نبض العراق

نحو حماية "الحشد الشعبيّ" من محاولات التّسييس

p
بقلم
بإختصار
لا يمكن تفكيك الالتباسات السّائدة داخل العراق وخارجه حول "الحشد الشعبيّ" ودوره في العمليّات العسكريّة وتأثيره على المسارات السياسيّة الحاليّة والمستقبليّة من دون الانطلاق من حقيقة مفادها أنّ هذه القوّة العسكريّة الّتي تتكوّن من متطوّعين وعناصر مجموعات مسلّحة هي الأكثر كفاءة حتّى الآن لمواجهة تنظيم "داعش" في العراق، وهي القوّة الّتي نجحت في تقويض مخاطر امتداده إلى بغداد ومناطق جنوب...

لا يمكن تفكيك الالتباسات السّائدة داخل العراق وخارجه حول "الحشد الشعبيّ" ودوره في العمليّات العسكريّة وتأثيره على المسارات السياسيّة الحاليّة والمستقبليّة من دون الانطلاق من حقيقة مفادها أنّ هذه القوّة العسكريّة الّتي تتكوّن من متطوّعين وعناصر مجموعات مسلّحة هي الأكثر كفاءة حتّى الآن لمواجهة تنظيم "داعش" في العراق، وهي القوّة الّتي نجحت في تقويض مخاطر امتداده إلى بغداد ومناطق جنوب العراق.

ورغم أنّ ثمّة سوء فهم وتضارباً في المعلومات حول طبيعة هذه القوّة ونشاطها، فإنّ شرعيّتها استمدّت من فتوى المرجع الدينيّ الأعلى السيّد علي السيستاني (الجهاد الكفائيّ) في يونيو/حزيران من عام 2014.

وتنص الفتوى بان "على المواطنين في العراق الذي يتمكنون من حمل السلاح للتطوع في صفوف القوات الامنية للدفاع عن البلاد". لكن هناك من اعتبرها دعوة للشيعة لحمل السلاح ضد السنة على رغم ان الفتوى اشارت الى ان مسؤولية التصدي للارهابيين هي مسؤولية الجميع ولا تختص بطائفة دون اخرى او طرف دون اخر.

كما أنّ نجاح هذه القوّة في وقف تمدّد تنظيم "داعش"، بل واستعادة مناطق مهمّة احتلّها في جنوب بغداد وديالى وصلاح الدّين، منحها شرعيّة إضافيّة واقعيّة، في ضوء الانكسار الّذي أصاب الجيش العراقيّ مع بداية احتلال تنظيم "داعش" للموصل في العاشر من حزيران/ يونيو2014.

وهناك أيضاً مصدر شرعيّة آخر يتمثّل في تبنّي الحكومة العراقيّة بشكل رسميّ لـ"الحشد الشعبيّ" كقوّة رسميّة في 10 نيسان/أبريل 2015 تحصل على رعاية الدولة ويستلم منها أفرادها رواتب وأسلحة وتجهيزات.

ومن المؤمل أن يدخل "الحشد الشعبيّ" قانونيّاً في منظومة الدولة عبر تشريع قانون "الحرس الوطنيّ"، الّذي ما زال يراوح في أروقة البرلمان بسبب الخلافات السياسية حوله.

وهذه الإطلالة الأوليّة ضروريّة للنّظر إلى قضيّة "الحشد الشعبيّ" في سياق رسميّ، ولكنّها ضروريّة أيضاً لتأشير المخاطر الّتي تترتّب على إبقاء حال الغموض حول تقنين عمل مجموعات "الحشد الشعبيّ" ونشاطها وحمايتها من التّسييس.

وحسب خريطة المجموعات، الّتي شكّلت "الحشد الشعبيّ"، فإنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: مجموعات تشكّلت على أساس فتوى السيّد السيستاني، ولا جذور لها لأحزاب سياسيّة ولا طموحات سياسيّة، وبعضها يتبع في شكل مباشر مكاتب المرجعيّة.

الثاني: مجموعات شكّلتها أحزاب سياسيّة أو تمثّل في الأساس أذرعها العسكريّة، مثل "سرايا عاشوراء – المجلس الأعلى" و"سرايا السلام – تيّار الصدر"، و"فيلق بدر – منظّمة بدر". ولهذه مجموعات أصول سياسيّة في الأساس، وهي متباينة حول مرجعيّاتها الدينيّة.

الثالث: مجموعات مسلّحة كانت موجودة في العراق منذ سنوات، وخاضت معارك ضدّ القوّات الأميركيّة، وشاركت في عمليّات بسوريا، مثل "عصائب أهل الحقّ"، "كتائب حزب الله"، "أبو الفضل العبّاس"، و"الخراساني" وغيرها، وهي فصائل لديها طموحات سياسيّة، وبعضها اشترك في انتخابات عام 2014 مثل "عصائب أهل الحقّ" تحت اسم "كتلة الصادقون".

ولا يمكن إغفال أنّ اغلب القوى داخل "الحشد الشعبيّ"، تنحدر من أحزاب لها طموحات سياسيّة واهداف خاصة بها، وتسعى عبر المشاركة في معارك الحشد الشعبي الى تغيير البيئة السياسيّة لفائدتها، لضمان مصالحها البعيدة المدى.

وكشفت الحادثة الأخيرة في شكل ما عن إمكان تحوّل بعض مجموعات "الحشد الشعبيّ" إلى أدوات سياسيّة، كما حصل في البصرة، عندما أقال محافظ المدينة ماجد النصراويّ، وهو أحد أعضاء المجلس الأعلى ومقرّب من مجموعات "سرايا عاشوراء"، ممثّل "الحشد الشعبيّ" في المدينة سلام الديراويّ إثر اتّهامه الأخير باستخدام الحشد لأهداف سياسيّة وإقتصاديّة، في مقابل اتّهام الديراويّ للنصراويّ بتسييس "سرايا عاشوراء" واستخدامها للدّفاع عنه.

وإنّ الاعتراف بالدور الّذي لعبه "الحشد الشعبيّ" في حماية العراق، يجب أن يقابله اعتراف آخر بضرورة حماية هذه القوى المسلّحة، وتحديد دورها في مواجهة تنظيم "داعش" وتجنّب الزجّ بها في صراعات سياسيّة أو إقتصاديّة، وهذا الأمر لا يمكن أن يحدث إلاّ من خلال إكمال احتواء هذه المجموعات داخل نطاق الدولة، ضمن قانون "الحرس الوطنيّ" لتتمكّن الدولة من إحداث الفصل الطبيعيّ بينها وبين أذرعها السياسيّة.

إنّ استمرار الخلافات حول مشروع "الحرس الوطنيّ" وعدم المضي فيه قدماً ليحتوي كلّ المتطوّعين الشيعة والسنّة للحرب ضدّ "داعش" لا يخدم أحداً، ممّا يتطلّب البحث الجديّ في هذه الخطوة بما يشكّل حماية لكيان الدولة، ويمنحها القدرة على رعاية القوى المسلّحة واستيعابها لتكون من أذرع الدولة العسكريّة والأمنيّة، وتجرّدها من أيّ وصف حزبيّ أو سياسيّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : shiites, popular mobilization units, national guard, iraq crisis, is, fatwa, ali al-sistani
مصطفى الكاظمي كاتب عراقي متخصص في الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الانسان. لديه خبرة واسعة في مجال توثيق الشهادات الحية وأرشفة الأفلام الوثائقية المرتبطة بالممارسات القمعية. كتب العديد من الكتب منها: مسألة العراق، أنشغالات أسلامية ، علي ابن ابي طالب الامام والانسان و اهمها كتاب  ” انشغالات أنسانية “  الذي تم اختياره في عام 2000 من قبل الاتحاد الأوروبي كأفضل كتاب كتبه لاجئ سياسي.  
 
 
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept