نبض فلسطين

الفنون الشعبيّة... رحلة 36 عاماً في إحياء الفلكلور الفلسطينيّ

p
بقلم
بإختصار
رام الله، الضفّة الغربيّة – في عام 1979، لم يتوقّع الفتى محمّد يعقوب (17 عاماً) ورفيقاه محمّد عطا وسيم الكردي أن يمتدّ عمر مغامرتهم في غناء الفلكلور الفلسطينيّ وأدائه بعروض راقصة ودبكة شعبيّة بهدف الحفاظ على التراث والفلكلور من الاندثار، إلى 36 عاماً تحت اسم فرقة الفنون الشعبيّة الفلسطينيّة. تعتبر فرقة الفنون التي اعتمدت على العمل التطوّعي لأعضائها منذ تأسيسها، الفرقة الأولى لفنون...

رام الله، الضفّة الغربيّة – في عام 1979، لم يتوقّع الفتى محمّد يعقوب (17 عاماً) ورفيقاه محمّد عطا وسيم الكردي أن يمتدّ عمر مغامرتهم في غناء الفلكلور الفلسطينيّ وأدائه بعروض راقصة ودبكة شعبيّة بهدف الحفاظ على التراث والفلكلور من الاندثار، إلى 36 عاماً تحت اسم فرقة الفنون الشعبيّة الفلسطينيّة.

تعتبر فرقة الفنون التي اعتمدت على العمل التطوّعي لأعضائها منذ تأسيسها، الفرقة الأولى لفنون شعبيّة مختلطة في الضفّة الغربيّة بعد احتلالها في عام 1967، وقد قدّمت نحو ألف عرض على المستوى المحلّي والعربيّ والدوليّ، وأنتجت 15 إصداراً فنيّاً تجمع بين الأصالة والحداثة.

يقرّ مؤسّسو فرقة الفنون بأسباب إضافيّة دفعتهم إلى تأسيس الفرقة، عدا الحفاظ على الفلكلور من الاندثار، إذ قال أحد مؤسّسيها محمّد يعقوب لـ"المونيتور": "قرّرنا تأسيسها كي نكون جزءاً من حالة التغيير، ولإيماننا بأنّ الفنّ جزء من الحراك الثوريّ والشعبيّ ضدّ الاحتلال، ومكوّن أصيل من النسيج الشعبيّ وتطلّعاته الوطنيّة والثقافيّة، في ظلّ هيمنة العمل السريّ على الفعاليّات الثقافيّة بسبب مضايقات الاحتلال".

رؤية الفرقة الفنيّة، قائمة على استلهام التراث الفنّي الشعبيّ لبناء أعمال فنيّة فلكلوريّة معاصرة تساهم في إحداث تغيير في الإنسان والمجتمع، إلّا أنّ فلسفة الفرقة وإيديولوجيّتها قد ارتسمتا باكراً في ذهن المؤسّسين، إذ قال يعقوب: "من البداية، كنّا نؤمن بأنّ الفنّ في ظلّ الاحتلال لا يمكن أن يكون محايداً، بل عليه أن يلعب دوراً تنويريّاً وتثقيفيّاً، وأن ينحاز إلى قضاياه الوطنيّة، انطلاقاً من إيماننا بأنّ عملنا هو جزء من مقاومة الاحتلال".

ويقول مدير أعمال الفرقة خالد قطامش لـ"المونيتور": "منذ تأسيسها في عام 1979 حتّى عام 1984، كانت المادّة الفنيّة التي تقدّمها الفرقة مأخوذة من واقعها الريفيّ أو المدنيّ من دون إضافات أو تغييرات. وهذا ظهر في تقديم لوحات فلكلوريّة في عام 1982، إذ كنّا نذهب إلى الفلّاحين في القرية، ونسمع ما يردّدونه من أغاني في مواسم الحصاد، والأعراس، وننقلها إلى المسرح في المدينة".

ويضيف: "كان عملنا أقرب إلى البحث الميدانيّ المتلاصق مع الناس والبعيد عن الجانب الإبداعي حتّى عام 1984، لكنّ ذلك ساهم في تعزيز قبولنا جماهيريّاً".

وجسّدت الفرقة فلسفتها الفنيّة والثقافيّة والوطنيّة، بعرض "وادي التفّاح" في عام 1984 الذي تضمّن الأغاني التراثيّة الأصيلة، كـأغنيات عين الماء والحصاد وسحجة الرجال في سهرات الأعراس والزجل، ومواويل شعبيّة مستحدثة عبر رقصات متنوّعة، حمل كلّ منها مضموناً وموضوعاً معيّناً، ممّا زاد من جمهور الفرقة الذي وجد في العمل ملحمة فلكلوريّة تحكي قصّتهم كشعب يبحث عن الحريّة. ، والعرض مثل ملحمة فلكلورية تحكي قصة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، ويحمل دعوة لهم للاستمرار في البحث عن الحق الفلسطيني والعدالة.

وتعدّ الدبكة الفلسطينيّة أحد أبرز العناصر المكوّنة للرقصات واللوحات الفنيّة التي تقدّمها الفرقة، إذ يقول قطامش لـ"المونيتور": "الدبكة جزء أساسيّ من الهويّة الوطنيّة والثقافيّة، لذلك فإنّ الحفاظ عليها في ظلّ الاحتلال كان واجباً علينا لتأكيد حضورنا على أرضنا، كونها جزءاً نضاليّاً يتماهى مع المدّ الثوريّ في ظلّ استهداف الاحتلال بالمنع وإغلاق المهرجانات الفلكلوريّة والتراثيّة".

وتعتمد الفرقة على مصادر متنوعة من الدخل لتأمين استمرار عملها ، اذ قال قطامش لـ"المونيتور"، "جزء من مصادر الدخل من مبيعات تذاكر العروض، واتعاب الجولات الداخلية والخارجية، وجزء منها التزام من اصدقاء الفرقة يبلغ 30 الف دولار، وجزء من مشاريع انتاجات".

واضاف قطامش "يبلغ حجم بيع تذاكر العروض والجولات نحو 40 الف دولار، فيما تبلغ مصاريف الفرقة سنويا ما بين 100-150 الف دولار، تتنوع بين رواتب لموظفين اثنين في الفرقة فقط من بين 122، وازياء، واستئجار، مواصلات، تدريب".

وبعد 36 عاما على ولادة فرقة الفنون الشعبية، الا انها لم تعد الفرقة الوحيدة والحصرية التي تؤدي هذه الفنون، اذ خطت عشرات الفرق الفنية الشعبية على خطاها وباتت تقدم عروضها في فلسطين والخارج ابرزها فرقة وشاح للرقص الشعبي، وفرقة جفرا للتراث الشعبي، فرقة كنعان للتراث والفنون الشعبية. 

في عام 1986، راكمت الفرقة نجاحها، بإنتاج عرض جديد أسمته "مشعل"، وهي قصّة مستوحاة من واقع فلسطين إبّان الحكم العثمانيّ، لكنّه حمل في ثناياه إشارات إلى توجّه جديد لمسرحة الدبكة وإخضاعها إلى القواعد الأكاديميّة التي تسري على المسرح والفنون المسرحيّة، إضافة الى إعادة توزيع موسيقى الأغاني التراثيّة.

إلى جانب الاحتلال ومضايقاته المستمرّة للفرقة، تعرّضت الفرقة إلى ضغوط داخليّة على الرغم ممّا حقّقته من نجاحات جماهيريّة، أبرزها ضغوط اجتماعيّة بسبب رفض مشاركة الفتاة، وانتقادات فنيّة بسبب إدخال بعض الحداثة على الأعمال الفلكلوريّة.

ويقول يعقوب: "كان لدى الفرقة الإصرار والعزيمة على مواصلة عملها على الرغم من ضربات الاحتلال واستهدافه لها، ممّا يؤكّد نظرتنا إلى أنّه لا حياد في الفنّ في ظلّ الاحتلال".

من جانبه، يقول درويش: "كان هناك عدم تقبّل لعمل المرأة المجتمعيّ، وانتقادات لمشاركة الفتاة في الفرقة، وأحياناً كنّا نمنع من العرض ويتمّ الاعتداء علينا كما حدث في الخليل في عام 1984، لكنّ إيماننا بالتنوير والتغيير دفعنا إلى الاستمرار في العمل".

ويعتبر يعقوب أنّ الانتقادات أمر طبيعيّ ومقبول، ويقول: "نحن نحمل رسالة ونجسّدها بأفكار على المسرح، لذلك لا بدّ من وجود نقّاد، خصوصاً أنّ الرسالة التي نقدّمها جزء من تراثهم ووجودهم".

وأضاف يعقوب: "قوّت ضربات الاحتلال الفرقة وأثبتت صواب رسالتها وعزّزت التفاف الجماهير حولنا. وذلك تجسّد في عام 1989 أثناء تحضيرنا لإنتاج عمل فنّي بعنوان "مرج بن عامر"، بعد عامين من اندلاع الانتفاضة الأولى، إذ اعتقل جيش الاحتلال 14 راقصاً من أصل 16 راقصاً في الفرقة، إضافة إلى الكاتب والموسيقيّ وبعض المغنيّين".

وتضمّ فرقة الفنون الشعبيّة حاليّاً 122 عضواً من المتطوّعين، منهم 80 راقصاً وراقصة يتوزّعون على فئتين عمريّتين هما البراعم، (تتراوح أعمارهم من 12 سنوات إلى 18 سنة) والكبار (من هم اعمارهم اكثر من 18 سنة). وقد قدّموا خلال العام الماضي 19 عرضاً في فلسطين، وعرضين في كندا والأردن، وحتّى نهاية العام الجاريي، تكون الفرقة قد قدّمت 18 عرضاً في فلسطين، وعرضاً في مصر، وعرضين في ميلانو في إيطاليا.

ويقول درويش: "باتت الفرقة تحظى بمتابعة في الخارج، ونحن ليس لدينا فوبيا من الآخر، بل منفتحون على كلّ التجارب والثقافات وأنواع الرقص المختلفة للاستفادة منها لتطوير الرقص الفلسطينيّ مع الحفاظ على الشخصيّة الفنيّة الفلسطينيّة".

ويضيف: "نجحنا في إيصال الدبكة الفلسطينيّة إلى العالم، فدول أوروبّا باتت تعرفها جيّداً وتحبّها كذلك".

من جانبه، يؤكّد يعقوب، قائلاً: "ترفض الفرقة أن تضع نفسها في قالب الفلكلور الجامد، وهي لا تخشى التجديد شرط أن يكون هناك عمل إبداعيّ في إطار تطوير الموروث الشعبيّ".

في 6 آذار/مارس 2015، احتفلت فرقة الفنون الشعبيّة بعامها السادس والثلاثين، وهي تطمح إلى مزيد من النجاحات والتحليق في الفلكلور الفلسطينيّ عبر رقصات معاصرة بروح إبداعيّة تجسّد الهويّة الفلسطينيّة وتاريخها الثقافيّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : songs, palestinians, palestinian society, occupation, music, folkways and traditions, dancing, art

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept