في "لامركزية" ملف البعثيين السابقين

في 3/2/2014 ظهرت الى السطح في العراق من جديد ازمة "اجتثاث البعث" عبر اقرار مجلس الوزراء قانوناً جديداً باسم "المساءلة والعدالة" من المفترض ان يعدل القوانين السابقة ويحل محلها للتعامل مع ملف البعثيين السابقين وحظر حزب البعث من المفترض ان يكون جزءاً من الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة، لكن القانون رفض من قبل السنة، وقاطعه وزراء اتحاد القوى السنية في الحكومة.

al-monitor .

المواضيع

sunnis, saddam hussein, iraq, haider al-abadi, decentralization, baathists, baath party

مار 4, 2015

في 3/2/2014 ظهرت الى السطح في العراق من جديد ازمة "اجتثاث البعث" عبر اقرار مجلس الوزراء قانوناً جديداً باسم "المساءلة والعدالة" من المفترض ان يعدل القوانين السابقة ويحل محلها للتعامل مع ملف البعثيين السابقين وحظر حزب البعث من المفترض ان يكون جزءاً من الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة، لكن القانون رفض من قبل السنة، وقاطعه وزراء اتحاد القوى الوطنية" في الحكومة.

كان واضحاً في العراق منذ اقرار قانون "اجتثاث البعث" عام 2003 من قبل الحاكم المدني الاميركي بول بريمر، ان هناك انقسام عراقي عميق حول تفسير القانون وحول تطبيقه، وحول جدواه ايضاً، وكانت القوى السنية، تعارضه منذ البداية لانهم اعتبروا ان القانون موجه ضد السنة بالدرجة الاساس بسبب ان كبار قيادات البعث كانوا من السنة ودخل في كل ملفات الحوارات العراقية منذ ذلك الحين، وتم تعديله عدة مرات في العام 2008 والعام 2013 من دون ان يقود الى حل هذه المسألة. وكانت التعديلات تركز في الغالب على تقليص عدد المشمولين باجراءات الحظر السياسي او الطرد من الوظائف.

وجوهر قضية "الاجتثاث" هي ابعاد حزب البعث الذي حكم العراق منذ عام 1968 إلى 2003 من محاولة التسلق الى السلطة من جديد، وهذا المبدأ تم تضمينه في الدستور العراقي الذي اقر عام 2005 في المادة السابعة منه والتي حرمت اي نشاط لحزب البعث والتي تنص على: "يحظر كل كيانٍ او نهجٍ يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير أو التطهير الطائفي، او يحرض أو يمهد أو يمجد او يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون."

والخلاف العراقي حول هذه القضية لم يكن يتطرق الى تحريم حزب البعث، بل الى التعامل مع البعثيين السابقين، وهم بارقامهم التقديرية حتى عام 2003 كانوا يصلون الى عدة ملايين.

طبق قانون "اجتثاث البعث" في نسخته الاولى عقوبات الحظر عن المشاركة السياسية، وعلى العمل في مؤسسات الدولة على شريحة واسعة من البعثيين، وشكل هذا التطبيق ازمة بالفعل، بسبب الحجم الكبير لهم، ما استدعى عام 2008 الى اصدار قانون "المساءلة والعدالة" الذي حاول تقليص دائرة الحظر لتشمل كبار البعثيين فقط.

طوال الاعوام التي طبقت فيها اجراءات اجتثاث البعث ثم "المساءلة والعدالة"، كانت التهمة التي توجه الى التطبيق تتعلق بتحويل القانون الى آلية للتسقيط السياسي، بالاضافة الى ان التطبيق جرى بانتقائية، حيث اعفي من اجراءات الاجتثاث العديد من البعثيين الذين استمروا يحتلون حيزاً واسعاً في الدولة وفي القوى الامنية والجيش والقضاء بسبب نجاحهم في الحصول على حماية احزاب سياسية.

المبداً الذي كان غائباً عن اجراءات تطبيق قوانين اجتثاث البعث، هو الجانب القانوني له، حيث استمر التعامل مع الملف سياسياً، وابعاد الجانب القانوني الذي من المفترض ان يفصل بين البعثيين الملطخة ايديهم بدماء العراقيين، واؤلئك الذين انتموا الى حزب البعث اجباراً او كسياق عام للدولة العراقية سابقاً، ولم يتورطوا في جرائم.

الهوة العميقة في تفسيرات القوى السياسية العراقية لماهية "الاجتثاث" لايبدو ان بالامكان ردمها للتوصل الى صيغة نهائية، فحتى الصيغة الاخيرة التي طرحها مجلس الوزراء العراقي، والتي نصت على تحديد سقف زمني لتطبيق اجراءات نهائية للاجتثاث تستمر عاماً واحداً، اعتبرها السياسيون السنة "اسوأ" من النسخ السابقة للقانون.

المشكلة ان قضية البعثيين السابقين ليست ملف توافق سياسي فقط، بل هي جزء من اي توجه عراقي نحو تحقيق المصالحة الاجتماعية، على المدى البعيد، والتطبيقات الانتقائية السابقة لقضية الاجتثاث، كانت خلفت شكاوى كبيرة، وتظلمات.

ان مضي حكومة العبادي الى تكريس اللامركزية في الادارة، يمكن ان يكون مدخلاً لحل قضية اجتثاث البعث على المدى البعيد على اساس لامركزي ايضاً.

فالاصرار على ان تكون تطبيقات قوانين الاجتثاث ثابتة على امتداد العراق، لايتلائم مع المنهجية اللامركزية التي اعلنتها الحكومة، وهي مصرة على تطبيقها في نطاق اصلاحات سياسية شاملة.

ان تحويل ملف التعامل مع البعثيين السابقين الى ملف لامركزي قد يتيح تنفيس بعض العقد الدائمة في هذه القضية، لكن شريطة ان تكون هناك اليات عامة موحدة تنظيم مثل هذا الاجراء.

الفيصل في التعامل مع قضية حزب البعث، هو الدستور، الذي يمنع ويجرم اي انتماء للحزب، و اي نشاط له، او اي محاولة لتمثيله عبر اي طريقة كانت، لكن هذا النص لايتطرق الى البعثيين السابقين كافراد.

تحويل هذا النص الى الية عمل اتحادية، سيعني اصدار قانون شامل يضع خطوطاً عامة لكيفية منع حزب البعث من ممارسة اي نشاط سياسي، وايضاً منعه مستقبلاً من التسلل الى العملية السياسية عبر عناوين مموهة.

لكن مستوى التعامل مع البعثيين كافراد يمكن ان تشرك فيه المحافظات والاقاليم ضمن الصلاحيات اللامركيزية الممنوحة لها، فمن حق محافظات كالنجف او كربلاء، او اربيل او ذي قار عانت من نشاط حزب البعث ومن جرائم البعثيين، ان تكون اكثر تشدداً في التعامل مع هذا الملف. في عام 91 حدثت انتفاضة في جنوب العراق و شمالها وقتل التظام الصدامي الالاف الاشخاص و دمر مدن كاملة بالاعتماد على حزب البعث. مثلما ان من حق محافظات كالانبار وصلاح الدين ونينوى يشكل البعثيون السابقون عصب الحياة الاجتماعية والادارية فيها، ان تتعامل بمرونة اكبر معه، ولكن تحت سقف التعليمات والقوانين الاتحادية العامة التي تمنع عودة حزب البعث وتجرمه.

يمكن ان يواجه مثل هذا الطرح انتقادات عديدة، فقد يكون برأي البعض مدخلاً لتكريس الانقسام الاجتماعي، كما ان تحويل ملف الاجتثاث الى ملف لامركزي لايقود الى حماية البلد من تمكن البعثيين من استثمار المرونة في التعامل معهم لتجميع انفسهم والذهاب الى انقلاب على السلطة.

كل ذلك وارد في الحقيقة، لكن الوارد ايضاً ان الاخطاء التي صاحبت التعامل المركزي مع ملف البعثيين السابقين، كانت من بين ماقاد الى مانحن فيه اليوم من تحلل للبنى الاجتماعية وسقوط اجزاء واسعة من البلاد تحت سطوة الارهاب، فهناك قناعة عامة في العراق، ان البعثيين تم الدفع بهم دفعاً الى التطرف بديلاً عن محاولة احتوائهم.

تفكيك قضية اجتثاث البعث تتطلب جهداً سياسياً استثنائياً، واجراءات جديدة ومختصرة، ومؤثرة، قادرة على محاسبة المرتكبين والجناة من البعثيين واحتواء الابرياء في نطاق الدولة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020