المحافظات، وعدد الأئمّة والعمّال، بعدما اكتشف أنّ هناك مجاملات في مساجد صغيرة، حيث يعيّن عليها مثلاً سبعة عمّال بينما مسجد كبير ليس فيه سوى ثلاثة عمّال. لأن فساد بعض المديريات يجعلها تقوم بتعيين عمال اكثر بمساجد صغيرة لتلقي رواتب دون عمل.

وفي تصريحات لـ"المونيتور"، أكّد رئيس القطاع الدينيّ في وزارة الأوقاف الشيخ محمّد عبد الرزّاق أنّ المخالفات المتعلّقة ببناء مساجد وهميّة بهدف ضمّ عمّال للأوقاف بدأت منذ عام 2006، مشيراً إلى أنّ هناك تحقيقات تجري في مباحث الأموال العامّة للتحقيق مع المذنبين، مضيفاً أنّ هناك أشخاصاً تمّت إدانتهم بتلك القضايا وتمّ فصلهم من أعمالهم وهناك آخرون تمّ سجنهم.

وعن استمرار الأزمة طيلة تلك السنوات العشر الماضية، قال إنّ العمالة التي تمّ وضعها على تلك المساجد الوهميّة زادت لتصل إلى 5 آلاف عامل في الإسكندريّة وعدد من المحافظات، مشيراً إلى أنّ الوزارة تقوم ببحث تقنين أوضاعهم. وأضاف: "فوجئنا بعد تولّي الدكتور مختار جمعة حقيبة وزارة الأوقاف في 16 تمّوز/يوليو 2013 بهذا الملفّ وهذا العدد الهائل من العمّال الوهميّين".

وأضاف أنّ هؤلاء العمّال ظلّوا طيلة تلك السنوات حتّى تمّ الكشف عن الموضوع، يتقاضون راتب يعرف بـ"أجر مقابل عمل"، من دون أن يعملوا عملاً حقيقيّاً، نظراً إلى وهميّة المساجد وعدم وجود أثر لها.

وقال أحد علماء الأزهر الدكتور ابراهيم أمين لـ"المونيتور" إنّ عقوبة المتورّطين في تأسيس تلك المساجد الوهميّة في الشريعة الاسلامية أشدّ حرمة من السرقة، حيث تجرم الشريعة الاسلامية السرقة وتضع حدوداً شرعية لمعاقبة السارق ويعاقب القانون المصري المتهم فيها بالسجن بتهمة النصب والاستيلاء على المال العام، لأنّهم يسرقون الدولة ووزارة الأوقاف بأكملها، متعجّباً من أن يتّخذ هؤلاء من المساجد ساتراً للنصب والاحتيال تحت اسم بيوت الله.

وأضاف أنّ أجهزة الدولة كلّها يجب أن تكون يقظة لهؤلاء المخرّبين في كلّ القطاعات، متسائلاً: "من سيحارب الفساد إذا لم يكن الأزهر والأوقاف هما من سيحاربانه"، مطالباً بوجود رقابة في كلّ المؤسّسات الدينيّة وقانون لدور العبادة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو