مغامرة روسيا في الشرق الأوسط

بين روسيا والشرق الأوسط روابط تاريخية عميقة، فحتى في خضم التحدّيات، تستشفّ موسكو فرصاً.

al-monitor .

المواضيع

saudi arabia, ottoman empire, king abdullah, krg, jordan, iraqi kurdistan, is, circassian

يول 9, 2015

شكّلت التغييرات الديناميكية في الشرق الأوسط مصدراً لتحدّيات وتهديدات جديدة بالنسبة إلى روسيا، لكنها تقدّم لها أيضاً فرصاً جديدة. تشمل التحدّيات والتهديدات صعود التنظيمات الجهادية؛ والانهيار المتعاظم لمنظومة الدول القومية - لا سيما، إنما ليس حصراً، في بلدان المشرق؛ واحتدام التشنّجات بين الأنظمة والتيارات السنّية والشيعية، وكذلك بين الفصائل السنّية المختلفة، على ضوء التنافس الشديد على القيادة بين الدول السنّية الأساسية.

ما يثير قلق روسيا على وجه الخصوص هو احتمال انهيار التعريف التقليدي للدولة الذي ظهر في القرن العشرين، نظراً إلى أن موسكو تولي أهمية كبرى للاستقرار. لكن النهج الذي تعتمده روسيا في التعاطي مع أية تغييرات محتملة في تركيبة دول المنطقة، يَفترض في شكل أساسي أنه يقع على الشعوب التي تعيش هناك اتخاذ القرار، بالاستناد إلى حوار شامل ومن دون أي تدخّل خارجي، حول شكل البلدان التي تريد العيش فيها، وشكل الحدود، وكذلك شكل الحكومة التي تريدها أن تتولّى إدارة البلاد، ويَفترض أيضاً تطبيق هذه القرارات مع مراعاة أحكام القانون الدولي. لكن غالب الظن أن نجاح روسيا - لا سيما من خلال جهودها الديبلوماسية الفعّالة والخلاقة - في الحفاظ على علاقات جيدة ومنوّعة (بالوقوف على مسافة واحدة سواء كانت هذه المسافة بعيدة أم قريبة بحسب الحالة) مع الأفرقاء الإقليميين المتناحرين في بيئة غير سهلة على الإطلاق بالنسبة إلى موسكو، سيخفّف من أية تداعيات سلبية محتملة يمكن أن تترتب عليها جراء انهيار منظومة الدول القومية.

في هذا السياق، لا بد من التوقّف عند التصريحات التي صدرت مؤخراً عن بعض القياديين في حكومة إقليم كردستان في كردستان العراق، والتي قالوا فيها صراحةً إن الدولة العراقية غير قابلة للحياة، وإنه يجب إنشاء دولة كردية مستقلة في شمال العراق. يعتبر بعض المحللين في موسكو أن هذا الكلام الجريء ناجم إلى حد ما عن الرغبة في التودّد إلى الناخبين في سياق الاستعداد للانتخابات المقرر إجراؤها في 20 آب/أغسطس المقبل في كردستان العراق.

اللافت هو أن مسرور بارزاني يتحدث عن السعي إلى استقلال إقليم كردستان العراق ضمن حدوده فقط، متفادياً حتى مجرد التمليح إلى نوع من الآفاق الكردية المشتركة. نتفهّم أن السياسي الكردي لا يستطيع، ولو افتراضياً، أن يرى شمال شرق سوريا جزءاً من الدولة المستقبلية، وذلك للأسباب الثلاثة الآتية:

نظراً إلى كره أنقرة الشديد لـ"حزب الاتحاد الديمقراطي"، وذراعه السياسي، "وحدات حماية الشعب"، المرتبطة بـ"حزب العمال الكردستاني"، من شأن هذا الاحتمال أن يلحق ضرراً شديداً بالعلاقات بين تركيا وقادة حكومة إقليم كردستان.
ثمة عددٌ من المشكلات التي تعكّر صفو العلاقات بين سلطات إقليم كردستان وأكراد سوريا.
ما زال على إقليم كردستان ذي الحكم الذاتي أن يفعل الكثير لتسوية الخلافات بين القوى الاجتماعية والسياسية المتخاصمة، مع العلم بأن هذه الخلافات تعرقل تعزيز قوات البشمركة.

يدور مزيد من النقاش حول إمكانية إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، حتى في بلدان المنطقة التي يدعم قادتها بقوة الحفاظ على سلامة الأراضي في دول مثل العراق وسوريا اللتين تواجهان في شكل أساسي تهديداً من تنظيم "الدولة الإسلامية" العابر للأوطان بقيادة ابراهيم (أبو بكر البغدادي) الذي نصّب نفسه خليفة. كتب المحلّل الأردني ماهر أبو طير: "النظام السوري على وشك الانهيار، وشظاياه سوف تصلنا، والدولة العراقية الحالية على وشك الانهيار الكلي، وما تبقّى من الضفة الغربية والقدس ينازع من أجل الاستمرار".

من جهة، تساهم الحاجة إلى التصدّي للتهديد الذي تواجهه كل دول المنطقة، في توحيدها؛ ومن جهة أخرى، تدفعها إلى استنباط مبادرات أحادية. تشير بعض تلك المبادرات إلى خصومة متزايدة بين الأنظمة السنّية الرئيسة في المنطقة - السعودية وتركيا ومصر والأردن. (لا أحد في العالم الشيعي يتنافس مع إيران على القيادة). في هذا السياق تندرج مثلاً محاولات عمان الأخيرة لتدعيم مساعيها الهادفة إلى تأدية دور قوةٍ إقليمية تجسّد في الوقت نفسه تراث الخلافة الإسلامية وتراث القومية العربية. ففي التاسع من حزيران/يونيو الماضي، سلّم العاهل الأردني الملك عبدالله، في مراسم مهيبة، الراية الهاشمية ذات اللون الأحمر الداكن إلى الجيش العربي الأردني.

وقد قال الملك: "تجمع ألوان الراية الهاشمية وشعارها الأبعاد التاريخية والشرعية والدينية والعروبية التي تتّسم بها الأسرة الهاشمية والثورة العربية الكبرى". أعتقد أن هذه الخطوة الاستعراضية المتعمّدة التي قام بها الملك الأردني والتي تُحيي من جديد مفهوم الدولة العربية الكبرى والخلافة العربية التاريخية تهدف إلى تحقيق أهداف عدة، بما في ذلك نزع الشرعية عن تنظيم "داعش" العابر للأوطان وعن خليفته، وبالتالي تذكير الجميع بأنه لدى العرب والمسلمين مرشّح أكثر استحقاقاً وشرعية إلى حد كبير - إثنياً ودينياً - بإمكانه أن يؤدّي دور موحِّد المشرق العربي والمسلمين.

فضلاً عن ذلك، إنه تحدٍّ ضمني للسعودية (لم ينسَ الهاشميون المرحلة التي كانوا يحكمون فيها الحجاز) ولتركيا (تركيا كانت المستهدَفة في الثورة العربية الكبرى)، التي تدّعي لنفسها دور المدافع الأساسي عن مصالح السنّة. لقد أطلق الشريف حسين بن علي الثورة العربية الكبرى ضد الأمبراطورية العثمانية في الخامس من حزيران/يونيو 1916 ظناً منه أن لندن ستفي بالوعد الذي كان هنري مكماهون قد قطعه في مراسلاته مع الشريف حسين، وسوف تنشئ دولة عربية جامعة في المشرق تحت رعايته. (أعلن الشريف حسين نفسه ملكاً على الأمة العربية في مكة في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر). وقد اعتقدت روسيا في ذلك الوقت أن القوات العربية تحارب أيضاً من أجل مصالحها بما أنها كانت هي نفسها تخوض حرباً على الأمبراطورية العثمانية في القوقاز.

تطرح التطورات في تلك المنطقة تحدياً على منظومة سايكس-بيكو التي أُنشئت في ذلك الوقت، والتي يكثر الكلام هذه الأيام عن الأزمة التي تتعرّض لها. بيد أن أزمة الدولة والكيان طالت أيضاً بلداناً كانت خارج الترتيب الذي رسم حدود الأراضي والدول في المنطقة (ليبيا واليمن). من جهة، شاركت الأمبراطورية الروسية في تقسيم الإرث العثماني باعتبارها من غزاة الأمبراطورية العثمانية، لكن من جهة ثانية، روسيا، أو بالأحرى حكومتها السوفياتية، هي التي نشرت المعاهدة السرية في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، فكشفتها للعالم بأسره، ثم مدّت يد الصداقة إلى تركيا الجديدة، دولة أتاتورك العلمانية.

الآليات الخاضعة للنقاش متداخلة، في جوانب عدّة، تداخلاً وثيقاً مع الروابط التاريخية التي تجمع روسيا بالمنطقة. إذا اكترث الروس لمشاهدة مقطع فيديو على موقع "يوتيوب" عن مراسم تسليم الراية الهاشمية إلى قيادة القوات المسلحة الأردنية، سيرون خلف العاهل الأردني شخصاً يرتدي لباس الـ"شوخا" مع أحزمة كتف فضّية، وهو لباس متميّز يعرفه جيداً جميع سكان روسيا. إنه ضابط قيادي في الحرس الشركسي الشخصي الخاص بالملك عبدالله. يضم الأردن، منذ القرن التاسع عشر، جالية كبيرة من الشركس فضلاً عن الكبردينيين والأديغة (نحو 170 ألف نسمة) الذين تجمعهم صلة نسب عرقية بالشركس، ويخدم بعضهم بإخلاص في الحرس الملكي منذ أجيال عدة. وقد كانت لأبناء جالية شيشانية أصغر حجماً تتألف من نحو عشرين ألف شخص مسيرات مهنية متميّزة أيضاً في المؤسسة العسكرية، مثل اللواء الركن أحمد علاء الدين إرسلان، وهو الشخص الوحيد الذي فاز مرتين بلقب "بطل الأردن".

في حين أن هناك أشخاصاً يتحدّرون من شمال القوقاز في روسيا في صفوف المقاتلين الذين يحاربون "داعش"، هناك أيضاً آلاف الأشخاص من خلفيات إثنية مماثلة يقاتلون إلى جانب "داعش". ليس هذا الاستقطاب مفاجئاً؛ في الواقع، هناك أيضاً عدد كبير من المواطنين الأردنيين بين مقاتلي "داعش" الذين يخوضون مواجهة ضد أبناء وطنهم (الأردنيين والفلسطينيين) الذين يقاتلون الجهاديين، في حين أنهم ينتمون جميعاً إلى المذهب السنّي نفسه.

يمارس هذا الأمر تأثيراً مباشراً على المصالح الروسية، فحتى أولئك الذين غادر أسلافهم القوقاز قبل عقود طويلة حافظوا على روابط قوية مع أرض الأجداد.

تشكّل المصالح المالية أيضاً عامل ارتباط بين روسيا والمنطقة، ومن الأمثلة على ذلك بدء العمل مؤخراً باتفاق شراكة غير مسبوق بين "الصندوق الروسي للاستثمار المباشر" و"صندوق الاستثمارات العامة" في السعودية، وهو عبارة عن صندوق ثروة سيادية يستخدمه السعوديون لاستثمار عشرة مليارات دولار أميركي في مشاريع في روسيا. وكذلك أقام "الصندوق الروسي للاستثمار المباشر" شراكة مع صندوق سيادي آخر في المملكة يُعرَف بـ"الهيئة العامة للاستثمار".

إزاء تفاقم الأزمة في منطقة الشرق الأوسط، يحاول كبار اللاعبين الإقليميين تنويع منظومة العلاقات الدولية مع القوى العالمية بأفضل الطرق المتاحة لهم، ما يمنح روسيا فرصاً جديدة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو