تحرير الأرض من "داعش" لا يكتمل من دون إعادة سكّانها

بصرف النظر عن الاتهامات المتبادلة حول ملف عودة النازحين، الى المناطق المحررة، فأن الثابت الرئيسي فيها هو عدم اكتمال اي نصر على تنظيم "داعش" في المناطق المحررة الا بعودتهم، وعلى هذا الاساس يمكن اعتبار ان تكريت في طريقها لتحقق الانتصار على "داعش" فيما ان جرف الصخر والمناطق التي لم يعد سكانها اليها، مازالت المعركة فيها غير محسومة.

al-monitor .

المواضيع

tikrit, iraq crisis, internally displaced persons, is, displacement, baghdad

يون 24, 2015

السليمانيّة – كان البدء في إعادة سكّان تكريت النازحين إليها، والذي طبّق فعليّاً في 15 حزيران/يونيو الجاري، إشارة إيجابيّة في سياق إعادة فهم معنى الانتصار على تنظيم "داعش" وأساليبه، والذي لن يكون مكتملاً بتحرير الأرض فقط، وقبل إعادة سكّانها والحياة الطبيعيّة إليها.

لكنّ هذه الخطوة ما زالت في بداياتها، وتنتظر خطوات أخرى في مناطق أخرى، ما زال سكّانها ينتظرون إجراءات العودة بواسطة الحكومة والقوات والامنية، وبينها منطقة جرف الصخر (جنوب بغداد) التي أطلق عليها لاحقاً "جرف النصر"، وحرّرت من يدّ تنظيم "داعش" في تشرين الأوّل/أكتوبر 2014، إضافة إلى بلدتي السعديّة وجلولاء، والتي عاد بعض من سكّانهما، وعدد من مناطق صلاح الدين مثل الدور والبوعجيل.

تكاد المسوغات التي تطرحها قوات الحشد الشعبي والمسؤولين الحكومين والتي وقفت أمام سرعة إعادة النازحين إلى المناطق المحرّرة تكون متشابهة، فهي تتراوح بين تطهير هذه المناطق من الألغام وتفكيك المنازل المفخّخة، وإعادة الخدمات ومعالجة آثار الحرب، إضافة إلى وجود ثارات عشائريّة واعتبارات أمنيّة تمنع عودة بعض العائلات التي يشكّ في ارتباطها بتنظيم "داعش".

وكلّ هذه الأسباب موضوعيّة أمام واقع تعقيد البيئة في بعض المناطق سواء المختلطة طائفيّاً وعرقيّاً مثل جلولاء والسعديّة، أو متناحرة عشائريّاً مثل بعض مناطق صلاح الدين.

ويقول الشيخ عبد الحميد الجبوري، وهو من وجهاء ناحية العلم، التي تمّ تحريرها من تنظيم "داعش" في آذار/مارس الماضي لـ"المونيتور"، إنّه "من المستحيل عودة بعض العائلات التي ينتمي أفراد منها إلى تنظيم "داعش" إلى الناحية مرّة أخرى، والأمر يرتبط بثارات عشائريّة أصبحت حاضرة في صميم العلاقة حتّى داخل العشيرة الواحدة، فعدم عودة عائلات تورّط أبناؤها في الدمّ، ليس مردّه إلى تحميل هذه العائلات مسؤوليّة ما ارتكبه أفراد منها، بل أنّ حمايتها من الثارات العشائريّة تستدعي عدم توريط الأبرياء من هذه العائلات بمشاكل عشائريّة سيواجهونها بعد عودتهم".

لكنّ الأمر لا يبدو في هذه الصورة دائماً، فشهود التقى بهم "المونيتور"، وهم نازحون من بلدات العلم والدور وتكريت في محافظة صلاح الدين، يرفضون العودة لأسباب أخرى.

ويقول سامر الدوري، وهو مهندس مدنيّ من منطقة الدور ونازح الى مدينة السليمانيّة، إنّ العودة الآن مستحيلة، خصوصاً في ظلّ وجود "الحشد الشعبيّ" الذي يفرض سيطرته على كلّ المناطق التي حرّرت أخيراً.

ويكمل: "لن نكون بمأمن، على الرغم من أنّنا هربنا من الدور لحظة دخول "داعش"، لكنّ الحكومة و"الحشد الشعبيّ" يرفضان عودة عائلاتنا حتّى الآن".

وفي شهادة أخرى لإقبال العجيلي النازحة مع عائلتها إالى السليمانيّة، تقول لـ"المونيتور": "إنّ العودة بالطريقة التي تريدها الحكومة مرفوضة. لديّ ثلاثة أبناء شباب، ستكون حياتهم مرهونة بقرار عنصر أمن، فإذا قال إنّ هؤلاء إرهابيّون، سيضيعون خلف الشمس".

من تكريت أيضاً، يتحدّث لـ"المونيتور" علي عصام الذي يؤكّد أنّ منزله قد نهب تماماً في تكريت وأنّه يمتلك مخزناً للموادّ الغذائيّة تمّ سرقته وحرقه بالكامل. ويتسائل: "كيف أعود وأين أسكن وكيف أعيش"؟

هذه التساؤلات نقلها "المونيتور" إلى نائب محافظ تكريت والمسؤول في شكل مباشر عن عمليّة إعادة نازحي المدينة عمّار حكمت. ويقول حكمت إنّ هناك الكثير من الشائعات وعمليّات التخويف لأهالي تكريت تحاول منعهم من العودة.

ويضيف: "يوم الإثنين في 15 من الشهر الجاري، أطلقنا خطّة لعودة النازحين إلى تكريت، وكانت الخطّة الأساسيّة أن تقدّم كلّ عائلة نازحة طلباً إلى قائممقام المدينة يرفع إلى لجنة أمنيّة واستخباراتيّة شكّلت لهذا الغرض، تدقّق في الأسماء مقارنة مع الأسماء المطلوبة من تنظيم "داعش" قبل تحديد موعد للعودة".

ويكمل: "طبّقت هذه الآليّة في 15 من الشهر الجاريي، لكن في 16 منه، فوجئنا بمئات العائلات تتدفّق إلى تكريت من سامراء وكركوك وبغداد، فأجبرنا على إلغاء الآليّة السابقة، وطبّقنا آليّة التدقيق في الأسماء في شكل مباشر في نقاط التفتيش".

ويضيف: "لدينا 500 أسرة فقط محظورة من العودة، وليس هناك أيّ نوع من الملاحقة لأيّ أسرة ترغب في العودة. وبالفعل، خلال 5 أيّام فقط من بدء عمليّات إعادة النازحين، عادت قرابة 600 أسرة، ونتوقّع أن تتضاعف معدّلات العودة خلال الفترة المقبلة".

تشكّل مشكلة الخدمات والحاجة إلى عمليّات إعمار سريعة خصوصاً لمستشفى المدينة وربط شبكات الكهرباء والتنظيف وترميم دوائر الدولة التي تضرّرت بالعمليّات العسكريّة أسباباً تعيق سرعة العودة للعديد من العائلات، وهو أمر يحمّل حكمت مسؤوليّته إلى الحكومة التي لم تصرف الأموال اللازمة لتأهيل المدينة. ويؤكد أنّ "برامج الإغاثة الدوليّة والإقليميّة مطالبة أيضاً بالإسراع في مساعدتهم".

ويرى أنّ "تجربة عودة نازحي تكريت ستتبعها عودة العائلات إلى مناطق الدور والبوعجيل التي ما زالت مغلقة أمنيّاً".

حديث نائب محافظ صلاح الدين مطمئن، خصوصاً أنّه ينفي أيّ نوع من أنواع التغيير الديموغرافيّ الذي يمكن أن يحدث في تكريت، في الإشارة إلى مخاوف أطلقها نائب رئيس الوزراء صالح المطلك خلال تحرير مدينة تكريت في اذار 2015.

لكنّ مخاوف المطلك ليست بلا خلفيّات، خصوصاً لجهّة استمرار محافظة بابل (جنوب بغداد) برفض عودة أهالي منطقة جرف الصخر إليها بعد أكثر من 8 أشهر على تحريرها في الكامل. فيطرح محافظ بابل نظريّة "غير معقولة" بنظر السكّان لمنع عودة النازحين هي "استمرار تفخيخ المنطقة".

وهذا الأمر ينفيه بشدّة الشيخ حاتم الجنابي من وجهاء جرف الصخر والمقيم في إربيل. ويؤكّد أنّ "المنطقة نظيفة من عمليّات التفخيخ المزعومة"، وأنّ "منع عودة النازحين مرتبط بعدم الثقة بالأهالي، خصوصاً أنّها منطقة زراعيّة واسعة وليست أحياء سكنيّة"، وأنّ "إبعاد السكّان عنها يعدّ نوعاً من أنواع التغيير الديموغرافيّ".

فيتهم سكان جرف الصخر بانهم احتضنوا عناصر تنظيم "داعش" ولهذا يتم رفض عودتهم، بالاضافة الى ان جرف الصخر التي تقع في جنوب بغداد اعتبرت مكان لتهديد مدينة كربلاء القريبة منها والتي تضم المراقد الشيعية المقدسة.

وبصرف النظر عن الاتّهامات المتبادلة حول ملفّ عودة النازحين إلى المناطق المحرّرة، فإنّ الثابت الرئيسيّ هو عدم اكتمال أيّ نصر على تنظيم "داعش" في المناطق المحرّرة إلّا بعودتهم. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار أنّ تكريت في طريقها إلى تحقيق الانتصار على "داعش"، فيما ما زالت المعركة في جرف الصخر والمناطق التي لم يعد سكّانها إليها، غير محسومة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020