نبض تركية

فك رموز استراتيجية داعش في الهجوم الأخير في تركيا

p
بقلم
بإختصار
يهدف هجوم 20 يوليو/تموز على سروج إلى توجيه رسالة قوية إلى كل من الأكراد، والولايات المتحدة وتركيا.

في ظل تدفق المال والأسلحة والأفراد وكافة أنواع البضاعة المهربة بحرية عبر الحدود من سروج في تركيا، إلى سوريا، لم تنجح الألعاب في العبور، وقضى ما يزيد عن 30 شابا في هجوم انتحاري في 20 يوليو/تموز. كان الشبان قد أطلقوا حملة لنقل مساعدات إنسانية إلى كوباني، وقد قُتلوا وهم يطلعون وسائل الإعلام على مشروعهم، فيما جُرح حوالي 100 شاب ناشط يساري.

في حين لم تتبن الدولة الإسلامية (داعش) العملية رسميا بعد، إلا أن التقارير الميدانية الواردة تدل إلى انه كان هجوما انتحاريا على يد داعش.

ويبدو أن داعش لم ينتظر أن يتم تصنيفه منظمة إرهابية في النظام القانوني التركي ليقوم بإضافة المزيد من العمليات إلى قائمة الهجمات الدموية ضد تركيا.

لقد سبق لتركيا أن واجهت عمليات على يد داعش في مارس / آذار 2014 في نيغدة قُتل فيها ثلاثة مسؤولين أمنيين، وذلك لدى الاستيلاء على القنصلية التركية في الموصل في يونيو/حزيران 2014 وحصار قبر سليمان شاه في أكتوبر/ تشرين الأول والهجوم الانتحاري في يناير/كانون الثاني على مركز للشرطة في اسطنبول  وقصف يونيو/ حزيران على تجمع انتخابي لحزب الشعوب الديمقراطية الموالي للأكراد في ديار بكر.

تحليل هجوم سروج

كان المستهدف من الهجوم جمعية مدنية للشباب وسط حساسية إعلامية عالية إزاء كوباني، وهي قضية حساسة بالنسبة لتركيا.  وتجدر الإشارة إلى أن المهاجمين اختاروا مجموعة ناشطة مدنية يسارية وموالية للاكراد بدلا من منشأة عسكرية أو مؤسسة دولة كما جرت العادة في مصر والأردن والعراق.

وقد تم اختيار توقيت الهجوم جيدا لأن تنفيذ الهجوم في بلدة تركية بدلا من كوباني يدل على أن المستهدف الأساسي هو الرأي العام في تركيا، خصوصا الرأي الكردي.  وقد تزامن الهجوم أيضا مع الأزمة السياسية السائدة في تركيا في أعقاب الانتخابات التي جرت في 7 يونيو/ حزيران.

كما أن كون الهجوم عملية على الأرجح انتحارية هو إشارة قوة وتحدي. من المقصود من الرسالة؟ أنا أعتقد، و على عكس العديد – أن المستهدف ليس تركيا، بل حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي القومي المدعوم من الولايات المتحدة، وحزب العمال الكردستاني. من خلال هذا الهجوم، كان داعش يوجه رسالة إلى حزب الاتحاد الديموقراطي وحزب العمال الكردستاني للتنبه بعد نجاحهما في تل أبيض، في خال كانا يفكران الآن في التقدم نحو عفرين في الغرب والرقة في الجنوب وسط دعم جوي وثيق من الولايات المتحدة.

فمن خلال تحريك الصراع في الاتجاه المعاكس للرقة إلى تركيا، يحاول تنظيم الدولة الإسلامية تخفيف الضغط الذي يتعرض له في الرقة وأعزاز في شمال سوريا.

أعتقد أن مرتكب الهجوم مواطن كردي الأصل من تركيا. كما أن معظم من انضموا من تركيا إلى التنظيم هم أكراد.  ووفقا لتقارير استخباراتية، إن المهاجمين المحتملين الذين جمعتهم داعش لشن هجمات ضد تركيا هم أكراد تركيين.  كما أن اختيار التنظيم لانتحاري كردي الأصل يوجه رسالة مفادها أن الفكر الجهادي أقوى من القومية العرقية.

لا بد من التأكيد هنا على أن هجوم داعش هذا يحاول جذب تركيا أكثر نحو سوريا ونقل الاشتباكات من سوريا إلى تركيا.

وتفيد باختصار رسالة داعش لتركيا، وهي المستهدف الثاني بعد  حزب الاتحاد الديموقراطي وحزب العمال الكردستاني، أنه «في حال قمت بتصعيد الهجمات ضدنا، ستدفعين الثمن،» علما أن تركيا قد صعدت بالفعل العمليات ضد التنظيم داخل تركيا خلال الأشهر الستة الماضية؛ وقد أسفرت هذه العمليات عن اعتقال 450 شخصا في عدة مدن كبرى، كما تم تعزيز مراقبة الحدود بين سوريا وتركيا، ما أدى إلى القبض على نحو 300 مسلحين من تنظيم الدولة الإسلامية كانوا يريدون عبور الحدود في كلي الاتجاهين. حتى الآن، تم وضع حوالي 15000  رعايا أجانب على القائمة السوداء، ما يحظر عليهم الدخول والخروج عبر الحدود التركية. وتم ترحيل حوالي 1500 أجنبي على خلفية صلتهم بالدولة الإسلامية. وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، مُنع 1100 شخص من الدخول إلى تركيا.

هناك رسالة أخرى أراد التنظيم توجيهها إلى تركيا مفادها أن التنظيم مدرك لتصدعات تركيا الاجتماعية والثقافية والسياسية وأنه يمكنه استهدافها في أي وقت.

كان هجوم سروج رسالة لواشنطن أيضا إذ أتى مباشرة بعد زيارة وفد أمريكي رفيع المستوى إلى تركيا لمناقشة استراتيجيات مكافحة داعش.  ومفاد الرسالة أن داعش لاعب محلي أصلي قادر على تنفيذ إرادته على الرغم من جهود الولايات المتحدة لشن حرب بالوكالة - وأن جهود الولايات المتحدة لتشجيع حلفائها على مكافحة داعش لن تنجح.

هل خدم الهجوم غرضه؟

نظرا للجدل الدائر على مستوى الرأي العام التركي بعد الهجوم – وعلما أن النخب السياسية لم تتمكن حتى من توجيه رسالة تضافر ضد هذا الهجوم – لا بد من الاعتراف بأن الهجوم قد خدم غرضه.  وليس من المستغرب أن كافة هجمات تنظيم الدولة الإسلامية الدموية في تركيا قد استهدفت إما حزب العمال الكردستاني أو حزب الشعوب الديموقراطي المؤيد للاكراد، وذلك تماشياً مع استراتيجية داعش المعروفة والتي تقضي بإثارة مواجهة بين الحكومة والأكراد. أما وسائل الاعلام الاجتماعية في تركيا فتظهر بوضوح انقساما في الرأي العام بين جناح «توقع الهجوم» من أنصار حزب العدالة والتنمية والقوميين الأتراك الذين يرون أن حزب العمال الكردستاني أكثر خطورة من داعش، وبطبيعة الحال، المتعاطفين المحليين مع داعش. أما الجناح الآخر فهو مجموعة «ستنتقم» تضم متعاطفين مع حزب العمال الكردستاني واليساريين الراديكاليين المحليين.

كثيرون هم الذين فسروا ملاحظة زعيم  حزب الشعوب الديموقراطي صلاح الدين دميرتاز والتي تقول إن «على شعبنا ضمان أمنهم،» على أنها تنبع من رغبة بإضفاء الشرعية على الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني في المدن وتعبيرا عن أمله في أن إعداد «هيكل أمني محلي» هو بديل للدولة.  ويبدو أن حزب العمال الكردستاني يستغل هجوم سروج ويعتبره فرصة واعدة لتحقيق برنامج «الأمن المحلي» الذي يطمح إليه منذ فترة طويلة، ولن يكون مستغرباً إذا استغلت منظومة المجتمع الكردستاني، وهي الجناح الحضري لحزب العمال الكردستاني، الشرعية المستمدة من هجوم سروج وقامت بنصب حواجز للتحقق من الهويات واستجواب أفراد تعتبرهم من المتعاطفين مع داعش، وداهمت مرافق ذات صلة بتنظيم الدولة ومنعت قوات أمن الدولة من دخول المناطق ذات الغالبية الكردية.  ومن الأرجح أن يزداد التوتر في الشوارع في الأيام القادمة.

جدير بالذكر أنه ما من نية لدى نخب حزب العدالة والتنمية أو حزب العمال الكردستاني أو حزب الشعوب الديموقراطي لإدانة الهجوم على سروج والبحث عن بدايات جديدة معا.  كل من هذه الأحزاب يرغب في الاستفادة من تداعيات المذبحة لأغراض سياسية خاصة بهم.

وهناك أيضا انقسام ملحوظ بين النخب والشارع بعد الهجوم. فقد تراكم الغضب وسط الجماعات الكردية واليسارية الراديكالية وبات مرئيا في الشوارع، ومن المرجح أن ينقلب في المستقبل على صناع القرار في حزب العدالة والتنمية والدولة.

أما حكومة حزب العدالة والتنمية فقلقة إزاء احتجاجات ضخمة في الشوارع، وقد كلفت قوات الأمن الحفاظ على القانون والنظام بدون تسامح.

ووسط موقف قوات الأمن المتشدد، لا مهرب من ازدياد التوترات الحالية.

باختصار، من غير الغريب القول أن تنظيم الدولة الإسلامية يحاول من خلال هذا الهجوم:

- تخفيف الضغط الذي يتعرض له في شمال سوريا وتوسيع خطوط الجبهة عن طريق نقل الاشتباكات إلى تركيا.

- زعزعة استقرار تركيا من خلال إجبارها على محاربة حزب العمال الكردستاني.

- إجبار حزب العمال الكردستاني على نقل قواته من سوريا إلى تركيا.

- تمييع جهود الولايات المتحدة على تقوية شركائها في التحالف.

للأسف، ونظرا لتوقيت هجوم سروج وطريقة تنفيذه وأهدافه، من المتوقع حدوث المزيد من الهجمات المشابهة نظرا لنقص قدرة المخابرات التركية والبيروقراطية الأمنية، وجهل حكومة حزب العدالة والتنمية الإيديولوجي، وعدم رغبتها في تولي مواجهة تنظيم الدولة وثغرات النظام القانوني التركي، لا سيما المتعلقة بمسلحي التنظيم.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkey terrorism, turkey syria crisis, terror attacks, suruc, suicide bombing, kurds, kurdistan workers party, is
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept