نبض تركية

المسبحة تحظى بتقدير الرجال في تركيا

p
بقلم
بإختصار
يكثر الاستعمال التقليديّ للمسبحة في أيّامنا هذه، باعتبارها أداة للعلاج الشخصيّ ورمزاً للمكانة الاجتماعيّة ورفيقاً أميناً.

في تركيا، يجمع رابط قويّ بين الرجال والمسبحة. فالرجال الأتراك من كلّ مشارب الحياة يستعملون المسبحة ويعتبرونها إكسسواراً أساسيّاً في النقاشات الطويلة والحماسيّة. وقد تكون المسبحة الموضوع الأسهل لانطلاق الأحاديث في المقاهي التي يرتادها الرجال بشكل خاصّ أو النوادي الاجتماعيّة الفاخرة في تركيا. وعلى الرغم من تزايد اهتمام المرأة بالمسبحة، تبقى المسبحة مجالاً يحتكره الرجل نسبياً. فالحرفيّون والمصمّمون ومندوبو المبيعات والزبائن جميعهم رجال تقريباً. وتُعتبر المسبحة أيضاً مؤشراً على الرجولة القويّة في مجتمعات مختلفة في تركيا.

وكامرأة، أجد متعة في محاولة التعلّم ودفع الرجال الأتراك إلى التكلّم عن المسبحة. ويُعتقد أنّه بالإمكان معرفة وضع الشخص الاجتماعيّ واهتماماته وشخصيّته من المسبحة التي يملكها ومن طريقة حمله لها.

وفي المرّة الأولى التي دخلتُ فيها متجراً للمسابح في البازار الكبير الشهير في اسطنبول، سألني بائع في منتصف العمر بنبرة غير مكترثة: "لمن ستشترين المسبحة؟" وقبل أن أتمكّن من الإجابة، قال: "إن كنتِ ستشترينها لحبيبك فلا تنفقي الكثير، لكن إذا كانت لوالدك أو عمّك، فيمكنني أن أريك مسابح عالية الجودة". وقال مصطفى باي الذي يبيع المسابح منذ 15 عاماً: "تشتري الشابات المسابح لأصدقائهنّ المبتدئين في مجال المسابح والذين لا يقدّرون قيمتها. وسرعان ما يضيّعون المسبحة، ما يسبّب شجارات بين الثنائيّ".

وبالفعل، عندما تجلسون في مقهى أو مطعم في تركيا، راقبوا قليلاً الرجال وهم يضعون هواتفهم الذكيّة وعلب السجائر وولّاعاتهم ومسابحهم على الطاولة. ستلاحظون الحبّ والرابط القويّ اللذين يشعر بهما الرجل التركيّ تجاه مسبحته إلى درجة أنّه يبقيها قريبة منه بقدر هاتفه.

وللمسبحة تاريخ طويل وعظيم، وتنوّع مذهل. وهناك ثماني فئات أساسيّة لتقييم المسبحة، وهي المادّة المستخدمة لصنع المسبحة، وعدد الخرزات وحجمها (إذا كان هناك خرزة بحجم مختلف أو تركيبة مختلفة تسمّى خرزة ثملة)، وانسجام اللون والصوت اللذين تنتجهما الخرزات معاً، والفرادة، والحرفيّة، وقوّة الخرزة العليا. هذه الخرزة هي التي تثبّت الخرزات الأخرى بعضها ببعض، وهي المؤشّر الأوّل على الحرفيّة العالية في صنع المسبحة. وفي معظم المسابح العاديّة، تكون الخرزة العليا فضيّة، لكن في المسابح الثمينة، تكون هذه الخرزة من المادّة نفسها المستعملة لصنع الخرزات الأخرى. وأخيراً، هناك عامل البساطة. والغريب هو أنّ المسابح الأغلى ثمناً هي أقلّها لفتاً للنظر. ويشرح أحد محبّي المسابح، قائلاً: "ليست مجوهرات للتباهي، بل هي رفيقة".

والمسبحة موجودة في كلّ ثقافة وديانة تقريباً، وأشهرها في العالم المسبحة الورديّة الكاثوليكيّة، وحبل الصلاة في الكنائس الأرثوذكسيّة، والأحجار الرخاميّة الإيرلنديّة، والمسابح البوذيّة أو التيبتيّة. لكنّ المسبحة لا تقتصر على أماكن الصلاة المقدّسة في بعض الثقافات. ففي اليونان مثلاً، يُعتبر استعمال المسبحة نشاطاً علمانيّاً يومياً، كما في تركيا. وقد خرجت المسبحة منذ زمن من نطاق الجوامع والكنائس في المنطقة، وأصبحت رفيقة للرجال.

وتُعتبر الموادّ التقليديّة المستعملة لصنع المسابح مهمّة وضروريّة، ولا تزال تُستعمل حتّى اليوم. وقال قدير سوكرو كاراتيكي، وهو حرفيّ خبير في صنع المسابح يدير متجر العائلة المفتوح منذ 61 سنة في البازار الكبير في اسطنبول، لـ "المونيتور": تنقسم جذور الموادّ المستعملة لصنع المسابح إلى أربع فئات كبيرة هي الأحجار الكريمة، وأنواع الخشب المختلفة، والمنتجات الحيوانيّة، والأحفوريّات. كلّما كانت المادّة أقسى أو أندر، تطلّبت حرفيّة ومهارة أعلى، ما يزيد قيمة المسبحة". ومن الموادّ الشائع استعمالها شجر الزيتون والصندل والنخيل والتفاح والجوز. ويكثر الكلام عن المنافع الصحيّة للموادّ المختلفة المستعملة في صنع المسابح. فعلى سبيل المثال، عُرفت برزة الـ "كوكا"، وهي بزرة فاكهة استوائيّة أقسى من جوز الهند، بمسبحة الأطباء في الحقبة العثمانيّة. فبزور الكوكا مطهّر طبيعيّ يبعث رائحة عطرة عند فركه بين الأصابع. وهناك مسابح كثيرة أخرى مصنوعة من موادّ شجريّة تُعرف بروائحها المميّزة. ويصبح لون هذه المسابح أغمق مع الوقت، تماماً كالجلد المدبوغ، ما يزيد من قيمتها. وتُعتبر المسابح المصنوعة من قوقعة سلحفاة "كاريتا" المهدّدة بالانقراض ثمينة للغاية، تماماً كتلك المصنوعة من أنياب الفيلة. ومع أنّ أحجاراً كريمة كثيرة تُستعمل في صنع المسابح، إلا أنّ الكهرمان اكتسب شعبية في السنوات الأخيرة نظراً إلى جماله ومفعوله المهدّئ.

وقال كاراتيكي إنّ صناعة المسابح في تركيا ازدهرت منذ العقد الماضي لتلبية الطلب في السوق المحليّة والأسواق الدوليّة.

وأضاف: "بعد أن يقرّر الزبون أو الحرفيّ ما هي المادّة التي سيتمّ استعمالها، يصبح الأساس هو الصبر والانكباب على العمل. لا تزال الأساليب والطرق التقليديّة معتمدة حتّى اليوم، مع بعض اللمسات الحديثة. مثلاً، تقضي الموضة الجديدة بكتابة اسم صاحب المسبحة على الأحجار أو على الشرّابة الفضيّة أو الذهبيّة".

وباتت تصاميم "العين الشرّيرة" تُعتمد أيضاً في المسابح الفريدة من نوعها. وشرح كاراتيكي أنّ عدد الخرزات في المسابح قد يختلف. فالمسابح المستعملة يومياً تكون عادة قصيرة وتضمّ 33 خرزة، أمّا المسابح الأخرى المؤلفة من 99 خرزة فتُستعمل غالباً للصلاة. لكنّه قال لـ "المونيتور": "هناك أيضاً مسابح نادرة مؤلفة من 500 أو ألف خرزة".

ويحمل كلّ عنصر من المسبحة – كلّ قسم بين الخرزات، والقطعة الكبيرة التي تحدّد بداية الخرزة العليا، والقطعة الأخيرة في أعلى الخرزة العليا، وحتّى طريقة إخفاء عقدة الخيط - اسمه الخاصّ، ويخضع لتدقيق محبّي المسابح. وشرح كاتاكيه أنّ "هواة جمع المسابح يعرفون مَن الحرفيّ الذي صنع المسبحة عندما يتفحّصونها لأنّ لكلّ حرفيّ بصمته الخاصّة".

ويزداد عدد هواة جمع المسابح في تركيا. ويحبّ الهواة البارزون، مثل الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان والكثير من السياسيّين الأتراك الآخرين، التقاط الصور مع المسابح للتقرّب من الناخبين.

ويكثر استعمال المسابح بين أعضاء تنظيم "الذئاب الرماديّة" القوميّ المتطرّف في تركيا، إذ إنّ أعضاء كثيرين يعتبرون المسابح ضرورة لصقل صورتهم. لكن يمكن رؤية المسبحة في أيدي جميع الرجال الأتراك تقريباً، من سائقي سيّارات الأجرة العلويّين إلى الأساتذة الجامعيّين الأكراد والبرلمانيّين الماركسيّين. ويمكن رؤيتها أيضاً في صالات السينما ومباريات كرة القدم.

سولي أوزيل هو أستاذ علاقات دوليّة من جامعة قادر هاس في اسطنبول يعشق المسابح الحديثة ويستطيع استعمال هاتفه والمسبحة بمهارة في الوقت نفسه. وقال أوزيل لـ "المونيتور": "أستمتع بالمسبحة لأنّها تبقي يديّ منشغلتين. لكن ينبغي أن يكون حجمها مناسباً وألا تكون الخرزات صغيرة أو كبيرة جداً". وأقرّ أوزيل بأنّه ينسى أين وضع مسبحته من حين إلى آخر، لكنّه أضاف أنّه لم يسمع تعليقات سلبيّة بسبب تعلّقه بالمسبحة، بل مجرّد أسئلة فضوليّة عندما يكون مسافراً.

إنّ المسبحة، التي ترمز إلى الرجولة أو التقوى والمكانة الاجتماعيّة، هي بالفعل خير رفيق. فهي تساعد على تمضية الوقت، وتشكّل جزءاً من الصلاة، وقد يصبح استعمالها عادة لتهدئة الأعصاب أو للتخلّص من إدمان ما. وفي عصر الأجهزة اللوحيّة والهواتف الذكيّة، لا نزال نرى المسابح في المقاهي في المناطق الفقيرة أو في المكاتب الإداريّة في الأحياء الثريّة. من المذهل أنّ سلسلة من الخرزات تحمل قصصاً عمرها قرون، ولا تزال تربط الأتراك بعضهم ببعض ثقافياً.

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات عن التراث الثقافي في الشرق الأوسط. لقراءة المزيد، اضغط هنا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkey, recep tayyip erdogan, prayer, kurds in turkey, istanbul, culture, business, alevis
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept