مقاولات فاسدة لمشاريع الإعمار في العراق

تنفذ الكثير مشاريع البنى التحتية في العراق عبر مقاولات يتم بيعها من قبل المقاول الرئيسي الى مقاول آخر يقبض ثمنها من مقاول آخر. وفي النهاية، فان المبلغ الحقيقي الذي يُصرف على المشروع، متواضع جدا، مقارنة بالمبلغ الأصلي الذي ضاع بين سلسلة الوسطاء.

al-monitor .

المواضيع

reconstruction, najaf, iraq, corruption, construction, baghdad

فبر 25, 2015

بغداد - يعترف مقاول عراقيّ في العاصمة العراقيّة بغداد ويعمل في مجال تبليط الطرق وانشاء مجاري تصريف المباه والامطار، بأنّ "أغلب مقاولات المشاريع في العراق، إن لم تكن كلّها، تتضمّن حصصاً لمسؤولين حكوميّين ومقاولين كبار يرتبطون بهم، يتمّ بيعها إلى مقاولين منفّذين، وبسعر يضمن إنشاءها في الحدّ الأدنى من المواصفات، وبأقلّ التّكاليف".

وقال لـ"المونيتور" المقاول، الّذي رفض الكشف عن اسمه، في 1/2 في بغداد: "إنّ هذا الاعتراف ليس كشفاً لسرّ، بل حقيقة يتداولها الناس والمسؤولون الحكوميّون ووسائل الإعلام في شكل متواصل".

ودعم اعتراف هذا المقاول، إعلان محافظة بغداد، في 19 كانون الثاني/يناير 2015، عن إحالة 42 شخصاً، على هيئة النزاهة العامّة لتورّطهم في فساد مشاريع خدميّة في العاصمة.

وأكّد المهندس المدنيّ بهاء الشمري، في بابل (100 كلم جنوبيّ بغداد)، عمل في العديد من مشاريع الإعمار، في حديث لـ"المونيتور"، في بابل، في 2/2 ، أنّ "الأمر لا يتعلّق بفساد ماليّ فحسب، بل إداريّ وتحايل على القانون، إذ يلجأ المسؤول إلى الاستعانة بأقاربه وأصدقائه عبر تسجيل شركات باسمهم، وعلى الورق فقط، وهي شركات لا تمتلك آليات أو فنيّين مهرة. وبمساعدة المسؤول ترسو عليهم، مقاولة مدرسة مثلاً، فيتمّ تنفيذها إمّا عبر بيعها إلى مقاول آخر، أو تنفيذها بتأجير العمّال والآليّات لتكون النتيجة مشروعاً فاشلاً".

وفي مدينة المحاويل، شمالي بابل، اعترف لـ"المونيتور" رافضا الإفصاح عن هويته، في 2/1 في بابل، مقاول، محدود الإمكانيّة، يقوم بتبليط شارع ترابيّ بأنّه "حصل على عقد تنفيذ الشارع، بعد جهد شاق وتقديم عطايا وهدايا إلى موظّفين ومسؤولين"، وقال: "سأبذل قصارى جهدي لكي يكون إنجازاً جيّداً، لكن المشكلة الّتي تواجهني هي قلّة التّخصيصات".

وأكّد عضو المجلس البلديّ في منطقة الحمزة الغربيّ (30 كلم جنوبيّ بابل) مكّي حسن لـ"المونيتور" في 2/2 أنّ "التّخصيصات للمشاريع كافية في الغالب، لكن تمريرها عبر وسطاء وسلسلة مقاولين، يجعل مقدار الصرف الحقيقيّ على المشروع لا يزيد عن عشرين في المائة من المبلغ الأصليّ".

واعترف المتحدّث الرسميّ باسم وزارة التّخطيط عبد الزهرة الهنداوي في تصريحات لوسائل الإعلام في 14 أيلول/سبتمبر 2014، بحاجة العراق إلى سنّ قانون يمنع تنفيذ أيّ مقاولات ثانوية في المشاريع الاستراتيجيّة لأنّه يعيق تنفيذ خطّة التّنمية.

مبينا أن "العديد من الشركات تلكأت في التنفيذ لأن المشاريع المسندة إليها اكبر من إمكانياتها"، مضيفاً أن "منح الشركات الكبرى للمقاولات الحاصلة عليها الى شركات اصغر لتقوم بتنفيذها هو فساد أيضا".

واعتبر الكاتب العراقيّ حسين الحسيني في حديث لـ"المونيتور"، في بغداد في 2/2، أنّ "الفساد في مشاريع البنية التحتيّة يرتبط إلى حدّ كبير بالفساد السياسيّ، وغالباً ما يكون مسؤولون سياسيّون طرفاً مباشراً فيه"، وقال: "إنّ المقاولات في العراق هي عبارة عن مشروع استثماريّ تنفرد فيه مجموعة متنفذة في السلطة وأحزاب، تموّل نفسها عبر هذه المقاولات، ويغطّي كلّ طرف، على فساد الطرف الآخر".

وكشف الحسيني، الّذي يكتب مقالات في الشأن العراقيّ في بغداد، أنّ "هذه العمليّة تمر في مراحل عدّة من التّنسيق والتّخطيط بين المسؤولين المتنفّذين في السلطة وبين المقاولين، تبدأ أولّاً بالشروع بالمقاولة ورصد المبالغ غير القانونيّة لها، حيث يتضاعف مبلغها ليكون هناك مجال للرّشوة والاختلاس والتّلاعب".

أضاف: "بعد المرحلة التخمينيّة لرصد المبالغ، تأتي مرحلة أخرى، هي مرحلة تحديد المقاول أو الشركة باتّفاق مسبق مع الموظّفين الحكوميّين. وفي النّتيجة، يُنفّذ المشروع بأدنى المواصفات لتحقيق أعلى الأرباح".

وأكّد حديث الحسيني، تصريح إعلاميّ لرئيس لجنة النزاهة في النّجف هادي السلامي، في آيار 2014، يفيد بأنّ "هناك عمليّات تلاعب تطال أكثر المشاريع المنفّذة في النّجف".

ويعاني العراق من فساد مشاريع البنى التحتيّة المقامة، حيث مشاريع الصرف الصحيّ والمجاري المتلكّئة وغير الصالحة، ورداءة الأبنية المدرسيّة المقامة، والغشّ الّذي يتخلّل الكثير من أعمال تبليط الطرق.

ورأى الإعلاميّ قاسم موزان، المحرّر في صحيفة "الصباح" العراقيّة، أنّ "الظاهرة استفحلت، مع توافر الأموال الطائلة الّتي خصّصت لإعادة الاعمار، بعد أن وضعت الحرب أوزارها في عام 2003"، وقال: "إنّ الكثير من المواطنين كانوا شاهد عيان على المقاولات الّتي بيعت في كافتريات المجالس البلديّة، ونقلوا هذه المعلومات".

أضاف للمونيتور في 2/2 في بغداد: "ارتبط المقاولون بالأحزاب والسياسيّين، وتسلّموا مبالغ مهولة، فيما ظلّت المشاريع معطّلة أو تمّ تنفيذها في شكل سيّء. وهذه المعلومات اطّلعت عليها بحكم عملي في الإعلام لنقل نشاطات المجالس البلديّة لسنوات عدّة".

ومن جهتها، قالت الباحثة الاقتصاديّة والنّاشطة النسويّة في بابل سجى باسم، في حديثها لـ"المونيتور" في بابل في 2/2: "إنّ نتيجة هذا الفساد المستشري، ظهور أثرياء طارئين في المجتمع كانوا حتّى قبل سنوات من المعدمين، الّذين لا يملكون من المال الكثير".

ورغم المبالغ الملياريّة المصروفة على إعمار البنى التحتيّة، منذ عام 2003 عبر مشاريع قام بها مقاولون ورجال أعمال وأصحاب شركات، فإنّ تعثّر المشاريع واضح، وما زال يسبّب جدلاً إعلامّياً وسياسيّاً متواصلاً.

وربط أمين علاقات الإعلام في النّجف (160 كلم جنوبيّ بغداد) الصحافيّ علي العبودي، "فساد المقاولات في العراق، بالمحاصصة الحزبيّة والطائفيّة"، كما قال لـ"المونيتور" في 2/2 في النّجف.

أضاف: "تغطّي الأحزاب على فساد بعضها، وأدّى ذلك إلى ضياع الأموال في جيوب المفسدين بسبب عدم وجود مناقصات حقيقيّة أو اتّفاقات واضحة، مما سبّب زيادة كلفة المشاريع إلى ضعف كلفتها الحقيقيّة".

إنّ فساد المقاولات في العراق، بات اليوم آلة تدور بقوّة في فلك ماكنة الفساد الكبرى في العراق، ولم يستطع أحد إيقافها حتّى الآن، رغم المحاولات الحكوميّة للحدّ منها، عبر الاستعانة بالخبرات العالميّة مثل مجموعة "باون" الدوليّة"، أو عبر الدّعوات الإعلاميّة والشعبيّة إلى وضع حدّ لهديرها، ويبدو أنّ ذلك صعب المنال، بسبب تشبّث الأحزاب والمسؤولين والمقاولين بالمنافع الّتي يجنوها من هذه المقاولات الفاسدة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020