نبض فلسطين

عائلات في غزّة... حمولة زائدة تجاور الموتى

p
بقلم
بإختصار
مدينة غزّة - "كلّ ما نستنشقه هنا هو رائحة الموت، وكلّ ما تشاهده عيوننا هو دفن الموتى، ولا نعرف من كلمة الترفيه سوى معناها، فلا شيء هنا يبعث الأمل بالحياة"... بهذه الكلمات، وصف المواطن أبو رائد القهوجي حياة عائلته التي تقيم داخل مقبرة يطلق عليها اسم "المعمداني" وسط مدينة غزّة، حيث ضاقت بها الأرض للعيش في ظروف إنسانيّة أفضل. وقال القهوجي (39 عاماً) الذي يسكن المقبرة برفقه زوجته وأطفاله...

مدينة غزّة - "كلّ ما نستنشقه هنا هو رائحة الموت، وكلّ ما تشاهده عيوننا هو دفن الموتى، ولا نعرف من كلمة الترفيه سوى معناها، فلا شيء هنا يبعث الأمل بالحياة"... بهذه الكلمات، وصف المواطن أبو رائد القهوجي حياة عائلته التي تقيم داخل مقبرة يطلق عليها اسم "المعمداني" وسط مدينة غزّة، حيث ضاقت بها الأرض للعيش في ظروف إنسانيّة أفضل.

وقال القهوجي (39 عاماً) الذي يسكن المقبرة برفقه زوجته وأطفاله الأربعة لـ"المونيتور": "لقد كنّا نسكن شقةًّ صغيرة في إحدى العمارات السكنيّة في حيّ الشجاعيّة وسط مدينة غزّة، وكان أحد رجال الأعمال يدفع قيمة إيجارها الشهريّ بسبب عدم قدرتنا على الدفع، ولكنّ هذه العمارة السكنيّة هدمت في الحرب، ولم يبق أمامي سوى الإقامة في "عشة صغيرة" صنعتها داخل المقبرة".

وبيّن أنّ الفقر الشديد وعدم إيجاد فرصة عمل، جعلاه غير قادر على الحصول على أيّ مأوى في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على شقق الإيجار، بعدما دمّرت الحرب عشرات آلاف المنازل والعمارات السكنيّة".

وأضاف بسخط: "لقد باتت ظروف حياتنا أشبه بحياة الأموات، فلا يوجد لدينا مأكل أو مسكن أو ملبس، وكل ما نقتات به هو بعض المساعدات التي تقدّمها لنا جمعيّات خيريّة أو أهل الخير في شكل غير منتظم".

ووفقا للإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ للربع الثاني من عام 2014، فإنّ معدل البطالة في قطاع غزّة يبلغ ما نسبته 44.5٪، ولكنّ مراقبين يرون أنّ هذه النسبة ارتفعت في شكل كبير بعد الحرب الإسرائيليّة على غزّة.

وقد دمّرت الحرب الإسرائيليّة التي استمرّت 51 يوماً (من 7 تمّوز/يوليو حتّى 28 آب/أغسطس 2014) نحو 60 ألف مسكن، تضرّر 20 ألفاً منها في شكل بالغ، وأصبحت غير صالحة للسكن، بحسب بيان وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين "أونروا".

وعلى مقربة من "عشة" عائلة القهوجي، يجلس ثلاثة أطفال من عائلة أخرى على حافّة قبر، وعلامات الانتظار تسيطر على ملامحهم.

اقترب "المونيتور" منهم، وحاول الحديث معهم حول سبب وجودهم في هذا المكان، فقال الطفل مهنّد (13 عاماً)، وهو يشير إلى خيمة مهترئة: "نحن نسكن هنا، وما ننتظره هو قدوم مشيّعين لدفن أحد الموتى. فهذه فرصة كبيرة لنا لكسب المال".

وأوضح مهنّد أنّ والده الذي لا يعمل ألقى على كاهله وعلى كاهل أشقّائه الآخرين، مسؤوليّة توفير مصروف المنزل من خلال مراقبة العائلات القادمة لدفن موتاها، والتوسّل إليها لمنحهم المال، مقابل العناية المستمرّة بقبر فقيدها.

قاطعته شقيقته منيرة التي تبلغ من العمر 11 عاماً، وقالت: "في صبيحة كلّ يوم، نقوم ثلاثتنا بتنظيف القبور، وترطيب ترابها بالماء، ووضع الأزهار المتفتّحة، مقابل 10 شواقل (دولاران ونصف) أسبوعيّاً للقبر الواحد".

قاطعنا صراخ والد الأطفال الثلاثة من بعيد (محمد رزق)، طالباً من أطفاله الكفّ عن الحديث، والعودة إلى الخيمة. سألناه: "كم عائلة تسكن هذه المقبرة"؟ فأجاب بامتعاض: "هناك نحو 45 عائلة". سألناه مرّة أخرى: "ما سبب إقامتكم هنا"؟ فقال بغضب: "أرحلوا من هنا. لقد مللنا من الحديث معكم من دون فائدة".

وذكرت دراسة بحثيّة في غزّة أنّ القطاع يحتاج إلى 228 ألف وحدة سكنيّة حتّى نهاية عام 2020، مبيّنة أنّ غزّة تحتاج كلّ عام إلى 13 ألف وحدة سكنيّة مع زيادة طبيعيّة للسكّان نسبتها 6%.

ويؤكّد أستاذ العلوم الاقتصاديّة في جامعة الأزهر في غزّة الدكتور معين رجب، أنّ بروز ظاهرة السكن في المقابر ومجاورة الموتى، يعود إلى عوامل عدّة، أبرزها الفقر الشديد الذي يعاني منه سكّان القطاع، والحروب الإسرائيليّة المتكرّرة التي أدّت إلى تدمير مئات آلاف المنازل منذ عام 2007، وازدياد أعداد المواليد في منطقة ضيّقة بالسكّان، وتعاني من ازدحام سكّاني رهيب.

وقال رجب لـ"المونيتور": "نحو ثلثي سكّان القطاع يعانون من الفقر الشديد، كما أنّ الحروب أدّت إلى تدمير مساكن المواطنين، وألقتهم في الشوارع من دون مأوى، فيما تعدّ غزّة البالغة مساحتها 365 كيلومتراً مربّعاً من أكثر الأماكن في العالم، التي تعاني ازدحاماً سكّانياً شديداً بنسبة نحو 4000 نسمة/ كم2".

وبيّن أنّ هذه الزيادة السكّانية الكبيرة، أنجبت العديد من المظاهر السلبيّة المجتمعيّة، من بينها عدم قدرة الحكومة على توفير المساكن في شكل كافٍ، وعدم القدرة على توفير الرعاية الصحيّة والتعليميّة بمستوى جيّد، وعدم القدرة أيضاً على توفير الغذاء في شكل كافٍ".

ولفت رجب النظر إلى أنّ هذه المظاهر تسبّبت أيضاً في زيادة أعداد المجرمين والمتسوّلين، وظهور عائلات تسكن فوق ركام منازلها، وفي الأماكن العامّة مثل المقابر.

من جهّته، اعترف مصدر مسؤول في وزارة الأشغال العامّة والإسكان، بتقصير وزارته في إيواء تلك العائلات في مساكن لائقة، وقال: "نحن نعترف بتقصيرنا في حقّ تلك العائلات، ولكن في الوقت ذاته، لا يمكننا أن نفعل أيّ شيء أمام هذا التدهور الاقتصاديّ والسياسيّ في غزّة".

وأوضح المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه لـ"المونيتور"، أنّ السكن في المقابر يعدّ "تعدّياً غير قانونيّ وانتهاكاً لحرمة الأموات"، وأضاف: "ولكن، ما يمنعنا من إزالته هو الوضع الاقتصاديّ المرير الذي لا يجعل هناك خيارات أخرى لاحتواء الموقف".

وبيّن أنّ هناك مشاريع إسكانيّة عدّة وضع لها حجر الأساس لإنشاء آلاف الوحدات السكنيّة في غزّة، إلّا أنّه قال: "ولكنّ الحرب والظروف السياسيّة أوقفت العمل في هذه المشاريع، ومن الأمثلة على ذلك مشروع، مدينة حمد السكّانية التي دشّنها أمير قطر السابق".

وكان أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، زار غزّة في تشرين الأوّل/أكتوبر 2012، لوضع حجر الأساس لبناء عدد من المشاريع الإسكانيّة والتنمويّة في إطار إعادة إعمار غزّة، عقب الحرب الإسرائيليّة عام 2008، وبلغت قيمة المنحة 254 مليون دولار.

وأمام صعوبة العثور على مسكن لضمان الحقّ في الإيواء، يقول المواطن القهوجي: "لدى المواطن الغزّي من الهموم، ما يفوق أحلامه أضعافاً مضاعفة، وكلّنا أمل أن يتمّ وضع حدّ لهذه المعاناة الطويلة التي نعيشها".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : war, unemployment, poverty, jobs, housing crisis, homeless, gaza strip, children

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept