نبض إيران

هل ستتمكّن إيران من استعادة ملياراتها؟

p
بقلم
بإختصار
أصدر المسؤولون الإيرانيّون تصريحات متعارضة حول حجم احتياطات إيران الأجنبيّة المجمّدة.

في الفترة التي سبقت الاتّفاق النّووي بين إيران والقوى العالميّة الستّ، جرى الحديث عن رفع التجميد عن أكثر من 100 مليار دولار من الأصول الإيرانيّة نتيجة 'خطّة العمل الشاملة المشتركة'، غير أنّه في 15 تموز/يوليو، أعلن 'ولي الله سيف'، محافظ البنك المركزي الإيراني، أنّ المبلغ الإجمالي "للأموال القابلة للاستعمال" التي سيتمّ تحريرها سيكون "23 مليار دولار تخصّ البنك المركزي الإيراني وحوالي 6 إلى 7 مليارات دولار تخصّ الحكومة". وبعد يومين، قام 'غلام رضا مصباحي مقدّم'، وهو عضو بارز في لجنة التخطيط والموازنة بمجلس الشورى، بتحديد الرقم الإجمالي بـ130 مليار دولار. من الواضح أنّ مثل هذه الاختلافات ستسبّب ارتباكًا، وقد أدّى التّباين إلى جدل كبير لدرجة أنّ سيف كتب رسالة عامة إلى الرئيس حسن روحاني لشرح التفاصيل، مشدّدًا على أنّ "المبلغ الإجمالي للاحتياطات الأجنبيّة يبلغ 107 مليارات دولار لكنّ المبلغ القابل للاستعمال سيكون 26 مليار دولار فقط".

الواقع هو أنّ كلّاً من هذين الرّقمين يمكن أن يكون صحيحًا نظريًا. فالفارق الدّقيق الذي تلحظه رسالة 'سيف' هو مصطلح "قابل للاستعمال". وبعبارات وزير الشؤون الاقتصاديّة والماليّة 'علي طيب نيا'، "المسألة مسألة تعريف كلّ شخص لأصول إيران الخارجيّة". وهو يفيد بأنّ احتياطي إيران من العملة الصّعبة في الخارج يصل إلى 100 مليار دولار، لكن ما يمكن استعماله هو الرقم الذي حدّده محافظ البنك المركزي الإيراني.

ولتسليط الضّوء على الاختلاف، لا بدّ من تحليل بعض الأرقام الرّئيسيّة. وقبل تناول النّقاط المتعدّدة، تجدر الإشارة إلى أنّ إيران أعادت حوالي 25 مليار دولار من احتياطها الخارجي منذ تطبيق خطّة العمل المشتركة المؤقّتة في كانون الثاني/يناير 2014.

أموال البنك المركزي الإيراني التي جرى تجميدها في حسابات مصرفيّة دوليّة بعد أن فرضت الولايات المتّحدة عقوبات على الصّفقات الماليّة مع المصرف تصل إلى 23 مليار دولار. وهذه أرصدة لم يتمكّن البنك المركزي الإيراني من الوصول إليها منذ العام 2012.
أموال تخصّ الحكومة الإيرانيّة موقوفة في حسابات مصرفيّة هنديّة تصل إلى 7 مليارات دولار تقريبًا. وهذا رصيد صادرات النفط الخام إلى الهند منذ العام 2012. مقابل صادرات الخام، تلقّت طهران بعض السّلع (بخاصّة الأرزّ)، وبعض الأموال (عبر دول العالم الثالث)، واحتفظت أيضًا برصيدٍ بالدولار الأميركي يمكن استعماله لدى رفع العقوبات.

أموال حكوميّة مجمّدة في حسابات مصرفيّة صينيّة تصل إلى 22 مليار دولار. لا يمكن الوصول إلى هذه الأموال مباشرة بعد رفع العقوبات، إذ جرى استعمالها كضمانات للتمويل الصّيني لمشاريع إيرانيّة على مدى الأعوام الخمسة المنصرمة؛ وهي ستبقى في حسابات توفير صينيّة إلى حين تسديد تسهيلات القروض والتمويل من قبل أصحاب المشاريع الإيرانيّين أو الصّينيّين.

أموال البنك المركزي الإيراني التي جرى تخصيصها لمشاريع القطاع النّفطي تتراوح بين 25 و35 مليار دولار. في الماضي، كان يجري استثمار أقسام من الاحتياطي الدولي للبنك المركزي الإيراني في العملة الصّعبة في مشاريع القطاع النّفطي، ويجري تشغيل مشاريع الاستثمار هذه عبر شركة 'نافتيران انترتريد' التي تشكّل الذراع التجاري الدولي للشركة الوطنيّة الإيرانيّة للنّفط. بعبارات أخرى، تقترض شركة 'نافتيران انترتريد' العملة الصّعبة من البنك المركزي الإيراني بدلاً من اقتراض الأموال من المصارف الدوليّة، وتستعمل هذه الأموال لشراء المعدّات أو للاستثمار في القطاع النفطي. وحدهما البنك المركزي الإيراني وشركة 'نافتيران انترتريد' قادران على إعطاء رقم دقيق لهذه الأموال بما أنّها بالحالة السّائلة، لكنّ 'سيف' حدّد الرّقم بـ25 مليار دولار، في حين ذكر آخرون أرقامًا تصل إلى 35 مليار دولار. مهما كانت الحقيقة، لا يمكن أن يستعمل البنك المركزي الإيراني أيًا من هذه الأموال في المرحلة الحاليّة. لكن يمكن أن يبدأ كلّ من شركة 'نافتيران انترتريد' والشّركة الوطنيّة الإيرانيّة للنّفط باستعمال المبالغ المحرّرة لمشاريعهما الجارية، ونظرًا إلى سعر النّفط المنخفض، من الواضح أنّ هذه الأموال ستصبّ في مشاريع حاليّة أو مستقبليّة. بالإضافة إلى ذلك، في السّنوات القليلة الماضية، موّلت الشركة الوطنيّة الإيرانيّة للنّفط عددًا من المشاريع عبر تخصيص إنتاج النفط الخام المستقبلي للمستثمرين أو المموّلين. وبالاستناد إلى طبيعة عقود التمويل هذه، قد تضطرّ الشركة الوطنيّة الإيرانيّة للنّفط إلى التسديد للمموّلين عبر النّقد الذي جرى رفع التّجميد عنه، وتحرير إنتاجها المستقبلي الخاصّ للصّادرات.

ودائع المصارف الإيرانيّة في حسابات دوليّة تصل إلى 15 مليار دولار. قبل وصول أقسى موجة من العقوبات المصرفيّة في العام 2012، كان للمصارف الإيرانيّة أرصدة هامّة مع المصارف الدوليّة، من جهة كضمانة لمدّخراتها المحليّة بالعملة الصعبة، ومن جهة أخرى كضمانة لصفقاتها مع المصارف المراسلة الخاصّة بكلّ منها (بخاصّة لخطابات الاعتماد). بطبيعة الحال، جرى أيضًا تجميد هذه الأرصدة، وسيجري رفع التّجميد عنها في سياق عملية تطبيق 'خطّة العمل الشاملة المشتركة'. لكنّ هذه الأموال هي تحت تصرّف المصارف الفرديّة وليس الحكومة أو البنك المركزي الإيراني.

أرصدة الشّركات والمواطنين الإيرانيّين في المصارف الدوليّة تصل حاليًا إلى 10 مليارات دولار. ويشكّل هذا الرّقم علامة الاستفهام الكبرى إذ يلفّه غموض كبير، فعدد كبير من الشركات والأفراد في إيران كانوا يمتلكون أرصدة أجنبيّة عندما فُرِضت العقوبات المصرفيّة، ومع أنّ بعض المصارف الغربيّة أصدرت إنذارات إلى عملائها الإيرانيّين قبل تجميد حساباتهم، حاولت شركات كثيرة مواصلة عملها من خلال المصارف الدولية. وبعض الشركات، مثل شركة الناقلات الوطنية الإيرانية التابعة للشّركة الوطنيّة الإيرانيّة للنّفط، كانت تملك مليارات الدولارات في حسابات دوليّة. وفي ما يتعلّق بالمواطنين الأفراد، وكما ورد في مقال للمونيتور صدر في العام 2013، أدّى الضّغط من أجل إغلاق الحسابات الأجنبيّة إلى ضخّ غير مسبوق لرأس المال في قطاع الإسكان في العامين 2008 و2009. مع ذلك، تبقى مبالغ ضخمة عالقة في حسابات دوليّة، ولا بدّ أيضًا من تحريرها في سياق عملية تطبيق 'خطّة العمل الشاملة المشتركة'.

لدى جمع الأرقام المذكورة أعلاه، يصل المبلغ إلى أكثر من 100 مليار دولار من الاحتياطي الخارجي، وسيكون له وضع جديد لدى رفع العقوبات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تضاف إلى اللائحة احتياطات البنك المركزي الإيراني الأجنبيّة من الذّهب فضلاً عن أصول إيران المجمّدة في الولايات المتّحدة. في هذه الحالة، يمكن أن يقترب المرء فعليًا من حاجز الـ130 مليار دولار، مع أنّ الرقم النهائي سيعتمد على تقدير الأموال والأملاك الإيرانيّة المجمّدة في الولايات المتّحدة.

لا شكّ في أنّ رفع التجميد عن الأموال المجمّدة في الولايات المتّحدة سيتطلّب إجراءات قانونيّة طويلة، لكن يمكن التأكيد على أنّ الاقتصاد الإيراني سيكون في وضع مالي أفضل بكثير لدى تطبيق 'خطّة العمل الشاملة المشتركة' – على الأرجح في النّصف الأوّل من العام 2016.

ومع أنّ محافظ البنك المركزي الإيراني يؤكّد على أنّ المبلغ القابل للاستعمال سيقارب 30 مليار دولار فقط، سيكون لهذه الأموال قدرة أكبر بكثير بفضل الحلول المتخصّصة الإبداعيّة. على سبيل المثال، لا يتعيّن على مبلغ الـ22 مليار دولار في الحسابات المصرفيّة الصّينيّة أن يبقى مجمّدًا في اتفاقيات تمويل بين الطرفين فحسب؛ إذ يستطيع البنك المركزي الإيراني تسديد متوجّبات المموّلين الصّينيّين، وتحرير رأس المال هذا، والدّخول في صفقات أفضل مع المؤسّسات الماليّة الدوليّة. هذا ليس ممكنًا في ظلّ نظام العقوبات الحالي، لكن يجب أن يكون معقولاً لدى رفع القيود الحاليّة.

بالإضافة إلى ذلك، متى أصبح بإمكان المصارف والشركات الإيرانيّة الوصول بحريّة إلى أرصدتها الدوليّة، يجب أن تكون قادرة على توليد القيمة للاقتصاد الإيراني، سواء أكان عبر تمويل الاستيراد أم التصدير وغير ذلك من أنواع التعاون الدولي.

في النّهاية، مهما كان مجموع الأموال الموجودة تحت تصرّف الحكومة، أوعز الرئيس روحاني إلى المسؤولين في استعمالها لمشاريع البنى التحتيّة ولدعم الصّناعات المحليّة. ويعكس هذا المرسوم أمرين رئيسيّين: أنّ روحاني ما زال مركّزًا على خلق الوظائف بما أنّ كلاّ من البنية التحتيّة والصناعة المحليّة لديه آثار كبيرة على التوظيف، وأنّ الحكومة ترغب في تمكين الصّناعة الإيرانيّة بما أنّها ستكون غير محميّة في حال أيّ فتح محتمل للسّوق المحليّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : oil prices, nuclear deal, jcpoa, iranian economy, iranian economic sanctions, hassan rouhani, central bank
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept