الغوطة الشرقيّة... حصار من النّظام وتجّار أزمة واحتكار في الداخل

شهدت مدين وبلدات الغوطة الشرقية في ريف دمشق ومنذ مطلع شهر آب الجاري مظاهرات عدة في حرستا وسقبا وحموري وكفربطنا، تطالب بإيقاف احتكار المواد التموينية، وتطالب فصائل المعارضة المتنازعة في فيما بينها أن تجد حلاً لحصار الغوطة بدلاً من الاقتتال، وطالب المظاهرات بالإفراح عن المعتقلين في سجون جيش الإسلام.

al-monitor .

المواضيع

tunnels, smuggling, poverty, jaish al-islam, ghouta, food security, food prices, ajnad al-sham

أغس 14, 2015

دمشق — "نعم الجوع أرهقنا، ولكن الكرامة أوّلاً، القيادات تملأ بطونها والأطفال جياع، فارحموا حالهم"، و"الشعب يريد إسقاط زهران" وغيرهما، من الشعارات التّي ردّدها ورفعها مدنيّون من مناطق مختلفة في الغوطة الشرقيّة (9 كلم شرق دمشق)، حيث يسيطر مقاتلو المعارضة، فخرجوا في مظاهرات ارتفعت وتيرتها منذ مطلع آب/أغسطس الجاري في حموريا وكفربطنا وحرستا، وكان آخرها في مدينة سقبا بـ7 آب/أغسطس الجاري، حيث خرج آلاف المدنيّون يهتفون للتوحّد ونبذ الخلافات بين فصائل المعارضة المتنازعة على الغوطة، وخصوصاً بين "جيش الإسلام" و"الاتّحاد الإسلاميّ لأجناد الشام"، وفكّ الحصار عن الغوطة (الذي يفرضه النظام منذ شهر حزيران 2014) والتوقّف عن احتكار الموادّ الغذائيّة(من قبل فصائل المعارضة التي تسيطرة على الأنفاق التي تشكل المعبر الوحيد إلى داخل الغوطة) والإفراج عن المعتقلين في سجون "جيش الإسلام" وإسقاط القيادات الطاغية، وفي مقدّمها قائد "جيش الإسلام" بالغوطة الشرقيّة زهران علّوش بسبب الممارسات المسيّئة والاعتقالات العشوائيّة للمدنيّين.

إنّ المظاهرات هذه لم تكن الأولى من نوعها، إذ خرجت مظاهرات مماثلة في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014، أطلق عليها مظاهرات الجوع، طالب فيها المتظاهرين بتوزيع المواد التموينية التي تهرب عبر الأنفاق على مدنيي الغوطة، حيث كانت مخازن المعارضة مليئة في حين يأكل الناس الحشائش والخبز اليابس ويموتون من الجوع، في حين خرجت مظاهرات نسائيّة خلال شهر رمضان الماضي في مدينة دوما، طالبت فيها النّساء "جيش الإسلام" بالإفراج عن أزواجهنّ وأبنائهنّ المعتقلين في سجونه.

وفي لقاء لـ"المونيتور" عبر "سكايب"، قال أبو بكر الغوطاني، وهو ناشط إعلاميّ مقرّب من "الاتّحاد الإسلاميّ لأجناد الشام" أحد أكبر الجيوش المشكّلة للجيش الموحّد في الغوطة الشرقيّة: "ليس فقط النّظام السوريّ من يحاصر الغوطة، بل جيش الإسلام بقيادة زهران علّوش، إذ يسيطر على نفق لإدخال الموادّ الغذائيّة ويتحكّم بأسعارها، ويعتقل المدنيّين الّذين يظهرون دعماً لأجناد الشام بسبب صراعات على السلطة".

أضاف: "إنّ سيطرة جيش الإسلام على النّفق هدفها الأوّل ردع فصيل فجر الأمّة التّابع لأجناد الشام، وإنّ أسعار الموادّ الغذائيّة ارتفعت كثيراً بعد سيطرته على هذا النفّق".

وأشار إلى أنّ "سعر كيلو الأرزّ وصل خلال هذا الأسبوع حتى تاريخ 7 آب 900 ليرة سوريّة (3 دولارات)، كيلو السكّر إلى 2400 ل.س (8 دولارات)، وعبوة الزيت إلى 3100 ل.س (9 دولارات)، وينطبق هذا الارتفاع بالأسعار على بقيّة الموادّ العذائيّة".

وعن الارتفاع الكبير في أسعار الموادّ الغذائيّة، التقى "المونيتور" النّاشط الإعلاميّ في الغوطة الشرقيّة برّاء عبد الرحمن، وهو مقرّب من "جيش الإسلام"، فأكّد أنّ "ارتفاع الأسعار يعود في الدرجة الأولى إلى الحصار الخانق الّذي يفرضه النّظام على الغوطة الشرقيّة منذ شهر حزيران 2014، يليه الاحتكار الكبير من قبل من يسيطر على الأنفاق".

ونفى ما قاله الغوطاني حول ضلوع "جيش الإسلام" في عمليّات الاحتكار، إذ قال لـ"المونيتور": "إنّ جيش الإسلام لا يسيطر على أيّ نفق، وإنّ أشهر الأنفاق هو نفق الزحطة المسيطر عليه من قبل لواء فجر الأمّة، الّذي يقوده أبو خالد الدقر الملقّب بالزحطة، والتّابع بدوره للاتّحاد الإسلاميّ لأجناد الشام. وتحتوي مخازن فجر الأمّة على 1000 طنّ من الموادّ الغذائيّة المهرّبة عبر النّفق، ولكنّها لا توزّع على المدنيّين".

وقال برّاء عبد الرحمن لـ"المونيتور": "إنّ هذا النّفق يشتهر بالتجارة والأرباح الخياليّة بسبب تعاقد لواء فجر الأمّة مع تجّار أزمة حصار الغوطة من قبل النظام السوري، حيث يقومون (لواء فجر الامة التابع لأجناد الشام الذي يسيطر على النفق) ببيع الموادّ التموينيّة وغيرها إلى الأهالي بعشرات الأضعاف، بحجّة أنّهم في حاجة إلى تمويل ودعم، إلاّ أنّهم يعملون على المشاركة في الأرباح الّتي تصل إلى 50 في المئة".

أضاف: "إنّ سبب الخلاف الأساسيّ بين جيش الإسلام والاتّحاد الإسلاميّ لأجناد الشام يعود إلى شهر رمضان الماضي، بعد أن انضمّ خالد الدقر الملقّب بالزحطة إلى أجناد الشام، ولم يعد يعترف بسيطرة جيش الإسلام على أهمّ نفق في الغوطة، الأمر الّذي أدى إلى توتّر العلاقات كثيراً بينهما".

ويتكوّن الجيش الموحّد في الغوطة الشرقيّة من ثلاثة مكوّنات رئيسيّة، هي: "جيش الإسلام"، "الاتّحاد الإسلاميّ لأجناد الشام"، و"فيلق الرّحمن". وبعد توتّر العلاقات بينها على خلفيّة النزاعات على الأنفاق أوّلاً والسيطرة على الغوطة ثانياً(منذ بداية شهر رمضان الماضي 18 حزيران)، وعلى خلفيّة اعتقالات متبادلة قام بها كلّ من "جيش الإسلام" و"أجناد الشام" بحقّ الآخر، دفع ذلك "أجناد الشام" و"فيلق الرّحمن" إلى تعليق عضويّتهما في الجيش الموحّد في 1 آب الجاري، وأصدرا بياناً مشتركاً نشر في 1 آب/أغسطس، طالبا فيه بإحالة أمر الأنفاق إلى الهيئة العامّة للغوطة الشرقيّة للقيام بتشكيل مكتب يضمّ مجموعة من الاختصاصيّين للإشراف على قوائم خروج المدنيّين وتأمين البضائع إلى المؤسّسات والفاعليّات المدنيّة ومراقبة توزيعها بطريقة عادلة، وضبط أسعار الشراء داخل الغوطة.

وبعد وساطة كلّ من "فيلق الرّحمن"، و"جبهة النّصرة" لتهدئة التوتّر بين الطرفين المتنازعين، اتّفق كلّ من "أجناد الشام" و"جيش الإسلام" في 7 آب على إزالة المظاهر المسلّحة كافّة والانتشار العسكريّ، وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل بداية المشكلة أيّ كلّ فصيل ضمن المناطق التّابعة له، وتبادل كلّ المعتقلين من الطرفين فوراً، وإيقاف الحرب الإعلاميّة بين الطرفين، وتشكيل لجنة قضائيّة من كلا الطرفين تستلم إدارة النّفق، ونشر نصّ الإتّفاق على مواقع التّواصل الإجتماعيّ.

وعن نتائج هذا الإتّفاق، الّتي لمست على أرض الواقع، قال عبد الرّحمن لـ"المونيتور": "إنّ الإتّفاق الّذي حصل في 7 آب الجاري هو مجرّد إتّفاق شكليّ إعلاميّ بحت، أيّ أنّ الحرب الإعلاميّة الّتي صعّدها كلا الطرفان خلال الأسبوع الماضي قد توقّفت، إلاّ أنّ المعطيات على أرض الواقع تقول عكس ذلك، فالجيش الموحّد في الغوطة الشرقيّة في حكم المنهار. أمّا في ما يتعلّق بالموادّ التموينيّة فما زالت محتكرة في مخازن أجناد الشام، وما تمّ توزيعه على الأهالي لا يشكّل الـ1 في المئة ممّا هو موجود. كما أنّ أسعارها لم تنخفض. وإنّ المعتقلين لدى جيش الإسلام لن يطلق سراحهم بسبب تورّطهم مع داعش".

وأشار إلى أنّ المظاهرات الّتي قام بها أهالي الغوطة المدنيّين توقّفت، وإنّ هدوءاً حذراً يسود الغوطة الشرقيّة يتخلّله قصف متفرّق لقوّات النّظام على مواقع مختلفة في الغوطة.

ويبقى الخاسر الأكبر في هذا الاقتتال الداخليّ مدنيّو الغوطة، ففي الوقت الّذي يحرمون من أبسط مقوّمات الحياة، تبقى طائرات النّظام تقصف مناطق مختلفة من الغوطة وتحصد أرواح من بقي.

بودكاست

فيديو