نبض لبنان

لبنان يرى المستقبل الأخضر في السياحة البيئية

p
بقلم
بإختصار
يمكن أن تتحوّل السياحة البيئية مصدراً مستداماً للدخل في لبنان، وتنسّق بعض المنظمات جهودها لتطوير هذا القطاع.

في شباط/فبراير الماضي، أطلق وزير السياحة اللبناني خطة خماسية لتطوير السياحة الريفية في لبنان، مستخدماً تعريفاً واسعاً للسياحة البيئية يشمل السياحة الدينية والمناطقية والزراعية والرياضية والمرتبطة بالمأكولات التقليدية. في التسعينيات، انطلقت السياحة البيئية في شكل مبادرات من المجموعات الصغيرة والمنظمات غير الحكومية - مثل Arcenciel وT.E.R.R.E. Liban - التي تشاركت شغفها بالبيئة مع الزوّار المحليين والدوليين.

مرّت السياحة في لبنان، منذ حرب 2006 مع إسرائيل، بتقلّبات عدّة بين نجاحات وإخفاقات، بين الرقم القياسي الذي سُجِّل في تموز/يوليو 2010 مع وصول 361934 سائحاً إلى البلاد، وهبوط العدد إلى 229252 سائحاً في الربع الأول من العام 2014، بحسب وزارة السياحة ووزارة المال وإدارة الإحصاء المركزي. وفقاً لتقرير مجلة Executive Magazine في أيار/مايو 2014: "يحتاج لبنان إلى تجربة جديدة وجريئة في القطاع السياحي".

تُعرِّف "الجمعية الدولية للسياحة البيئية" مصطلح السياحة البيئية على الشكل الآتي: "سفرٌ مسؤول إلى مناطق طبيعية يحافظ على البيئة، ويعزّز رفاه السكان المحليين، ويتضمّن تفسيراً وتثقيفاً".

تستند معظم مبادرات السياحة البيئية في لبنان إلى القيام بنزهات سيراً على الأقدام وزيارات إلى الريف، مثل "درب الجبل اللبناني" - أول درب طويل لممارسة رياضة المشي في الطبيعة في لبنان - الذي تأسّس في العام 2007 بمساعدة مالية من Ecodit LLC لتطويره وتأهيله والحفاظ عليه، ويمتد من عندقت في عكار شمالاً إلى مرجعيون جنوباً (293 ميلاً). يعبر الدرب أكثر من 75 بلدة وقرية، عند علو يتراوح من 600 إلى 2000 متر (1968 إلى 6562 قدماً) فوق سطح البحر.

يرغب المسؤولون عن "درب الجبل اللبناني" في إطلاق دروب جانبية جديدة، وحماية التراث والمعالم الطبيعية والثقافية والمعمارية في جوار الدرب، وتعزيز الفرص الاقتصادية عن طريق السياحة المسؤولة. قال كريستيان أخرس، وهو من أكثر الأدلاّء خبرةً في "درب الجبل اللبناني" لموقع "المونيتور": "يُنظَر إلى السياحة البيئية في لبنان بطرق كثيرة، بعضها صحيح وبعضها الآخر خاطئ".

أضاف: "نركّز على سكّان القرى ونستهدفهم في شكل خاص. ننظّم حدثَين في السنة: ‘المسيرة الكاملة’ (Thru Walk) و‘رحلة الخريف’ (Fall Trek)، اللذين يضخّان الكثير من الأموال في القرى عبر توظيف أدلاّء محليين والاستعانة بوسائل النقل الداخلية، وشراء المأكولات، واستخدام بيوت الضيافة"، مشيراً إلى أن "الوضع في لبنان لا يؤمّن قدراً كبيراً من الاستقرار في السياحة، لذلك نبذل قصارى جهدنا لاستقطاب الأشخاص من أجل التعرّف على التراث القروي والطبيعي والثقافي للبلاد، لأن الأمر لا يقتصر فقط على المشي في الطبيعة".

يمكن أيضاً استكشاف السياحة البيئية من خلال بيوت الضيافة المراعية للبيئة (ecolodges)، وهي عبارة عن منتجعات مخصّصة لإقامة السياح مع ممارسة الحد الأدنى من التأثير على البيئة الطبيعية المجاورة.

منتجع "إيكو داليدا" ومجمّع بيوت تعنايل التراثية (تعنايل إيكولودج) هما من المبادرات الأخرى التي تهتم أيضاً بالسياحة البيئية.

يؤمّن منتجع "إيكو داليدا" في بلدة تنورين، فوق مدينة بيبلوس (جبيل) شمالاً، خدمات المنامة والفطور، ويضم أيضاً مطعماً تراثياً يقدّم أطباقاً ومأكولات محلية مصنوعة منزلياً بواسطة فواكه وخضار من القرية. يقع المنتجع عند مدخل محميّة غابة أرز تنورين الطبيعية التي تملكها وتديرها عائلة من البلدة. ويساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي عبر شراء المواد الغذائية من اللحّامين والمخابز المحلية، وتوظيف شباب من البلدة في موسم الذروة. ويستخدم ألواحاً تعمل على الطاقة الشمسية لتسخين المياه.

أنشأت جمعية Arcenciel التي تتّخذ من تعنايل مقراً لها منذ العام 1999، "تعنايل إيكولودج" في العام 2006، وهو عبارة عن قرية تراثية من البيوت المصنوعة من الطين والقرميد، فضلاً عن مطعم الخان المقصود الذي يقدّم أطباقاً لبنانية تقليدية، والمبنيّ أيضاً من الطين والقرميد. وينظّم المطعم أنشطة متنوّعة مستوحاة من التقاليد اللبنانية، مثل إعداد الهريسة التي تُعتبَر طبق الخان التقليدي؛ وتحضير القاورما، وصاج التنور، وجاروشة القمح؛ وغسل الثياب بالطريقة التقليدية؛ وقص شعر الأغنام؛ فضلاً عن تحضير القهوة على الفحم. هذه القرية التراثية مرتبطة بكروم تعنايل التي تمتدّ على مساحة 230 هكتاراً (568 أكراً)، والتي يملكها اليسوعيون وتديرها Arcenciel منذ العام 2009 عبر تنفيذ مشاريع سياحية وزراعية، حيث يأتي الزوّار لتنشّق الهواء النقي واللعب في الخارج أو ركوب الدرّاجة أو الأحصنة.

قالت لينا شكور، مديرة الاتصال لدى Arcenciel، لموقع "المونيتور": "تتمثّل رسالة Arcenciel في المساهمة في التنمية المستدامة عبر تعزيز فن العمارة التقليدي وأساليب البناء التقليدية. تقوم رؤيتنا على المساهمة في الحفاظ على الواحة المناخية والجغرافية والثقافية التي يتميّز بها لبنان، والمشاركة في إحياء التراث وفن العمارة اللبنانيَّين".

أضافت شكور أن السياحة البيئية في لبنان تحمل طاقات كبيرة، لكنها لا تزال دون المستوى المطلوب من التطوير: "بلدنا جميل يتميّز بمناظره الطبيعية المتنوّعة، ومناخه الرائع المناسب لممارسة الأنشطة في الهواء الطلق، فضلاً عن غنى الطبيعة اللبنانية". بحسب شكور "هناك مبادرات، لكن ما زال بالإمكان فعل الكثير شرط تنسيق الجهود على مستوى وطني".

تقترح شكور أفكاراً من أجل تعزيز البيئة في لبنان. تقول: "يجب تنظيم دورات للتوعية حول السياحة البيئية في المدارس بهدف لفت الانتباه إلى هذا القطاع من أجل تطويره. ويجب تنفيذ مشاريع مشتركة بين وزارة السياحة والوكالات الدولية والمجتمع المدني بغية تسليط الضوء على طاقات لبنان وإمكاناته في مجال السياحة البيئية المسؤولة".

يبدو أن وزير السياحة الحالي ميشال فرعون سمع هذا النداء وبدأ بتطبيقه في العام 2014. ففي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، توجّه إلى قرية برقة في البقاع لدعم "مملكة اللزاب"، وهي منظمة غير حكومية تأسست في العام 2010 لحماية المنطقة وإعادة تشجيرها. ومنذ ذلك الوقت، تحرّك سكّان برقة لإطلاق أنشطة سياحية ريفية عبر بناء منتجعات مراعية للبيئة، وتنظيم مخيّمات صيفية للشباب بهدف توعيتهم حول البيئة، وإنعاش الأعمال المحلية لا سيما الزراعية منها.

تسعى المنظمة إلى شقّ دروب جبلية واستخدام أدلاّء للعمل معهم على إنعاش المنطقة.

السياحة الريفية هي الهدف الأساسي بالنسبة إلى الوزير، لأنها "تتمتّع بطاقات وتأثير أكبر من السياحة البيئية"، كما قال لموقع "المونيتور" مضيفاً: "بدأنا العمل مع البلديات والجمعيات في المناطق الريفية كي تتعاون معاً وتضع جردةً بالمعالم والمزايا السياحية التي تتمتّع بها، ثم وضعنا خرائط وروزنامات [لتشجيع] السيّاح على القدوم وزيارة المناطق المختلفة في لبنان". تابع فرعون: "في غضون خمس سنوات، ستغطّي هذه الخطة 20 إلى 30 منطقة، وسوف ندعم تطوّرها من الناحية التقنية. نشجّع أيضاً وكالات السفر على ابتكار أنشطة غير تقليدية، عبر تنظيم رحلات لاستكشاف صناعة العسل والنبيذ وزراعة التفاح مثلاً". وفقاً للوزارة، تشكّل السياحة الريفية سبعة في المئة من السياحة الوطنية، لكن يمكن أن تصل نسبتها إلى 20 في المئة في غضون سنوات قليلة.

السياحة البيئية تحترم البيئة والمجتمعات المحلية. وتشكّل، إلى جانب السياحة الريفية، عملة صعبة في أيدي اللبنانيين الذين يستطيعون استخدامهما لتوليد طلب جديد، بعيداً من الوجهات الفخمة والأنشطة الترفيهية التي يُعرَف بها لبنان، لا سيما في المنطقة الساحلية.

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات عن التراث الثقافي في الشرق الأوسط. لقراءة المزيد، اضغط هنا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : tourism, lebanon, lebanese society, lebanese identity, lebanese history, environment, ecotourism, ecology

فلورانس ماسينا هي صحفيّة مقيمة في بيروت تكتب حول المسائل الاقتصاديّة، والثقافيّة والاجتماعيّة. درست العلوم السياسيّة والصّحافة في تولوز في جنوب فرنسا، وهي تسافر متنقّلة في المنطقة منذ العام 2010. تركّز ماسينا بشكل أساسي على التراث وقضايا المرأة، فضلاً عن تقديم أفكار إيجابية للبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept