طقوس دينيّة وفرض للحجاب في المدارس العراقيّة

خروج العشرات من طالبات جامعة بغداد بتظاهره يوم 16 تشرين الاول/ اكتوبر الجاري احتجاجاً على إنشاء جامعة خاصة بالبنات، ومطالبتهن بمنع الفصل بين الجنسين في الجامعات العراقية، تتوجه الأنظار الى واقع التعليم في العراق الذي يتغلغل المد الديني في جميع مفاصله. فدروس الفن والرياضة توشك على الانقراض من المدارس العراقية، فيما تشكل دروس التربية الدينية حظورا قوياً. هذا ما تناقلته وسائل اعلام عراقية في الآونة الأخيرة. ويأتي هذا بالتزامن مع موجة تشدد ديني تتصاعد في المدن العراقية وفي الأخص الجنوبية منها، حيث بات ارتداء النساء للحجاب أمراً مفروغاً منه، فيما تنحسر مظاهر الحريات المدنية من تلك المدن.

al-monitor .

المواضيع

women’s rights, university, shiism, religious freedom, religion, iraq, education, baghdad

أكت 23, 2014

مع خروج العشرات من طالبات جامعة بغداد في مظاهرة في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري، احتجاجاً على إنشاء جامعة خاصّة بالبنات، ومطالبتهنّ بمنع الفصل بين الجنسين في الجامعات العراقيّة، تتوجّه الأنظار إلى واقع التعليم في العراق الذي يتغلغل المدّ الدينيّ في كلّ مفاصله. فدروس الفنّ والرياضة توشك على الانقراض من المدارس العراقيّة، فيما تحضر دروس التربية الدينيّة بقوّة. ويأتي هذا بالتزامن مع موجة تشدّد دينيّ تتصاعد في المدن العراقيّة، وخصوصاً الجنوبيّة منها، حيث بات ارتداء النساء الحجاب أمراً مفروغاً منه، فيما تنحسر مظاهر الحريّات المدنيّة من تلك المدن.

ويبدو أنّ الأحزاب والحركات الدينيّة تلقى تشجيعاً من قبل أجهزة الدولة، بل ومساندة في بعض الأحيان، كما حدث مع عمليّة اقتحام الأندية الاجتماعيّة في بغداد عام 2012.

ولا تقوم الحكومة العراقيّة بمنع أيّ ممارسات ذات طابع دينيّ متشدّد أو شجبها، حتّى وإن كان فيها اعتداء صريح على الحريّات المدنيّة، ومنها منع احتفالات التخرّج في الجامعات، ومنع مظاهر الاحتفال بأعياد رأس السنة الميلاديّة في بغداد وغيرها.

وما يؤكد أنّ ثقافة التشدّد الدينيّ تمارس بدعم من الدولة، قيام أحزاب نافذة في الحكومة العراقيّة بفرض الحجاب في المدارس العراقيّة. وتعدّ النائبة سوزان السعد رائدة في هذا المجال، حيث تقود حملة توزيع الحجاب على طالبات المدارس، صغيرات السنّ كلّ عام في مدارس البصرة، فيما يطالب بعض رجال الدين علناً بتشييع المناهج التعليميّة، كما فعل أحد مراجع الدين الشيعة الكبار بشير النجفي.

وتشير الكثير من الوقائع إلى امتداد حالة التشدّد الدينيّ إلى مدارس بغداد وجامعاتها، وهذا ما تؤكّده الطبيبة والناشطة النسائيّة زينة الحلفي، حيث قالت في حديث هاتفيّ مع "المونيتور" في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري من إربيل، إنّ الكثير من مدارس بغداد تمارس تشدّداً دينيّاً في المناهج، وفي أساليب التدريس. وترى زينة أنّه من المستبعد أن يتمّ ذلك، من دون علم من وزارة التربية. ففي مدرسة "الذرى" في مدينة البياع في بغداد، يتشدّد المشرفون التربويّون المعيّنون من قبل وزارة التربية، في فرض اللباس المحافظ على المعلّمات والطالبات على السواء، ويتسخدمون لأجل ذلك أساليب التخويف كالتهديد بالطرد من المدرسة. وتؤكّد زينة أنّ مدرسة "الإخلاص" في مدينة بغداد، فرضت الحجاب بالكامل على طالباتها.

وعلى الرغم من شيوع الظاهرة على نطاق واسع، وتذمّر الناس منها، فإنّ وزارة التربية تنفي صلتها بالأمر وتعزوه إلى أسباب أخرى خارجة عن إرادتها. ففي حديث هاتفيّ مع "المونيتور" في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر من بغداد، يعترف الخبير في تطوير المناهج في مديريّة المناهج في وزارة التربية الدكتور عبد العبّاس عبد الجاسم، بوجود المظاهر الدينيّة في المدارس العراقيّة، ويزيد على ذلك قائلاً: "علمنا أنّ هناك مدارس في البصرة يجبر فيها المعلّمون التلاميذ على اللطم داخل الصفّ". واللطم هو طقس دينيّ شيعيّ تضرب فيه الأجساد، تعبيراً عن الحزن لمقتل الإمام الحسين، ثالث أئمّة الشيعة الإثني عشر. ويبدي الدكتور عبد العبّاس استغرابه الأمر، وينفي صلة وزارة التربية به، ويعزوه إلى سطوة الأحزاب الدينيّة في بعض المناطق.

وعلى الرغم من الاعتراضات الشائعة على المناهج التربويّة ذات الطابعين الدينيّ والطائفيّ، وانحسار دروس الفنون والرياضة في المدارس العراقيّة، فإنّ الخبير عبد العبّاس يدافع عن المناهج العراقيّة بقوّة، ويصفها بالتوازن من ناحية طرح المفاهيم الدينيّة التي تعبّر عن طوائف المجتمع العراقيّ وأديانه كافّة. ويذهب إلى أبعد من ذلك، في جعلها "أفضل المناهج التعليميّة في الشرق الأوسط". ولكنّ المشكلة كما يرى، تكمن في المدرّسين أنفسهم. ويبدي عبد العبّاس قلقه من الأزمة الكبيرة التي يعانيها القطاع التعليميّ العراقيّ في مجال الحاجة إلى المدرّسين. فعدد المعلّمين قليل وكفاءاتهم التعليميّة قليلة هي الأخرى. والبلاد، حسب وصفه، في حاجة إلى أعداد أكبر بكثير وإلى كفاءات أعلى. وهو يحيل كلّ مظاهر التشدّد الدينيّ والطائفيّ في المدارس العراقيّة إلى ممارسات المدرّسين والمشرفين غير الأكفّاء، وينفي أيّ دور للوزارة في الموضوع.

وإن صحّ هذا الأمر، واستبعد دور وزارة التربية في هذه القضيّة، فذلك يعني أنّ سطوة الأحزاب الدينيّة باتت أكبر من قدرة وزارة التربية على المواجهة. ولعلّ هذا ما يذهب إليه أستاذ النقد الحديث في جامعة بغداد الدكتور أحمد الشيخ في حديث هاتفي مع "المونيتور" في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر الجاري من بغداد، حيث يعتقد بأنّ هذا الأمر لا يأتي بتوجيه من وزارة التربية، بل من نفوذ الأحزاب الدينيّة في البلاد. ويؤكّد أنّ الأحزاب الدينيّة في البلاد، من الطائفتين السنيّة والشيعيّة، لها برامج لتدريب المعلّمين على الأداء التدريسيّ الدينيّ والطائفيّ.

ويكشف الدكتور أحمد الشيخ لـ"المونيتور" عن أنّه التقى أحد هؤلاء المعلّمين، ممّن تلقّوا دورة تدريبيّة في إيران لتطوير مهارات التعليم الدينيّ، وكيفية نشر ثقافة التديّن بين طلبة المدارس. ويوضح الشيخ، نقلاً عن المعلّم، أنّ هناك مدّاً شيعيّاً وآخر سنيّاً في المدارس العراقيّة. فالأحزاب الدينيّة للطائفتين تتنازع على نشر ثقافاتها الطائفيّة في المدارس العراقيّة، حيث يمارس كلّ منها نشاطه في المدارس الواقعة في مناطق نفوذه. وبما يدعو إلى التفاؤل، يؤكّد الدكتور أحمد الشيخ أنّ جامعة بغداد الآن، في منأى عن هذا الاستقطاب لحرفيّة كوادرها الإداريّة والتدريسيّة الحاليّة ومهنيّتها.

ويهدّد انتقال الصراع الطائفيّ إلى قطاع التعليم، بانهيار نظام التعليم في البلاد، وتحوّله إلى تعليم دينيّ تتنازعه الأهواء الطائفيّة.

وتظهر هنا أهميّة أن تشرف الدولة ووزاراتها التعليميّة، أي وزارة التربية ووزارة التعليم العالي، على خطّة لانتشال الواقع التعليميّ، من المكان الذي انزلق إليه. ولكنّ واقع الحال يوحي بأنّ أمراً كهذا بعيد المنال في الوقت الحاضر. فالدولة نفسها، وبمبادرة من وزارة التعليم العالي، وبإقرار مجلس الوزراء والبرلمان، وضعت خطّة إنشاء جامعة خاصّة للبنات في بغداد، بهدف الفصل بين الجنسين، في مرحلة التعليم الجامعيّ، وهي تجربة شبيهة بالتجربة الإيرانيّة.

ويواجه هذا المخطّط الآن برفض من قبل طلبة جامعة بغداد، حيث شهدت العاصمة العراقيّة مظاهرة احتجاجيّة نظّمتها طالبات الجامعة، تطالب بإلغاء الفكرة، ورفض الفصل بين الجنسين في التعليم الجامعيّ، واستحدث الرافضون للمشروع صفحة على موقع الفايسبوك لحشد الآراء ضدّه.

فالمجتمع العراقيّ يتميّز بالانفتاح ويدعو إليه، فيما تحاول تلك الأحزاب والمؤسّسات فرض ثقافة دينيّة متشدّدة، لا تتناسب والطبيعة التاريخيّة المدنيّة للمجتمع العراقيّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020