عمليات الإسقاط الجوي في كوباني وما تعنيه للسياسة الإقليمية

غالب الظن أن الولايات المتحدة ستستخدم تأثيرها الجديد على "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردستاني لدفعه نحو معارضة الأسد.

al-monitor .

المواضيع

ypg, us, turkey, syria, pyd, pkk, john kerry

أكت 20, 2014

أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في 19 تشرين الأول/أكتوبر الجاري أنها نفّذت العديد من عمليات الإسقاط الجوي قرب بلدة كوباني الكردية السورية التي ظلّت لأكثر من شهر تحت الحصار من مقاتلي "الدولة الإسلامية". وأضافت "سنتكوم" أن طائرات "سي-13" أميركية نفّذت طلعات عدّة لإلقاء الأسلحة والذخائر والإمدادات الطبية التي قدّمتها السلطات الكردية في العراق. من شأن هذه الخطوة أن تمارس تأثيراً عميقاً على التوازنات الإقليمية بين تركيا والأكراد والولايات المتحدة، والذي يُرجَّح أن تتردّد أصداؤه أيضاً في طهران ودمشق.

تقصف الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ أسابيع عدّة مواقع "داعش" حول كوباني. بيد أن إرسال الأسلحة ينقل تحالف الأمر الواقع بين الأكراد السوريين والولايات المتحدة إلى مستوى جديد.

تحتلّ تركيا التي تقع عند حدود كوباني، الموقع الأفضل لمساعدة الأكراد السوريين. لكن "حزب العدالة والتنمية" الحاكم لم يستجب للطلبات المتكرّرة التي وجّهها الأكراد السوريون من أجل السماح بعبور الأسلحة والمقاتلين عبر الأراضي التركية إلى البلدة الكردية السورية. في 18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردستاني السوري الذي يخوض جناحه المسلح المعروف بـ"وحدات حماية الشعب"، معارك مع "داعش" في كوباني، هو "تماماً مثل حزب العمال الكردستاني"، مضيفاً: "إنه تنظيم إرهابي. مخطئٌ جداً من يتوقّع منا أن نوافق على قيام أميركا، حليفتنا في الناتو، بتقديم هذا النوع من الدعم [المسلّح] [إلى حزب الاتحاد الديمقراطي]".

كان أردوغان يقصد العلاقات الوثيقة التي تربط "حزب الاتحاد الديمقراطي" بـ"حزب العمال الكردستاني" الذي يخوض منذ العام 1984 معارك متقطّعة من أجل الحصول على الحكم الذاتي في تركيا. "حزب العمال الكردستاني" مدرَج على قائمة المنظمات الإرهابية في وزارة الخارجية الأميركية، وحتى الشهر الفائت، رفضت الإدارات الأميركية المتعاقبة أن يكون لها أي اتّصال بـ"حزب العمال الكردستاني" أو "حزب الاتحاد الديمقراطي". إلا أن الفاعلية التي أظهرها "حزب الاتحاد الديمقراطي" و"وحدات حماية الشعب" في القتال ضد "داعش" في العراق وسوريا على السواء، أحدثت نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فقد أصبحت الولايات المتحدة والأكراد السوريون حلفاء في الحرب على "داعش".

قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري للمراسلين في العاصمة الأندونيسية جاكرتا، إن إدارة أوباما تتفهّم الهواجس التركية، إلا أنه من "غير المسؤول" ومن "الصعب أخلاقياً" الإحجام عن دعم الأكراد السوريين في معركتهم ضد "داعش".

وأضاف كيري أن "داعش" اختار أن "يخوض هذه المعركة البرية عبر الهجوم على مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين، وعلى الرغم من أنهم فرعٌ من التنظيم الذي يعارضه أصدقاؤنا الأتراك، يقاتلون داعش بشجاعة، ولا يمكننا أن نشيح بنظرنا عن الفوائد المترتّبة عن هذا الأمر". لكن كيري شدّد على أنه "مجهود مؤقّت"، وعلى أن الولايات المتحدة "نقلت بوضوح شديد" إلى تركيا أنه "ليس تحوّلاً في السياسة الأميركية".

جاء تصريح كيري بعد ساعات من المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الأميركي باراك أوباما مع أردوغان حول أحداث كوباني. وسرعان ما انتشر خبر أن تركيا ستسمح لمقاتلي البشمرغة الأكراد بعبور أراضيها باتجاه كوباني لنقل أسلحة جديدة إلى "وحدات حماية الشعب". فكيف انتقلت تركيا في غضون 48 ساعة من وصف "حزب الاتحاد الديمقراطي" بالإرهابي إلى فتح رواق لتمرير الأسلحة إلى مقاتليه؟

فيما يفكّر المحللون في هذه التغييرات المثيرة للذهول، نتوقّف عند بعض العوامل المباشرة.

1. كان بإمكان تركيا أن تقود مجهود دعم القوات المناهضة لتنظيم "داعش" في كوباني من خلال المبادرة قبل أسابيع من الآن إلى السماح بنقل الأسلحة والمقاتلين عبر حدودها. كان من شأن هذه الخطوة أن تعزّز عملية السلام بين تركيا وأكرادها، مع تجنّب كارثة العلاقات العامة التي تسبّبت بها مشاهد الدبابات التركية والجنود الأتراك الذين راحوا يتفرّجون فيما كان الأكراد السوريون يحاربون "داعش" في كوباني، ما يعزّز المزاعم بأن تركيا تدعم "داعش".

2. وجدت تركيا نفسها مضطرةً إلى فتح رواق مع كوباني بعدما أبلغتها الولايات المتحدة أنها ستنفّذ عمليات الإسقاط الجوي في مختلف الأحوال، ما يزيد من الشكوك حول الالتزام التركي بالعمل مع الشركاء الغربيين. كما أنه يصب في مصلحة خصوم أردوغان في الداخل الذين سيقولون الآن إنه عبدٌ متزلّف لدى الولايات المتحدة، وإن هذه الأخيرة سوف تستعمل "حزب العمال الكردستاني" لترويض تركيا.

3. أحد الأسئلة الكبيرة المطروحة هو إذا كانت أحداث الأيام الأخيرة تعني أن "حزب الاتحاد الديمقراطي" سيبتعد عن "حزب العمال الكردستاني". على الأرجح أن "حزب العمال الكردستاني" سيسعى إلى التقرّب أكثر من الولايات المتحدة. وقد سبق أن أنشأ قناة تواصل معها عن طريق "حزب الاتحاد الديمقراطي" في سوريا، كما أنه يقاتل إلى جانب قوات البشمرغة الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في العراق. أية محاولة لدقّ إسفين بين "حزب الاتحاد الديمقراطي" و"حزب العمال الكردستاني" سيكون مصيرها الفشل. يحظى عبدالله أوجلان، مؤسس وزعيم "حزب العمال الكردستاني" المسجون، بولاء الأكراد السوريين والأتراك على السواء.

4. من شأن أي حوار بين الولايات المتحدة و"حزب العمال الكردستاني" أن يحدّ من نزوع الحزب نحو استئناف أعمال العنف ضد الجيش التركي، لأن ذلك قد يؤدّي إلى تشويه شرعيته الوليدة. ما زال بإمكان تركيا أن تحوِّل الوضع لمصلحتها وتقوم ببوادر حسن نية تجاه الأكراد السوريين، ومنها فتح الحدود المحكمة الإغلاق مع بلدة سري كانيه (رأس العين) التي يسيطر عليها "حزب الاتحاد الديمقراطي". لم تحظَ مهام الاستطلاع التي نفّذتها طائرات أميركية من دون طيار فوق كوباني انطلاقاً من قاعدة إنجرليك الجوية، بتغطية وافية في وسائل الإعلام. إذاً قدّمت تركيا المساعدة، لكنها اختارت عدم التسويق للأمر.

5. استخدم الأكراد بإتقان وسائل الإعلام والرأي العام العالمي - التي صوّرتهم بأنهم القوة العلمانية الموالية للغرب في المنطقة، وهي المساحة التي كانت تشغلها تركيا من قبل - بهدف جر الولايات المتحدة إلى المعركة في كوباني. ثم تحوّلت المعركة على كوباني رمزاً للمبارزة بين "داعش" والائتلاف، والتي لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تتحمّل خسارتها. علاوةً على ذلك، سمح تركُّز قوات "داعش" حول كوباني للولايات المتحدة بإلحاق خسائر فادحة بمقاتلي التنظيم.

6. غالب الظن أن رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، مستاء من الانخراط الأميركي مع "حزب الاتحاد الديمقراطي"/"حزب العمال الكردستاتي"، اللذين يرى فيهما خصمَين له. لكن على النقيض من تركيا، حوّل الوضع لمصلحته عبر تقديم نفسه في صورة القائد ذي النوايا الحسنة الذي ساعد أبناء قومه الأكراد في وقت الحاجة.

7. سوف تستخدم الولايات المتحدة تأثيرها الجديد على "حزب الاتحاد الديمقراطي" لدفع الأكراد إلى الانخراط مع الفصائل المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد، لا سيما "الجيش السوري الحر". لذلك غالب الظن أن التحالف الذي تقيمه حالياً "وحدات حماية الشعب" مع العديد من فصائل الثوار في ساحة المعركة سوف يتوسّع.

8. هل يتداعى ميثاق عدم الاعتداء بين النظام السوري والأكراد؟ من السابق لأوانه الإجابة عن هذا السؤال، لكن الولايات المتحدة تصرّ على أن تدخّلها العسكري في سوريا يقتصر على التصدّي لتنظيم داعش. على الأرجح أن الأكراد سيستمرون في التحوّط في رهاناتهم لأطول فترة ممكنة.

9. وماذا عن إيران، الطرف الأساسي الآخر المساهم في تمويل "حزب الاتحاد الديمقراطي"؟ هل ستثير صداقة الحزب مع الأميركيين غضب الأئمة؟ سيتوقّف الكثير على إمكانية التوصّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي الإيراني. في حال فشَل المحادثات، قد يتحوّل "حزب العمال الكردستاني" أداة في السياسة الأميركية تُستخدَم ضد إيران.

10. التحالفات في الشرق الأوسط ليست أبداً من المسلّمات.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض تركية

al-monitor
زيادة حادّة في عدد الزائرين الإيرانيّين تنعش قطاع السياحة التركي
Paul Benjamin Osterlund |  السياحة | يون 17, 2018
al-monitor
ازدهار الصادرات التركية إلى سورية في ظل الحرب
فهيم تشتكين | اقتصاد و تجارة | يون 7, 2018
al-monitor
التطهير العسكري التركي ينسف صفوف الضباط والطيارين
متين گورجان | | ماي 29, 2018
al-monitor
صناعة الدفاع في تركيا عند منعطف حرج
متين گورجان | اقتصاد و تجارة | ماي 25, 2018