"جباية الأموال" تطال أصحاب البسطات في غزّة

مدينة غزّة — يشكّل فصل الصيف الّذي يحلّ على قطاع غزّة، موسماً ينتظره آلاف العاطلين عن العمل لبدء مشاريعهم البسيطة، الّتي تمكّنهم من إعالة أسرهم في ظلّ التدهور الإقتصاديّ المستمّر، ومن بينها بيع الذرة المسلوقة والفاكهة الصيفيّة على عربات صغيرة متنقّلة بين الأسواق والشواطئ، ولكن أصحاب هذه المشاريع الّذين يحاولون مقاومة الفقر والبطالة، يواجهون عادة مضايقات عدّة من قبل السلطات المحليّة،...

al-monitor .

المواضيع

palestinians, palestinian society, israeli-palestinian conflict, hamas, gaza tunnel smuggling, gaza strip, economy, business

يون 4, 2015

مدينة غزّة — يشكّل فصل الصيف الّذي يحلّ على قطاع غزّة، موسماً ينتظره آلاف العاطلين عن العمل لبدء مشاريعهم البسيطة، الّتي تمكّنهم من إعالة أسرهم في ظلّ التدهور الإقتصاديّ المستمّر، ومن بينها بيع الذرة المسلوقة والفاكهة الصيفيّة على عربات صغيرة متنقّلة بين الأسواق والشواطئ، ولكن أصحاب هذه المشاريع الّذين يحاولون مقاومة الفقر والبطالة، يواجهون عادة مضايقات عدّة من قبل السلطات المحليّة، وأبرزها "فرض الجباية والغرامات".

ورأى الخبير الإقتصاديّ محسن أبو رمضان أنّ انتشار البسطات والباعة على الطرق يعدّ مشهداً طبيعياً نتيجة التدهور الإقتصاديّ وازدياد نسب الفقر والبطالة وتكدّس الخرّيجين الجامعيّين والحصار الإسرائيليّ والحروب المتكرّرة، وقال لـ"المونيتور": "إنّ الواقع الإقتصاديّ في غزّة لا يمنح ربّ الأسرة فرصة لإيجاد عمل يحمي أسرته من التسوّل. لذلك، يمتهن أيّ مهنة من أجل إعالتها".

لقد اضطرّ "أبو محمّد مقداد" (42 عاماً) الذي كان يعمل عاملاً في أحد مصانع الباطون التي دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة إلى استدانة بعض المال من أقربائه لشراء عربة لبيع الفواكه في حيّ الشيخ رضوان - شمال مدينة غزّة، من أجل توفير أدنى متطلّبات أسرته، الّتي شرّدها الحرب وأبقتها من دون مأوى، وقال مقداد لـ"المونيتور": "إنّ سيّارات الشرطة لا تكفّ عن ملاحقتنا، وتتذرّع بأنّ عملنا عبر الطرق غير قانونيّ وغير مرخّص، وتصادر في كلّ مرة الميزان الخاصّ بالكيل ومظلّة العربة، ولا يمكن استعادة تلك الأشياء، إلاّ بدفع 40 شيكلاً (نحو 10 دولارات) كغرامة ماليّة".

وقاطع حديثه "محمّد أبو ضلفة" (27 عاماً)، وهو بائع فواكه أيضاً، وقال: "إنّ مداهمات الشرطة تزايدت في الفترة الأخيرة، إذ كانت قديماً تحدث مرّة واحدة شهريّاً، ولكن خلال الأشهر القليلة الماضية باتت تتكرّر 3 أو 4 مرّات شهريّاً".

وأشار بامتعاض إلى "أنّ الهدف من ذلك جمع المال فقط"، لافتاً إلى أنّ البائع يضطرّ للذهاب إلى الشرطة ودفع الغرامة في كلّ مرة من أجل استعادة الموادّ الّتي تمّت مصادرتها، وقال: "في حال لم يذهب البائع خلال شهر لدفع الغرامات المفروضة تتمّ مصادرتها إلى الأبد وبيعها في مزاد علنيّ كقطع خردة".

أضاف أبو ضلفة بسخط: "إنّ السلطات المحليّة بدل انشغالها في تحسين خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحيّ للمواطنين، منشغلة اليوم في جمع الأموال كضرائب وغرامات".

وتبلغ نسبة الفقر في قطاع غزّة 65 في المئة، وفقاً لإحصاءات الرّبع الرّابع من عام 2014، الّتي أوردها الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ، عبر موقعه الإلكترونيّ في الثاني عشر من فبراير/شباط الماضي.

على بعد شارعين من حيّ الشيخ رضوان، يقف الشاب خضر العفّ (19 عاماً) على ناصية الطريق، وبين يديه صندوق يحتوي على علب السجائر، ويخشى من مصادرة بضاعته الّتي تعود إليه بربح ماليّ بمقدار 30 شيكلاً يوميّاً (نحو 8 دولارات)، وتعدّ مصدر الرزق الوحيد لعائلته المكوّنة من 4 أفراد، وقال لـ"المونيتور": "إنّ ملاحقة الشرطة لنا هي حال مزاجيّة، فأحياناً تتمّ ملاحقتنا، وأحيانا أخرى لا تأبه لنا. وفي حال تمّ القبض علينا تتمّ مصادرة بضاعتنا".

وقرّرت الشرطة في غزّة بـ6 أبريل/نيسان الماضي، منع الباعة المتجوّلين بيع السجائر على المفارق وفي الشوارع الرئيسيّة والفرعيّة، وقالت عبر موقع وزارة الداخليّة الإلكترونيّ: "إنّ الهدف من قرار المنع هو الحدّ من انتشار ظاهرة التدخين بين الأطفال دون سنّ الـ18".

وشكّك الشاب العفّ في مصداقيّة هذه الادعاءات، وقال ساخراً: "لو كانت هذه الذرائع صحيحة، فلماذا تسمح الشرطة للمحلاّت التجاريّة ببيع السجائر لكلّ الأعمار من دون عوائق؟"، وقال: "إنّ السبب الحقيقيّ وراء هذا القرار هو أنّنا نحصل على بضاعتنا قبل مرورها عبر الجمارك عن طريق تجّار بارعين في تهريب السجائر. لذلك، فإنّ هدف هذا القرار مكافحة السجائر غير المجمركة فقط".

ولم يجد الشاب أحمد أبو عاصي (25 عاماً) سوى صنع عربة لبيع الذرة المسلوقة على شاطئ بحر غزّة، الّذي يعدّ ملجأ الغزيّين للحصول على التّرفيه خلال فصل الصيف، إلاّ أنّه فوجئ في نهاية أبريل/نيسان الماضي، بقيام رجال يتبعون لبلدية غزّة، بتدميرها مدّعين أنّها "غير قانونية"، وقال لـ"المونيتور": "لقد كلّفني إنشاء هذه العربة الّتي أطلقت عليها اسم (روتس الغلابة) 550 شيكلاً ( نحو 140 دولاراً)، ولكن فوجئت بتدميرها من قبل رجال بلديّة غزّة بزعم أنّها غير قانونيّة، رغم وجود عشرات العربات الأخرى على الشاطئ".

وأثارت قضيّة "أبو عاصي" جدلاً بين مستخدمي مواقع التّواصل الإجتماعيّ، حيث أطلق ناشطون هاشتاك #روتس_الغلابة، تضامناً مع الرّجل، فيما قام بعض الناشطين بجمع بعض المال وإعادة إنشاء عربة الذرة للرّجل، وسط ترحيب شعبيّ كبير.

وكشف أحدث تقارير البنك الدوليّ أنّ البطالة في قطاع غزّة هي الأعلى على مستوى العالم، بوصول معدّلها إلى 43 بالمئة في نهاية عام 2014، وقال البنك في تقريره، الّذي نشرته وكالة "وفا الفلسطينيّة للأنباء" في 22 مايو/أيّار الحاليّ: "إنّ أداء اقتصاد القطاع طوال هذه الفترة يعدّ أسوأ بـ250 مرّة من أيّ أداء قد يقارن به، بما في ذلك أداء اقتصاد الضفّة الغربيّة. وإنّ الدخل الفعليّ للفرد الواحد أقلّ بنسبة 31 في المئة ممّا كان عليه قبل 20 عاماً. وقدّرت خسائر ناتج النموّ المحليّ الإجماليّ بنسبة تزيد عن 50 في المئة".

وبالنّسبة إلى محسن أبو رمضان، قال: "من الظلم الشديد أن تتمّ جباية الأموال من أولئك الباعة، بل يجب منحهم الدّعم والتّسهيلات التجاريّة وإصدار تشريعات في شأنهم لتسهيل حياتهم لا تعقيدها".

وأوضح أنّ حركة "حماس" تعاني من أزمة ماليّة بسبب إغلاق الأنفاق وجفاف مصادر الدّعم الماليّ الخارجيّ، الأمر الّذي دفعها إلى جباية الأموال داخليّاً، وقال: "ولكن سياسة جمع الضرائب الّتي تتبعها حماس وأبرزها (ضريبة التكافل)، لا يمكن تطبيقها في مجتمع مثل المجتمع الفلسطينيّ بغزّة، الّذي يعاني من عدم استقرار معيشيّ وسياسيّ واقتصاديّ منذ سنوات مضت".

وكانت وزارة الاقتصاد في حكومة غزّة، أعلنت في أكتوبر/تشرين الأوّل من عام 2013 أنّ "خسائر إغلاق الأنفاق تقدّر بـ230 مليون دولار أميركيّ شهريّاً".

وقبل طرح ضريبة التّكافل، كان يتم جنيّ نحو تسعة مليون دولار شهريّاً كضرائب في غزّة، فيما تريد السلطات 40 مليون دولار شهريّاً للقدرة على إدارة المؤسّسات والوزارات الحكوميّة، وفق ما أفاد القياديّ في حركة "حماس" يحيى موسى خلال لقاءعقد في 26 أبريل/نيسان الماضي في مدينة غزّة.

ويضطر الباعة أصحاب العربات المتنقلة لدفع ما يقع عليهم من غرامات في كل مرة، من أجل الاستمرار في تجارتهم البسيطة هذه لإعالة أسرهم، مناشدين السلطات المحلية لتوفير أعمال كريمة لهم ومواجهة البطالة والفقر، بعيداً عن فرض الضرائب وجباية الأموال.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020