نساء غزّة يطرّزن ويصرفن على عائلاتهنّ

قطاع غزّ ة- صنعت أمّ ياسمين أبو عويلي (52 عاماً) بيديها، وهي ترتدي نظّاراتها المكبّرة، مئات القطع المطرّزة بالغرزة المعروفة باسم "غرزة فلاحي". ما يجعل التطريز الفلسطيني مختلفا هو شكل النقوش وخطوطه على القماش كالنجمة الكنعانية و التي لها دلالة معينة في التاريخ الفلسطيني . ولكنّها لا تمتلك قطعة واحدة منها، فليس عندها ثوب مطرّز أو شال أو حقيبة مطرّزة. هي لم تفكّر حتّى بالأمر، لأنّ...

al-monitor .

المواضيع

women in society, palestine, history, gaza strip, culture, art

ماي 3, 2015

قطاع غزّ ة- صنعت أمّ ياسمين أبو عويلي (52 عاماً) بيديها، وهي ترتدي نظّاراتها المكبّرة، مئات القطع المطرّزة بالغرزة المعروفة باسم "غرزة فلاحي". ما يجعل التطريز الفلسطيني مختلفا هو شكل النقوش وخطوطه على القماش كالنجمة الكنعانية و التي لها دلالة معينة في التاريخ الفلسطيني . ولكنّها لا تمتلك قطعة واحدة منها، فليس عندها ثوب مطرّز أو شال أو حقيبة مطرّزة. هي لم تفكّر حتّى بالأمر، لأنّ كلّ ما يشغل بالها سدّ حاجاتها اليوميّة لعائلتها المكوّنة من زوجها الذي يعاني من البطالة وابنتها التي لا تعمل أيضاً.

تبتسم أمّ ياسمين قائلة بخجل: "في صراحة، ليس عندي شيء مطرّز أرتديه، لأنّ تكاليفه مرتفعة الثمن، وأشتري الخيوط والقماش لصنع المطرّزات لغيري، وأكسب حوالى 50 دولاراً في الشهر"، موضحة أنّ الوضع الاقتصاديّ سيّء جدّاً بعد إغلاق المعابر، فلم يعد هناك زوّار يشترون المطرّزات، كما لم تعد المؤسّسات تستطيع تسويق منتجاتها خارج غزّة.

عشرون عاماً من تطريز الأثواب والشالات، تراجعت خلالها قدرة أمّ ياسمين على الرؤية، وارتدت النظّارات ولكنّها في الوقت ذاته، استطاعت أن تعلّم ابنتها ياسمين في الجامعة في كليّة التمريض، وهي الآن متطوّعة في أحد مستشفيات.

تضيف أمّ ياسمين لـ"المونيتور": "هذا الخيط وهذه الإبرة هما اللذان علّما ابنتي في الجامعة، وهما السبب في أنّني أجد مصروف عائلتي".

في وسط مدينة غزّة حيث شارع عمر المختار، هناك أربعة محلّات رئيسيّة لبيع المطرّزات، وقليل جدّاً من المواطنين يشترون منها، فالمطرّزات أسعارها باهظة جدّاً، ومتوسّط سعر الثوب المطرّز يبلغ مئتي دولار.

أحد هذه المحلّات هو محل أرابيسك، الممتلئ بالأثواب المطرّزة بنقش "غرزة فلاحي"، منها الأحمر والأزرق والأصفر، تقف وسطه صاحبة المحلّ أمّ محمّد أبو ربيع تتحدّث مع الشابّة عطاف النمنم التي جاءت تسوّق أحد مطرّزاتها الحديثة وهو إكليل مطرّز للرأس.

تشرح أمّ محمّد أنّه في حال وصلها طلب معيّن لثوب أو عباءة أو حقيبة، تتّصل بإحدى السيّدات اللواتي يقمن بالتطريز، وتتّفق معها على المدّة كأسبوع مثلاً، وتعطيها الموادّ اللازمة من قماش وخيوط، ومن ثمّ تتّفقان على السعر.

وتقول عطاف النمنم (30 عاماً) لـ"المونيتور"، وهي تعيد الإكليل المطرّز إلى الحقيبة البلاستيكيّة التي تحملها: "تعلّمت التطريز بنفسي منذ ستّة أعوام، ومنذ تلك اللحظة وهو مهنتي الرئيسيّة، وقد تستغربين إذا قلت لك إنّني بالقليل الذي أحقّقه من هذا التطريز، أصرف على عائلتي المكوّنة من خمسة أشقاء ووالدي ووالدتي".

وأكّدت النمنم وصاحبة المحلّ وصول الوضع الاقتصاديّ إلى أسوأ حالاته بالنسبة إلى مهنة التطريز. فمن سيشتري المطرّزات إذا كان الكلّ يعاني من أزمة الرواتب وإعادة بناء المنازل بعد الحرب؟ أمّا الوفود التي كانت تأتي من كلّ العالم، فتوقّفت بعد إغلاق المعابر، كذلك لم يعد هناك تسويق إلى الخارج.

خلال النقاش، دخلت امرأة المحلّ اسمها أمّ علي (32 عاماً) تسأل عمّا إذا انتهى الفستان المطرّز الذي طلبت تجهيزه كي تحضر به حفل زفاف قريبتها، وقالت لـ"الموينتور": "أعشق الأثواب المطرّزة، وآتي من خان يونس لأخيطها في غزّة. عند جدّتي ثوب مدينة يافا التي هاجرت وهي ترتديه في عام 1948، ولكنّها ترفض أن تعيرني إيّاه خوفاً عليه".

وبعتبر الثوب الفلسطينيّ المطرّز أحد الشواهد المتبقيّة على القرى الفلسطينيّة التي احتلتّها إسرائيل في عام 1948. فلكلّ قرية زيّها الخاصّ، بشكله ولونه وتوزيع التطريز فيه. لكنّ وجوده الأوّل بدأ قبل ذلك بكثير. فتذكر الدراسات أنّ الدلالة الأولى على التطريز الفلسطينيّ كانت في العصر الحجريّ أيّ 4000 سنة قبل الميلاد في منطقة الخضيرة والجليل الأسفل. وكانت نقوش جداريّة مرسومة بدقّة على الملابس والأحذية، كذلك الأمر في العصر الكنعانيّ.

وسط الوضع الاقتصادي السيء والعزلة النسبية التي يعيشها قطاع غزة في الوقت الحاضر، لم يكن أمام النساء العاملات في التطريز سوى استخدام طرق مبتكرة لتعزيز مواهبهن وتسويق منتجاتهن. وكانت وسائل الاعلام الاجتماعية الوسيلة الأسهل أمامهن التي يمكن الوصول إليها.

مثال على ذلك الشابّة صابرين أبو دوابة (31 عاماً) التي درست التطريز في دورة تدريبيّة متخصّصة في مدينتها دير البلح وسط قطاع غزّة، وبدأت تبدع في صناعة القطع من ملابس وحقائب وأحذية وتسوّقها في شكل مختلف عن طريق الـ"فايسبوك".

وتقول صابرين: "تصلني العديد من الطلبات عبر الرسائل على موقعي، ولكن للأسف، معظم هذه المطرّزات لا يمكن إيصالها، خصوصاً أنّ المعابر مغلقة، وقد وصلتني طلبات من الضفّة وأميركا وقطر".

وتؤكّد لـ"المونيتور" أنّها تنفّذ كلّ قطعة بدقّة كأنّها تطرّزها لنفسها، فالتطريز بالنسبة إليها هواية، وليس حاجة اقتصاديّة، موضحة أنّها تتوجّه إلى كلّ امرأة تستطيع التطريز في منطقتها، وتوكل إليها مهام إنجاز المطرّزات بما يشبه المشغل المتفرّق.

واتّفقت جميع النساء المطرّزات في هذا التقرير على أنّ كرة الخيوط الواحدة يبلغ طولها في حال تمّ فردها حوالى 30 متراً تحتاج إلى يوم ونصف للعمل، وبالكاد تغطّي مساحة يسيرة من الثوب الذي يكون اختيار قماشه الخطوة الأولى. وهناك أنواع قطنيّة عاديّة وأخرى فاخرة، وكذلك الأمر ينطبق على اختيار موديل الثوب طبقاً لأيّ قرية فلسطينيّة، أو إذا أرادت صاحبته موديلاً حديثاً.

ويقوم مركز شؤون المرأة بتنظيم أكبر معرض منتجات للتطريز في شهر آذار/مارس من كلّ عام، احتفالاً بيوم المرأة العالميّ. وتقول مديرة المركز آمال صيام لـ"المونيتور" إنّه كانت هناك 40 مشاركة في المعرض الأخير، من ضمنها فقط خمس مؤسّسات، والبقيّة من النساء المعيلات اللواتي يعانين من أوضاع اقتصاديّة سيّئة، لافتة إلى أنّ المركز يشجّع العمل الفرديّ.

وأوضحت أنّ هناك نساء ينتظرن طوال العام إقامة المعرض الذي يستمرّ أيّاماً عدّة من أجل بيع منتجاتهنّ، مضيفة: "كما أنّ قسم المشاريع الصغيرة في المركز يدعم هؤلاء النساء بإعطائهنّ منحاً مستردّة قيمتها 1500 دولار على أن تسدّدها السيّدة خلال سنة من بيع مطرّزاتها". وتابعت: "إنّ المركز يهتمّ بالتطريز منذ 15 عاماً، ولا يزال يدرّب النساء على التطريز واتّقانه في شكل نهائيّ وثمّ تسويقه".

تخرج أمّ ياسمين مع بداية كلّ أسبوع لتسويق مطرّزاتها في مدينة غزّة. وغالباً، لا تبيع سوى إلى محلّين أو ثلاثة. وأحياناً، تنتظر طويلاً إلى أن يقرّر صاحب المحلّ، وتقضي وقتها، وهي تتخيّل نفسها ترتدي إحدى هذه العباءات المطرّزة والمعلّقة في واجهة المحلّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020