نبض تركية

الأتراك يتعاطفون أكثر فأكثر مع تنظيم الدولة الإسلاميّة

p
بقلم
بإختصار
أثار إعلان تنظيم الدولة الإسلاميّة لخلافة آراء متضاربة في تركيا.

تعرّض لاعب كرة قدم كرديّ علويّ يدعى دنيز ناكي لضرب مبرح في 2 تشرين الثاني/نوفمبر في أنقرة على يد مؤيّدين لتنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) بسبب تضامنه مع كوباني. وبعد ثلاثة أيّام من الحادثة، قال ناكي لـ "المونيتور" إنّه غادر نادي كرة القدم الذي كان يلعب ضمنه في تركيا خوفاً على أصدقائه وزملائه.

ويُعتبر ناكي الذي ترعرع في ألمانيا صريحاً بحسب المعايير التركيّة، وهو فخور بوشمه الذي يمثّل بلدته درسيم. عائلة ناكي متحدّرة من درسيم المعروفة بسكّانها الأكراد العلويّين. (لا تزال مجزرة درسيم التي قتل فيها الجيش آلاف الأشخاص في العامين 1937-1938 ذكرى مريرة بالنسبة إلى العلويّين والأكراد). وقال ناكي لـ "المونيتور" إنّ الاعتداء عليه لم يكن حادثة عشوائيّة، إذ إنّ مؤيّدين لداعش استهدفوه مراراً وتكراراً على مدى سبعة أشهر قبل الحادثة. وعند سؤاله عمّا إذا طلب حماية قانونيّة، ضحك وأجاب: "كم يمكن أن يثق كرديّ علويّ بالدولة من أجل حمايته، نظراً إلى أنّ جميع الذين توفّوا في [متنزّه] جيري كانوا علويّين؟ هل نسيتم؟". وقال ناكي إنّه مقتنع بأنّ هناك دعماً كبيراً في تركيا لخلافة الدولة الإسلاميّة أبعد من بعض المتعصّبين التوّاقين إلى الانضمام إلى الجهاد.

وقد أدّت تجارب ناكي الأليمة إلى طرح سؤال مهمّ: كيف يمكن أن تؤثّر خلافة الدولة الإسلاميّة على المسلمين في تركيا؟

في 2 تشرين الثاني/نوفمبر، أشار كاتب العمود الإسلاميّ البارز في صحيفة "يني أكيت" اليوميّة، عبد الرحمن ديليباك، إلى ضرورة إنشاء خلافة شبيهة بالفاتيكان في تركيا، زاعماً أنّها ستتطابق مع الحكومة العلمانيّة للجمهوريّة التركيّة. وقدّم ديليباك تبريراً مفصّلاً، قائلاً إنّ الخلافة لم تُمحَ منذ الامبراطوريّة العثمانيّة، بل هي لا تزال حيّة وينبغي إنشاؤها من جديد. وتصدّرت تعليقات ديليباك عناوين الصحف العلمانيّة ووسائل التواصل الاجتماعيّ، فأثارت جدلاً محتدماً.

في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، أوضح علي بولاك، الصحافيّ الإسلاميّ الشهير في صحيفة "زمان"، بالتفصيل ومن دون الإشارة إلى مقال ديليباك، لماذا يعتقد أنّ داعش أنشأت الخلافة بهذه السرعة. وشرح بولاك أنّه وفقاً للمعتقدات الإسلاميّة، "كلّ من يموت من دون أن يكون مرتبطاً بخليفة، يموت وكأنّه في العصور الجاهليّة".

ويكتب موقع "المونيتور" منذ فترة عن معنى الخلافة ودلالتها وعن المنافسة الإقليميّة للمطالبة بحقّ الخلافة، خصوصاً بين المملكة العربيّة السعوديّة وتركيا. ومع أنّ زعماء حزب العدالة والتنمية لم يعلنوا عن أيّ نيّات بشأن إنشاء خلافة، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعيّ أفكار عن نبوءات النبيّ محمد بشأن مجيء داعش.

وقال صاحب مكتبة يبيع منشورات إسلاميّة في بلديّة فاتح في اسطنبول – أشار إلى أنّه يدعى محمد كيلينك (وهو أمر لم يتمكّن "المونيتور" من التحقّق من صحّته لأنّه قال لاحقاّ إنّ اسمه لا يهمّ) – لـ "المونيتور": "نحن مسلمون متيقّظون هنا، ولا نعتقد أنّ ما حصل في العام 1924 – أي محو الجمهوريّة التركيّة الجديدة للخلافة – مقبول. أصبحتُ من مؤيّدي داعش في الأيّام الأولى لرمضان عندما تمّ إعلان الخلافة – هم يمثّلون الآن جميع المسلمين في العالم ونحن مضطرّون إلى دعم [داعش]. أتحدّث معكم لأنّني أريد أن يعرف العالم الصورة الملتوية [التي يقدّمها] الإعلام الغربيّ. هم يزعمون دائماً أنّ الرجال المدمنين على المخدّرات والذي يسعون وراء المال والنساء ينضمّون إلى داعش. هذا غير صحيح. صديقي المفضّل منذ الطفولة والذي كان يعلّم العزف على الناي، انضمّ إلى [داعش] قبل ستّة أشهر. كان يعيش حياة جيّدة هنا، يعلّم الأولاد الأثرياء ويجني أموالاً كثيرة. لكنّه فضّل الجهاد. فالأهمّ اليوم هو شرف الخلافة".

إنّ الخلافة ليست مسألة جديدة بالنسبة إلى بعض المسلمين في تركيا. فهناك منظّمة إسلاميّة عالميّة تدعى حزب التحرير تأسّست في العام 1953 وتضمّ فروعاً في 50 بلداً وهي تنادي علناً بخلافة. وفي مقابلة مع "المونيتور"، شرح رئيس العلاقات الإعلاميّة في حزب التحرير في تركيا، محمود كار، بالتفصيل نظرة منظّمته لقرار داعش بإعلان الخلافة، ونضالها الخاصّ من أجل إنشاء خلافة.

وقال كار: "تأسّس [حزب التحرير] في العام 1960 في تركيا، وعندما بدأنا نتكلّم عن الخلافة في العام 1967، كانت تلك المرّة الأولى التي تعود فيها هذه الكلمة إلى الساحة العامّة التركيّة منذ 1924. وعندما خرجت فكرة الخلافة إلى العلن من جديد، بدأت الحركات الإسلاميّة الشبيهة بالإخوان المسلمين تبرز في تركيا".

تجدر الإشارة إلى أنّه منذ العام 1967، تعرّض أعضاء حزب التحرير في تركيا للاضطهاد، ولم يتحسّن الوضع حتّى اليوم.

وقال كار: "المهمّ بالنسبة إلى تلك الحركات الشبيهة بالإخوان المسلمين هو العدالة. وبالتالي، فهي تقول إنّه ما إن يتمّ إرساء العدالة، تصبح الطريقة التي حقّقتها بها غير مهمّة. ولذلك تستعمل لغة الديمقراطيّة. بالنسبة إليّ، إنّ الحلم العثمانيّ الجديد لرئيس الوزراء التركيّ أحمد داوود أوغلو هو مجرّد حلم. لقد قيل على مدى عقود إنّ الخلافة مندمجة في الجوهر الروحيّ للبرلمان التركيّ. هل يمكن أن يعلن حزب العدالة والتنمية إذاً الخلافة في مرسوم جديد؟ من السخافة حصول ذلك لأنّ كلّ ما يقال عن أنّ البرلمان التركيّ يحتضن روحانيّة الخلافة في جوهره هو كذبة لتهدئة المسلمين. من المستحيل إعلان خلافة من خلال مرسوم من الجمهوريّة التركيّة".

وشدّد كار على أنّ ربط الخلافة بداعش ألحق الأذى بالمسلم "العاديّ" وغير المسلم، قائلاً: "بما أنّ العالم مرتاب من عنف داعش، باتت الخلافة مرتبطة بالدم". لكنّ داعش قد تكون بصيص أمل بالنسبة إلى أولئك الذين يحلمون بإعادة إحياء الخلافة.

كيف تناقش المجموعات الأخرى في تركيا موضوع الخلافة؟ تطرّق علي كنان أوغلو، رئيس جمعيّة الثقافة العلويّة في هوبيار سلطان إلى الموضوع من وجهة نظر أكثر براغماتيّة عندما قال لـ "المونيتور" إنّ "مناقشة موضوع الخلافة جديد في تركيا. إنّ أولئك الذين أطلقوا هذا النقاش فعلوا ذلك بالتحديد لأنّ [الرئيس] رجب طيب أردوغان هو اليوم المرشّح الوحيد لهذا المنصب في نظرهم. ولا يبدو من المنطقيّ إنشاء خلافة فعليّة من خلال هيكليّة حزب العدالة والتنمية على المدى القصير. لكنّنا ندرك أنّ جميع المرشّحين للمناصب الحكوميّة يخضعون للتدقيق للتحقّق من مدى التزامهم بالقيود الإسلاميّة. وإنّ أسلمة الدولة بشكل أكبر بعد سيزيد الضغوط على العلويّين الذين يُعتبرون كفرة. ولن يؤدي ذلك سوى إلى مزيد من عدم الاستقرار".

ويتشارك الأمين العامّ لاتّحاد علماء أهل البيت، قدير أكاراس، مخاوف كنان أوغلو بشأن إنشاء خلافة في تركيا في المستقبل القريب. فقد قال: "الخلافة مؤسّسة سياسيّة، وليست دينيّة فحسب. وبالتالي، سيكون هناك ردود فعل سياسيّة عليها. انظروا إلى ما حصل مع داعش عندما أعلنت الخلافة. كلّ الدول العربيّة المسلمة من الخليج اجتمعت ضدّها".

وقال الخبير في الشؤون الإيرانيّة، شفق باش، لـ "المونيتور": "ترفض إيران رفضاً قاطعاً خلافة [أبو بكر] البغدادي. أوّلاً لأنّها تعتبر داعش منظّمة إرهابيّة تقوم هي بمحاربتها في العراق وسوريا، وثانياً لأسباب إيديولوجيّة. إنّ نظرة إيران لنفسها كدولة ثورة إسلاميّة مهمّة. لا أعتقد أنّها ستحتضن يوماً ما أيّ خلافة".

وقال حسين البهشتي العالم في الفلسفة والدين لـ "المونيتور" إنّ "المجموعات السنيّة كالسلفيّين ناشطة كثيراً في تركيا اليوم. بعد مشكلة سوريا، وبسبب السياسات الطائفيّة لحزب العدالة والتنمية، بات المجتمع الإسلاميّ التركيّ أكثر تشدّداً وتطرّفاً. إنّ مجموعات إسلاميّة كثيرة تناقش اليوم، وللمرّة الأولى، إيديولوجيا الخلافة". وشدّد البهشتي على أنّ موضوع الخلافة لم يعد موضوعاً هامشيّاً مقتصراً على أعضاء حزب التحرير، مشيراً إلى أنّ سياسات حزب العدالة والتنمية المؤيّدة للإسلاميّين ساهمت في تشكّل معقل للسلفيّين في تركيا.

من الصعب تحديد ما إذا كانت داعش قد حصدت مزيداً من التعاطف في تركيا، لكن منذ رمضان، بات الحديث عن الخلافة يوميّاً إلى درجة أنّه تمّ ربط الأحداث الأخيرة في الحرم القدسيّ الشريف في القدس بالخلافة في تغريدات كثيرة. وتُعتبر إحدى تلك التغريدات مثيرة للاهتمام أكثر من غيرها لأنّها تتضمّن صورة للسلطان العثمانيّ كُتب عليها: "الخلافة لم تعترف بإسرائيل. فهي نظام الشيطان".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : turkey, supporters, justice and development party, islamists, islamic state, islam, isis
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept