نبض تركية

ماذا ينتظر تركيا؟

p
بقلم
بإختصار
مع خسارة "حزب العدالة والتنمية" أكثريته البرلمانية في الانتخابات العامة، من غير المرجّح قيام ائتلاف حيوي، وكل المؤشرات تُظهر أن أزمة سياسية تلوح في الأفق.

بحلول الظهر بالتوقيت التركي في الثامن من حزيران/يونيو الجاري، كان قد تم فرز 96.6 في المئة من الأصوات في أكثر من 174000 مركز اقتراع في الانتخابات التشريعية التركية. وقد صدرت النتائج على الشكل الآتي: خسر "حزب العدالة والتنمية" الحاكم أكثريته البرلمانية، وتمكّن "حزب الشعوب الديمقراطي" المناصر للأكراد، الذي يلقى مؤخراً حظوة لدى الليبراليين والقوى المناصرة للديمقراطية في تركيا، من تجاوز عتبة العشرة في المئة غير الديمقراطية، عبر حصوله على نسبة 13.1 في المئة من الأصوات.

بات توزيع المقاعد في البرلمان التركي الجديد على الشكل الآتي:

- 258 مقعداً لـ"حزب العدالة والتنمية" الإسلامي (40.9 في المئة)

- 132 مقعداً لحزب المعارضة الأساسي، "حزب الشعب الجمهوري" (25 في المئة)

- 80 مقعداً لـ"حزب الحركة القومية" التركي (16.3 في المئة)

- 80 مقعداً لـ"حزب الشعوب الديمقراطي" المناصر للأكراد

وقد كانت نسبة الإقبال مرتفعة جداً، إذ بلغت 86 في المئة من الناخبين، أي بزيادة نحو 3 في المئة بالمقارنة مع نسبة الـ83.16 في المئة التي شاركت في الانتخابات العامة في العام 2011.

في الانتخابات العامة في العام 2011، فاز "حزب العدالة والتنمية" بـ327 مقعداً مع حصوله على نسبة 49.83 في المئة من الأصوات، في حين فاز "حزب الشعب الجمهوري" بـ135 مقعداً مع نسبة 25.98 في المئة من الأصوات، و"حزب الحركة القومية" بـ53 مقعداً مع نسبة 13.01 في المئة من الأصوات. لم يكن "حزب الشعوب الديمقراطي" موجوداً في ذلك الوقت، وقد جرى انتخاب 35 مستقلاً مناصرين للأكراد.

لا جدل في أن المنتصر هذا العام هو "حزب الشعوب الديمقراطي". ومن المؤكّد بالدرجة نفسها أن الخاسر هو الرئيس رجب طيب أردوغان في ما يُعتبَر على نطاق واسع استفتاء ضمنياً على رئاسته. فأردوغان الذي انتُخِب رئيساً قبل أقل من عام بنسبة 52 في المئة من الأصوات، شنّ حملة قوية بهدف الحصول على دعم واسع من أجل تعديل الدستور لفرض نظام رئاسي في تركيا وانتزاع صلاحيات تنفيذية لنفسه.

قال صلاح الدين دميرتاش، النجم الكردي الصاعد في السياسة التركية، في خطاب النصر في وقت متأخر ليلة الانتخابات: "اعتباراً من هذه الساعة، انتهى السجال حول الرئاسة والديكتاتورية. لقد تفادت تركيا كارثة وشيكة". وقد علا هتاف الحشود المبتهجة لدى سماع كلامه هذا. وقال المحتشدون مخاطبين أردوغان: "منعناك من أن تصبح الرئيس [الذي أردت أن تكونه]".

في مستهل الحملة، سعى أردوغان للحصول على 400 مقعد لـ"حزب العدالة والتنمية". ثم خفّض توقعاته إلى 330 مقعداً، وهو العدد الضروري لإجراء استفتاء حول تعديل الدستور. ثم في الأسابيع الأخيرة، كان مكتفياً بالحصول على 276 مقعداً، أي الأكثرية الدنيا المطلوبة لتشكيل حكومة من حزب واحد.

النتيجة واضحة: لم يخسر "حزب العدالة والتنمية" نحو عشرة في المئة من الدعم السابق له وحسب، بل أيضاً وعلى الرغم من تصدّره نتائج الانتخابات، خسر نحو 70 مقعداً وظل بحاجة إلى 18 مقعداً للحصول على العدد الضروري من أجل فرض حكم الحزب الواحد. لأول مرة منذ العام 2002، خسر "حزب العدالة والتنمية" الذي كان قد فاز مع هوامش آمنة في العام 2007 ثم في العام 2011، حقه في تشكيل حكومة الحزب الواحد.

سرعان ما أدّت هذه الانتكاسة الكبيرة التي أصيب بها أردوغان و"حزب العدالة والتنمية" إلى انطلاق التكهّنات حول المرحلة المقبلة. بما أنه لا يمكن تشكيل حكومة من حزب واحد مع التوزيع الحالي للمقاعد البرلمانية، وعددها 550 مقعداً، يجب أن ينال ائتلاف من الأحزاب تصويتاً على الثقة ويبدأ بإدارة البلاد. الخيار الآخر هو تشكيل حكومة أقلية في حال وجود إجماع داعِم لها. غني عن القول أن مثل هذه الحكومة ستكون تحت رحمة الأحزاب لأنها ستُضطر إلى التعويل عليها.

بموجب الدستور التركي، بإمكان الرئيس الدعوة إلى انتخابات أخرى في حال فشلت الأحزاب في تشكيل حكومة والحصول على تصويت بالثقة في غضون 45 يوماً. يجب تكرار الانتخابات في غضون ثلاثة أشهر.

لكن لا تزال بحوزة أردوغان بعض الأوراق التي يمكنه استخدامها، على الرغم من أنه قد يبدي تردداً في التحرك لأنه من شأن إجراء الانتخابات من جديد أن يشكّل سيفاً ذا حدّين له ولـ"حزب العدالة والتنمية".

تُقدّم نتائج الانتخابات مؤشراً عن توازن القوى الجديد في تركيا، وغالب الظن أنه لن يتغير في غضون ثلاثة أشهر. وفي حال تغيّر، فقد يشهد على مزيد من التراجع في مكانة أردوغان و"حزب العدالة والتنمية"، لأنه بات واضحاً أنه يمكن وقف أردوغان وأن "حزب العدالة والتنمية" لم يعد حزباً لا يُقهَر.

من أولى النتائج التي ستترتّب عنها الانتخابات ظهور نقاش داخلي في "حزب العدالة والتنمية". على الرغم من أن رئيس "حزب العدالة والتنمية"، رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، ألقى خطاب النصر من على شرفة مقر الحزب في أنقرة، لم يكن كلامه مقنعاً على الإطلاق.

وكان يحيط به قدامى الحزب، مثل نائب رئيس الوزراء بولنت أرينج، ونائب رئيس الوزراء السابق بشير أتالاي، ووزير الخارجية مولود جاووش أوغلو. وقد بدت وجوههم جميعاً كالحة وراحوا يحدّقون في الأرض، خلافاً لأجواء البهجة التي حاول داود أوغلو بثها خلال خطابه، وكأنه لا يزال يشنّ حملته الانتخابية.

ورد في تغريدة انتشرت على نطاق واسع: "على أحدهم أن يذكّر داود أوغلو أنهم لم يعودوا في موقع قوة، فقد خسروا عشرة في المئة من الأصوات، أي نحو 6.5 ملايين صوت، وتراجعوا من 311 إلى 258 مقعداً".

وذكّر موقع "ديكن" الإلكتروني النافذ القرّاء بأن داود أوغلو أعلن في 9 أيار/مايو الماضي أنه إذا لم يفز "حزب العدالة والتنمية" بالأكثرية في الانتخابات، سوف "يستقيل في 8 حزيران/يونيو".

على الأرجح أن السجال الذي قد ينطلق داخل "حزب العدالة والتنمية" سيؤدّي إلى عودة الرئيس السابق ومؤسس الحزب عبدالله غول إلى صفوفه. وسوف تبدأ لعبة إلقاء اللوم: هل السبب هو أردوغان أو خلفه "غير المناسب" داود أوغلو؟ غياب الوحدة في صفوف الحزب يجعل خيار تشكيل حكومة أقلية مؤلّفة من "حزب العدالة والتنمية" بقيادة داود أوغلو، احتمالاً ضعيفاً جداً، حتى لو نجح هذا الأخير في الحفاظ على منصبه.

من السابق لأوانه معرفة ما هي الخطة التي سيلجأ إليها أردوغان. لأول مرة منذ أشهر، لم يُطل أمام عدسات الكاميرات، واكتفى بإصدار بيان خطي هادئ في اليوم التالي للانتخابات. لا يزال من المبكر جداً أن نحدّد إذا كان سيدفع باتجاه تغيير في قيادة "حزب العدالة والتنمية" أم إذا كانت القواعد الحزبية ستنتفض ضده. لا يمكن استبعاد أي من هذين الاحتمالين في الوقت الحالي.

اقترح أرينج في الثامن من حزيران/يونيو الجاري أن تعمد أحزاب المعارضة الثلاثة - "حزب الشعب الجمهوري" و"حزب الحركة القومية" و"حزب الشعوب الديمقراطي" - إلى تشكيل حكومة ائتلافية. لكن زعيم "حزب الحركة القومية" دولت بهجلي أعلن، عن غير قصد ربما، ليلة الانتخابات أن حزبه سيبقى خارج أي ائتلاف، مقترحاً تشكيل ائتلاف من "حزب العدالة والتنمية" و"حزب الشعب الجمهوري" و"حزب الشعوب الديمقراطي". وشدّد أيضاً على أن "حزب الحركة القومية" جاهز لإجراء انتخابات مبكرة.

وكذلك أصدرت قيادة "حزب الشعوب الديمقراطي" بياناً اعتبرت فيه أنه من غير الوارد تشكيل ائتلاف مع "حزب العدالة والتنمية" أو تقديم أي دعم له. يبدو أن الائتلاف مع "حزب الشعوب الديمقراطي" و"حزب الحركة القومية" لن يكون قابلاً للحياة، أو بالأحرى تشكيل مثل هذا الائتلاف مستبعد في الأساس.

لا يزال من السابق لأوانه مناقشة أي بديل ائتلافي آخر، إما بين "حزب الشعب الجمهوري" و"حزب العدالة والتنمية"، وإما بين "حزب الشعب الجمهوري" و"حزب الحركة القومية" أو "حزب الشعوب الديمقراطي".

يقف "حزب العدالة والتنمية" على شفا أزمة داخلية، وتبدو هذه القوة السياسية في حالة صدمة شديدة وتراجع. من شأن تشكيل ائتلاف مع "حزب العدالة والتنمية" أن يكون بمثابة قبلة عقرب مميتة بالنسبة إلى الأحزاب الصاعدة أو "حزب الشعب الجمهوري" الذي لم يحقّق أي مكاسب بل حافظ على مكانته في المعادلة السياسية المعقّدة في تركيا.

تُظهر كل المؤشرات أن أزمة سياسية أو مأزقاً يلوح في الأفق التركي. في اللحظة الراهنة، ليس هناك احتمال مرجّح أكثر من الآخر، بين تشكيل حكومة ائتلافية أو حكومة أقلية أو إجراء دورة انتخابية جديدة.

سنكون على موعد مع مناورات سياسية مكثّفة. وقد يترافق مرور الوقت مع تطورات اقتصادية عصيبة من شأنها أن تزيد من التعقيدات التي تعرقل التوصّل إلى مخرج بالاستناد إلى إجماع وطني. لكن هذه الالتباسات لم تكن مفاجئة على الإطلاق، فقد كانت كلّها متوقّعة.

أياً يكن ما تخبّئه الأيام المقبلة، إنها مناسَبة للاحتفال في تركيا لسبب بسيط جداً: في 7 حزيران/يونيو الجاري، تم تفادي الأسوأ.

وجد في : turkish politics, turkish opposition, turkish elections, turkey politics, recep tayyip erdogan, justice and development party, hdp, chp, akp
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X