نبض لبنان

نصرالله يحدّد المعركة المقبلة... ويحذّر

p
بقلم
بإختصار
بيروت — لم تكن كلمة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، مساء السبت في 16 أيّار/مايو الجاري، للإعلان عن التقدّم شبه الحاسم الذي حقّقه مقاتلوه في منطقة القلمون. جرود القلمون منطقة جبلية قائمة بين لبنان وسوريا، ونظراً إلى عدم وجود أي ترسيم قانوني دقيق ونهائي للحدود بين لبنان وسوريا منذ قيام الدولتين سنة 1920، هناك تداخل بين أراضي الدولتين، خصوصاً في المناطق الجبلية الوعرة. بل...

بيروت — لم تكن كلمة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، مساء السبت في 16 أيّار/مايو الجاري، للإعلان عن التقدّم شبه الحاسم الذي حقّقه مقاتلوه في منطقة القلمون. جرود القلمون منطقة جبلية قائمة بين لبنان وسوريا، ونظراً إلى عدم وجود أي ترسيم قانوني دقيق ونهائي للحدود بين لبنان وسوريا منذ قيام الدولتين سنة 1920، هناك تداخل بين أراضي الدولتين، خصوصاً في المناطق الجبلية الوعرة.

بل الأهمّ، أنّ نصرالله أطلق كلاماً صريحاً، يشير إلى مكان المعركة المقبلة مع المسلّحين الإرهابيّين، خصوصاً أنّ أحداثاً سياسيّة وعسكريّة ميدانيّة، تلت ذلك الكلام، وبدت كأنّها تزكية لتلك الإشارة حول موقع المواجهة التالية.

ففي خطاب متلفز له كعادته، أطلّ نصرالله مساء السبت، ليستعرض المواقع التي تمكّن مقاتلوه طيلة عشرة أيّام، من السيطرة عليها وطرد إرهابيّي داعش والنصرة منها، في جرود القلمون الواقعة شرق لبنان عند حدوده مع سوريا. وعلى الرغم من أنّ نصرالله تحفّظ عن إعلان النصر النهائيّ في تلك المواجهة، مع إصراره على القول: "إنّنا لا نزال في قلب المعركة"، إلّا أنّه شرح كيف أنّ الإرهابيّين اندحروا من أكثر من 300 كيلومتر مربّع من جرود القلمون، وكيف أنّ السيطرة باتت كاملة لمقاتليه على الحدود الشرقيّة للبنان في تلك المنطقة.

لكنّ نصرالله، وبعد عرضه المسهب لنتائج المواجهات العسكريّة هناك، توقّف عند مسألة حرص على إبرازها، معلناً: "دعوني أقول شيئاً واضحا أريد أن أحدّده وأعيد تحديده. من حقّ اللبنانيّين (...) أن يتطلّعوا إلى اليوم الذي لا يكون في جرودهم، لا في جرود بريتال ولا بعلبك ولا نحلة ولا يونين، ولا جرود عرسال ولا مشاريع القاع، إرهابيّ واحد، وألّا يعيشوا في جوار لا نصرة ولا قاعدة ولا إرهابيّين ولا قاطعي رؤوس. هذا حقّهم وهذا اليوم يتطلّعون إليه وهذا اليوم سيأتي. متى وكيف؟ هذا سنظلّ نخبّئه". وتابع نصرالله قائلاً: "هذا اليوم سيأتي (...) إذا كانت الدولة اللبنانيّة والحكومة اللبنانيّة تتسامحان باحتلال أرض لبنانيّة، من قبل جماعات إرهابيّة، وباعتداء جماعات إرهابيّة على جيشها وعلى شعبها وعلى سكّانها، فإنّ الشعب اللبناني لن يتسامح، وإنّ أهل البقاع لن يتسامحوا، وإنّ أهل بعلبك الهرمل لن يتسامحوا".

أكّد نصرالله: "لذلك، أريد أن أكون واضحاً جدّاً، أنا أدعو، الفرصة ما زالت متاحة، أن تتحمّل الدولة المسؤوليّة (...) هذه المعركة بدأت، ولكنّنا لن نتحدّث عن زمانها ولا سقفها الزمنيّ ولا عن حدودها المكانيّة ولا مراحلها (...). ما أؤكّده الآن، نحن في معركة مفتوحة أساساً في الزمان والمكان والمراحل، ومن حقّنا ومن حقّ أهلنا في البقاع خصوصاً بعلبك الهرمل أن نتطلّع إلى ذلك اليوم الذي لا تتواجد فيه جماعات إرهابيّة، لا في جرودنا ولا على حدودنا ولا على بوّابات قرانا ومدننا. هذا هدف مشروع، إعملي له أيّتها الدولة اللبنانيّة، وإلّا فالشعب اللبنانيّ دائماً كان صاحب المبادرة طوال التاريخ".

هكذا بدت إشارة نصرالله واضحة، إلى أنّ المعركة المقبلة ستكون في جرود عرسال، خصوصاً أنّ وسائل الإعلام المختلفة، ظلّت طيلة أيّام الاشتباكات في القلمون، تتحدّث عن معلومات مفادها أنّ أعداداً من المسلّحين الإرهابيّين، قد لجأوا إلى تلك الجرود (إن عدد المسلحين غير دقيق، ولكن يقول البعض أنهم في المئات). وخصوصاً لأنّ هذه المنطقة باتت محاصرة بالكامل، من قبل الجيش السوريّ ومقاتلي حزب الله من الجهة الشرقيّة، ومن قبل وحدات الجيش اللبناني من الجهة الغربيّة، حيث تنتشر مجموعات كبيرة للجيش اللبنانيّ، بين عرسال البلدة، وبين جرودها التي تبعد عنها مسافة نحو 15 كيلومتراً إلى الشرق.

كما أنّ اعتبارات عدّة، كان موقعنا قد أشار إليها في مقالات سابقة، تبرز عند الكلام عن معركة جرود عرسال، أوّلها وجود مخيّمات للنازحين السوريّين في جوار البلدة، في القرب من الجرود، يقيم فيها نحو تسعين ألف نازح سوريّ، وثانيها أنّ سكّان البلدة من المذهب السنّي، وبالتالي ففيهم من يتعاطف مع المسلّحين، أو على الأقلّ، يناوئ حزب الله. وهو ما أدّى إلى سلسلة اشتبكات بين الجيش اللبنانيّ ومسلّحين من البلدة ومن جرودها، طيلة أعوام الحرب السوريّة.

وكان آخرها المواجهة الشرسة التي خاضها الجيش ضدّ الإرهابيّين في تلك المنطقة في 2 آب/أغسطس الماضي، بعدما أقدم هؤلاء على خطف أكثر من ثلاثين عسكريّاً لبنانيّاً، لا يزال 16 منهم أسرى لدى النصرة وستّة آخرون لدى داعش. ويبقى اعتبار ثالث، يكمن في المواقف السياسيّة، وحتّى الحكوميّة، التي يطلقها السياسيّون من الفريق السنّي في لبنان، والتي ترفض أن يخوض الجيش اللبناني أيّ معركة مع الإرهابيّين، إذا كان هؤلاء خارج الأراضي اللبنانيّة، ولو كانت مواقع تمركزهم على الحدود مباشرة.

إلّا أنّ كل ذلك تبدّل بعد الانتهاء من معركة القلمون، فالإرهابيّون باتوا على أرض لبنانيّة، وعرسال وجرودها باتت على تماس مع هؤلاء، وكلام نصرالله شكّل تحذيراً واضحاً للسلطات اللبنانيّة، بأن تتحمّل مسؤوليّاتها حيال سلامة تلك المناطق اللبنانيّة، وإلّا فإنّ الشعب اللبنانيّ سيقوم بذلك، بما يعني حقّ حزب الله نفسه في طرد الإرهابيّين من تلك الجرود اللبنانيّة.

وفيما كان الجميع يدقّق في مضامين كلام نصرالله هذا، سجّل تطوّران لافتان في السياق نفسه، أوّلهما إعلان الجيش اللبنانيّ ظهر الأحد في 17 أيّار/مايو2015، أنّ قوّاته "استهدفت مجموعة من المسلّحين بصليّة من الراجمات في جرود عرسال في شكل مباشر، موقعة في صفوفها عدداً من القتلى والجرحى، وأنّ قصف الجيش اللبنانيّ لأماكن تجمّع المسلّحين في جرود عرسال اشتدّ لمنع عمليّات التسلّل". وثانيهما، إعلان وزير الخارجيّة اللبنانيّة جبران باسيل، في اليوم نفسه، وفي جولة له على المناطق البقاعيّة القريبة من خطوط المواجهة مع الإرهابيّين، أنّ "على المؤسّسة العسكريّة (الجيش اللبنانيّ) التي تمثّل الأمل، وعلى السلطة السياسيّة أي الحكومة أن تقوما بمسؤوليّاتهما في عرسال"، وذلك في إطار انتقاد باسيل الواضح لما سمّاه التخاذل في مواجهة الإرهابيّين في تلك المنطقة وغيرها من المناطق اللبنانيّة.

باتت كلّ الدلائل تشير إلى عنوان المعركة المقبلة. إنّها معركة جرود عرسال. يبقى التوقيت المحدّد والوسائل التي ستُستخدم رهناً بالوقت بحيث ترتبط المعركة وتوقيتها بنتائج خسارة الإرهابيّين في القلمون وما سيترتّب عنها وبمدى تدهور مشاكلهم في جرود عرسال. سيُحاصر الإرهابيون من ثلاث جهات: نيران مقاتلي حزب الله من الشرق، ونيران الجيش اللبنانيّ من الغرب، ونار خلافاتهم الداخليّة التي تدور بين داعش والنصرة ومجموعات إرهابيّة أخرى، ناهيك عن خلافاتهم مع أهالي عرسال نفسها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syria, qalamoun, lebanon, jabhat al-nusra, is, hezbollah, hassan nasrallah, arsal

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept