نبض لبنان

لماذا رفع "حزب الله" سقف خطابه ضدّ السعوديّة؟

p
بقلم
بإختصار
بيروت - تجهد الساحة اللبنانيّة من أجل الحفاظ على أمنها واستقرارها الداخليّين، رغم الغليان الّذي يحيط بها من مختلف الدول العربيّة، وهذا السعي تمثّل أخيراً بالحوار، الّذي انطلق منذ 23 ديسمبر/كانون الأوّل من عام 2014 بين "تيار المستقبل" السنيّ و"حزب الله" الشيعيّ والمستمر تحت عناوين " تخفيف الاحتقان السنيّ - الشيعيّ وتجنيب البلد خضّات أمنيّة وتحييده عن صراعات المنطقة"، إلاّ أنّ العمليّة...

بيروت - تجهد الساحة اللبنانيّة من أجل الحفاظ على أمنها واستقرارها الداخليّين، رغم الغليان الّذي يحيط بها من مختلف الدول العربيّة، وهذا السعي تمثّل أخيراً بالحوار، الّذي انطلق منذ 23 ديسمبر/كانون الأوّل من عام 2014 بين "تيار المستقبل" السنيّ و"حزب الله" الشيعيّ والمستمر تحت عناوين " تخفيف الاحتقان السنيّ - الشيعيّ وتجنيب البلد خضّات أمنيّة وتحييده عن صراعات المنطقة"، إلاّ أنّ العمليّة العسكريّة، الّتي نشبت في 26 مارس/آذار من عام 2014 في اليمن بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة أرخت بالمزيد من الثقل على الداخل اللبنانيّ الهشّ أصلاً، وساهمت في تأجيج السجال السياسيّ بين "تيار المستقبل" المناصر للسعوديّة و"حزب الله" المساند للحركة الحوثيّة في اليمن المدعومة من إيران.

وبعدما كان اتّفق الطرفان السياسيّان اللبنانيّان خلال جولات الحوار العشر بينهما على تحييد الملفات الخلافيّة، بدءاً من الأزمة السوريّة، وصولاً إلى ملف الانتخابات الرئاسيّة اللبنانيّة، في شكل يساعد على ضبط الشارع ، جاءت الحرب في اليمن لتخلق أزمة وتؤدّي إلى تبادل المواقف التصعيديّة.

وإذا بالأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله يشنّ هجوماً حادّاً على السعوديّة، واصفاً "القادة العرب بالتنابل والكسالى"، ومعتبراً أنّ "المملكة العربيّة السعوديّة لم تفعل شيئاً للعرب، ولم تأت لهم سوى بداعش" . وردّت المملكة عبر سفيرها في لبنان علي عواض عسيري، الّذي رأى أنّ "خطاب نصر الله يكشف ارتباك من يمثّله"

وامتدّ السجال إلى زعيم "تيّار المستقبل" النائب سعد الحريري، الّذي قال بدوره إنّ "السيّد نصرالله يسيرعلى خطى السيّد علي الخامنئي في الإبداع في التّلفيق وحياكة التّحريف والتّضليل وعروض الاستقواء والتّعبئة المذهبيّة"، واصفاً خطابه بـ"الحفلة المنسّقة من الافتراءات التاريخيّة ونبش في قبور الأحقاد، وانكشاف مفضوح لما في الصدور من ضغائن تجاه السعوديّة ومؤسّسها وقيادتها".

هذا التصعيد، الذي خفت وهجه مع توقف "عاصفة الحزم" اليمنية، انعكس تهدئة في المواقف من دون ان لم تخلوَ من الرسائل، خصوصا من جهة تيار المستقبل الذي اكد عبر اكثر من نائب ووزير من كتلته ان الحوار مع حزب الله مستمر، الا انه واصل اتهاماته لحزب الله. وفي هذا الاطار برزت تصاريح لعضو كتلة "المستقبل" النائب سمير الجسر الذي شدد على ان لا رجعة عن "الحوار مع حزب الله رغم كل التباين في وجهات النظر، ونحن سوياً دخلنا الى الحوار بقناعات لم يجبرنا احد عليها باعتبارها ضرورة وطنية ملحة". الا انه قال ايضا ان "أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله لم يكن موفقا في تعرضه للمعتقد الديني الوهابي ولا في شتائمه وسبابه على قيادة السعودية" واصفا اياه "بالناكر للجميل" وقائلا ان السعودية دعمت إعمار لبنان بعد الحرب الاهلية، وأكبر داعم للاقتصاد اللبناني". كذلك اكد النائب عاطف مجدلاني إن الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله "له جدوى قائمة ودائمة، لأن هذا الحوار مهمته ذاتها وهي تنفيس الاحتقان وانتخاب رئيس للجمهورية"، مضيفاً أنه "حتى الآن لم نصل إلى غاية الحوار وهو تنفيس الاحتقان".

 اما راعي الحوار، رئيس مجلس النواب نبيه بري، فأعلن انه سيطلب من حزب الله والمستقبل التعبير عن خلافاتهم بلهجة أقل تشنجاً. في وقت غاب اي موقف في هذا الشأن من قبل حزب الله بعد خطاب نصر الله الاخير.

الا ان "هذا التوتّر المتصاعد يدفع إلى القلق"، قالت مصادر أمنيّة لـ"المونيتور"، معربة عن تخوّفها من أن ينعكس هذا السجال السياسيّ السنيّ - الشيعيّ على الأوضاع اللبنانيّة الأمنيّة، بما يؤدّي إلى خروج الأمور عن السيطرة ونشوء توتّرات في الشارع، مذكّرة بالإشكالات الّتي كانت تقع في بعض المناطق الحامية مثل "الطريق الجديدة" في بيروت و"قصقص"، وصولاً إلى بلدتي سعدنايل وتعلبايا البقاعيّتين على خلفيّة طائفيّة.

وما يزيد من تخوّف هذه المصادر من تفاقم الأمور هو هذا التّصعيد، الّذي تعمّده "حزب الله"، وعلى لسان أمينه العام، للمرّة الأولى تجاه السعوديّة، فاستغربت مواقفه الأخيرة، بعدما كان اعتمد على مدى سنوات خطاباً يشدّد فيه على رفض الفتنة السنيّة - الشيعيّة ويؤكّد العيش المشترك، رغم كلّ الهجمات الخطابيّة والمعنويّة، الّتي تعرّض لها الحزب في الفترة، الّتي تلت اغتيال الرّئيس رفيق الحريري، وكذلك إثر تدخّله في الحرب في سوريا أيضاً.

وتساءت المصادر: ما الذي يقف وراء هذا التّغيير والتّصعيد؟ ألم تعد الفتنة المذهبيّة الداخليّة تخيف "حزب الله"؟ ألم يعد يسعى إلى الإبقاء على حدّ أدنى من الإجماع اللبنانيّ حول المقاومة وسلاحها؟ وما مدى علاقة التغيّرات الجيوسياسيّة المرتقبة في المنطقة بهذا الخطاب؟

وربطت المصادر هذا التّصعيد بتغيّرات مرتقبة في المنطقة بدأ الحديث عنها منذ توقيع الإتّفاق النوويّ الإيرانيّ بلوزان - سويسرا في مارس/آذار من عام 2015، وترافقت مع تسريبات حول التوجّه لرسم جيوسياسيّ جديد لمنطقة الشرق الأوسط، وسط الحروب الدائرة في الدول العربيّة، والّتي لا يبدو أنّها مرشّحة للانتهاء قريباً.

يبدو أنّ جميع التحليلات في هذا المجال تركّز على التوتر الطائفي والديني الذي يقود النزاعات في المنطقة. ولكنّ هذه النزاعات قد تكون متماشية مع خطة تتجاوز هذه الحدود. قد تهدف هذه النزاعات إلى تقسيم المنطقة بغية تأسيس كيانات طائفية كحلّ وحيد لوضع حدّ لجميع الخلافات في المنطقة. يتماشى هذا الأمر مع مفهوم الشرق الأوسط الجديد والاعتماد المحتمل للفديرالية في المنطقة. إنّ أيّ مشروع تقسيم جديد للمنطقة شبيه بإتفاقيّة "سايكس بيكو"، الّتي أبرمت في عام 1916،

لن يتمكّن من تغييب المكوّن الشيعيّ الحاضر بقوّة، خصوصاً بعدما أصبحت إيران لاعباً أساسيّاً في مجريات المنطقة سواء أكان من خلال دعمها لـ"حزب الله" في حربه ضدّ إسرائيل أم عبر تأديتها دوراً أساسيّاً في تطوّرات العراق وسوريا وفلسطين، أم من خلال النقطة الّتي سجلتها سياسيّاً عبر توقيع الإتّفاق النوويّ مع مجموعة دول "5+1"، كاسرة العزلة الّتي كانت مفروضة عليها.

وتجاه هذا الواقع، يبرز الحراك السعوديّ إقليميّاً، وآخره في اليمن. فالمملكة، سواء انزلقت إلى التورّط بالعمليّة العسكريّة في اليمن بدفع من المجتمع الغربيّ أو قصدت هذا التدخّل بهدف إظهار قوّتها وتثبيت موقعها كدولة قادرة على ضبط جوارها، فهي لن تتمكّن من حسم هذه المعركة، طالما أنّها محصورة في العمليّات الجويّة ضمن عمليّة "عاصفة الحزم".

وعلى هذه الخلفيّة، أعلنت وقف هذه العمليّة في 21 الحاليّ، إثر اقتناعها بأنّ القصف لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية، وأنّ الحل لا بدّ من أن يكون سياسيّاً. كذلك، أدرك السعوديّون أنّ إطالة أمد الحرب يعرّضهم لاستخدام الحوثيّين أسلحة لم يلجأوا إليها حتّى الآن. كما أنّ أيّ تطوّر لهذا النزاع العسكريّ قد يعرّض الداخل السعوديّ إلى عدم استقرار أمنيّ، ممّا يجعله أرضاً خصبة وهدفاً جديداً للجماعات الإرهابيّة.

"يعتبر العارفون في إدارة السياسة السعوديّة أنّ فشل المملكة في تحقيق هدفها باليمن سيدفعها إلى التّعويض في ساحة أخرى"، قالت المصادر، نقلاً عن أوساط ديبلوماسيّة أجنبيّة. وهذه السّاحة يرجّح أن تكون لبنان، أوّلاً بسبب الانقسامين السياسيّ والطائفيّ اللّذين يشهدهما، ثانياً نتيجة وجود طائفة لبنانيّة واسعة مؤيّدة للحوثيّين والخطّ الّذي يمثّلونه، وثالثاً من جرّاء انشغال الساحات العربيّة الأخرى في حروبها.

وإنّ التداعيات الأولى لهذا "التّنفيس السعوديّ" ستكون اشتداد حدّة السجال بين "تيّار المستقبل" و"حزب الله"- وهو ما بدأ يتجلّى- وصولاً إلى وقف الحوار وتجدّد تشنّج الشارع وتعبئة النّفوس وزيادة الاحتقان المذهبيّ، الّتي تترجَم إشكالات مسلّحة، ممّا يعني عمليّاً فتح الساحة اللبنانيّة على المجهول، وبالتّالي إلهاء الجيش اللبنانيّ عن هدفه الأساسيّ، وهو مكافحة الإرهاب ليعمل على ضبط الشارع.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : yemen, saudi arabia, operation decisive storm, nuclear deal, lebanon, hezbollah, hassan nasrallah, future movement

إسبرانس غانم هي مذيعة الأخبار الأساسية على قناة OTV اللبنانية . عملت سابقاً كمراسلة صحفية وتلفزيونية ومندوبة إلى القصر الجمهوري ووزارة الخارجية، إضافةً إلى عملها كمحرّرة القسم الخاص بالأمم المتحدة في صحيفة البلد اللبنانية

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept